; (فلسطين)رغم محاولات حثيثة لزعزعتها «حماس» والمسيحيون.. علاقة تاريخية وتحالف مستمر | مجلة المجتمع

العنوان (فلسطين)رغم محاولات حثيثة لزعزعتها «حماس» والمسيحيون.. علاقة تاريخية وتحالف مستمر

الكاتب وسام عفيفة

تاريخ النشر السبت 03-نوفمبر-2007

مشاهدات 55

نشر في العدد 1775

نشر في الصفحة 26

السبت 03-نوفمبر-2007

«د. يوسف المنسي»: تربطنا بالمسيحيين علاقة متينة.. ولن تنجح كل محاولات ضربها.

نسبة المسيحيين ٤٪ من مجموع السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.. ومعظمهم يسكنون المدن.

لم تشهد الأراضي الفلسطينية المحتلة أي حوادث «عنف طائفي» منذ تأسيس حركة حماس في ديسمبر ١٩٨٧م.

الأب «مانويل مسلم»: علاقتنا مع حكومة حماس هي علاقة الفرد بالمسؤول.. ولهم علينا الطاعة والمحبة.

«خالد الحروب»: لدى حماس ميراث تاريخي في ترشيح مسيحيين على قوائمها ودعمهم.. كما حدث في انتخابات نقابة الأطباء عام ٨٢.

في ظل محاولات زرع بذور الفتنة في أرض لم يسبق لها أن شهدت نزاعات دينية أو طائفية، وفي إطار السعي الحثيث من قِبَل بعض جهات مشبوهة تأتمر بأوامر محمود عباس في رام الله، وتحاول إشاعة أن قطاع غزة أصبح مكانًا غير آمن بالنسبة للمسيحيين بعد سيطرة حماس المطلقة عليه.. يبدو جليًا أن الهدف من كل ذلك هو إظهار قطاع غزة وكأنه بات مفتقدًا للأمن والاستقرار؛ من خلال استغلال الجانب الديني والطائفي لأغراض خبيثة.

وفي هذا السياق، أكد قادة حمساويون ومسيحيون أن جسور علاقة المحبة ممتدة بينهم، وأن محاولات خلق أجواء من التوتر في قطاع غزة، والتي امتدت منذ الحسم العسكري لتعكير صفو العلاقة التي تربطهما، تفشل دومًا.

السطور التالية تستعرض طبيعة العلاقة بين حركة حماس والمسيحيين، وتلقي الضوء على طبيعة الجذور التاريخية بينهما.

فشل ضرب العلاقة:

رغم الاعتداء الذي تعرضت له مدرسة الراهبات الوردية، وكذلك كنيسة دير اللاتين في الرابع عشر من يونيو الماضي، والزج بالقوة التنفيذية وحركة حماس في ذلك، إضافةً إلى عدم التواني في بث الفتن والقلاقل بين المسلمين والمسيحيين، وأخيرًا قتل المواطن المسيحي «رامي عياد» فإن علاقة المسيحيين بالمسلمين عقب حسم غزة تتوطد أكثر فأكثر، حسب قول الطرفين.

ويتضح أن هناك علاقة قوية ومتميزة باتت تربط مسلمي قطاع غزة بمسيحييه، خاصةً وأن هناك اتصالات مكثفة تجري بين الطرفين: وتحديدًا على المستوى الرسمي؛ حيث يقول د. يوسف المنسي، «وزير الأوقاف والشؤون الدينية» المكلَّف في حكومة تسيير الأعمال: «ما يربطنا بالمسيحيين هي علاقة متينة وعميقة، ولن تنجح كل المحاولات المكشوفة لضرب هذه العلاقة أو الإضرار بها». مؤكدًا أن آخر تلك المحاولات كان قتل المواطن المسيحي «رامي عياد» في مطلع شهر أكتوبر الماضي.

ويؤكد أن التحقيق جار، وأن الخيوط ستُكشف، متهمًا حكومة «سلَّام فياض» في رام الله بالوقوف خلف عملية القتل، خاصة وأن وزير الإعلام في حكومته كال الاتهام لحركة حماس «وهو ما يكشف خيوط المؤامرة، ويؤكد أنهم يقفون خلف عملية قتل المواطن المسيحي»، على حد تعبير المنسي.

وعلى ما يبدو فإن هناك تفهمًا للموقف من جانب المسيحيين، حيث يعلمون بالمؤامرة التي تُحاك لضرب العلاقات، لا سيما بعد الحسم العسكري في قطاع غزة منتصف يونيو الماضي، ويقول المنسي: «الأب مانويل مسلم لديه انتماء وطني لبلده ولشعبه، والرؤية لديه واضحة تمامًا، وكان دومًا يؤكد على متانة العلاقة بيننا وبينهم».

نفس الحقوق والواجبات:

وفي الوقت الذي تؤكد فيه حكومة تسيير الأعمال برئاسة إسماعيل هنية دومًا على قوة العلاقة التي تربطهم مع مسيحيي القطاع، نجد أن الأب «مانويل مسلم» راعي الطائفة اللاتينية «الكنيسة الكاثوليكية» في غزة، يؤكد أيضًا أنهم يعيشون في القطاع كمواطنين فلسطينيين، مثل المسلمين، لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات، قائلًا: «علاقتنا مع الحكومة هي علاقة الفرد بالقائد والمسؤول، ولهم علينا الطاعة والمحبة، لأن كل سلطة تأتي من الله».

ويضيف: «هناك أزمة سياسية يعيشها الجميع، خاصة بعد الحسم العسكري في غزة، وهذا ما يؤرقنا كمسيحيين، ويؤرق المسلمين أيضًا، لأننا بتنا مضطربين، مشيرًا إلى أن منهم من يتعامل مع الواقع الحالي في غزة على أنه أفضل من السابق بكثير، في حين يرى البعض الآخر العكس.

ويوضح الأب «مسلم» أن الكنيسة، على المستوى الرسمي، تحتفظ بعلاقة متميزة مع حركة حماس والحكومة الفلسطينية، فيقول: «علاقاتي امتدت من الشيخ الشهيد أحمد ياسين، وكذلك صلاح شحادة، ود. عبد العزيز الرنتيسي، ونمت مع الزمن فأصبحت علاقة حميمة جدًا وبعيدة عن المجاملات، وكنا ندعو بعضنا للاحتفالات والأعياد، ويحترم كل منا الآخر احترامًا كاملًا.. وأقوى دليل على ذلك، أنه حينما تمَّ نشر الصور المسيئة للنبي محمد. وحدث ما حدث من ردود فعل في العالم، حينها شعر المسيحيون في غزة بشيء من الخوف على حياتهم، فسارعت حركة حماس وقتها إلى إرسال جنودها لحمايتنا وحماية مؤسساتنا ومدارسنا من أي ردة فعل قد تحدث، مع العلم أن هذا حدث دون أن نطلب من حماس أي مساعدة، أو نقدم لها أي طلب لحمايتنا، فهي كانت صاحبة المبادرة في ذلك».

علاقات حميمة:

والموقف الذي عبر عنه الأب «مسلم» هو ذات الموقف الذي يعززه القس «حنا سعد»، والذي يؤكد أن هناك علاقات حميمة تربطهم بالمسلمين في قطاع غزة، وهناك فرحة تامة بالهدوء الذي يعيشه القطاع في ظل عدم رؤية السلاح الذي أرق أمن الشارع. 

إلا أنه يلفت إلى أن هذه الفرحة ربما تبددت بعد مقتل «رامي عياد» لكنهم يأملون أن تكون أزمة مؤقتة لا تؤثر على العلاقة الوطيدة.

ويقول القس سعد: «هناك هدوء تام يشهده القطاع، وأنا أعيش بين أحبائي وجيراني المسلمين، ويربطني بهم كل محبة وود، ولن يؤثر على هذه العلاقة أي من المنغصات».

تكليف حكومي:

وكانت وزارة الأشغال العامة والإسكان، بتكليف من إسماعيل هنية، قد قامت بإجراء عمليات ترميم وصيانة واسعة لمباني كنيسة دير اللاتين ومدرسة الراهبات الوردية، عقب الأضرار التي لحقت بهما خلال الأحداث الأخيرة في القطاع.

وقام وفد وزاري ترأسه د. يوسف المنسي بزيارة تفقدية إلى الدير والمدرسة، رافقه خلالها وزير الشباب والرياضة د. باسم نعيم ممثلًا عن رئيس الوزراء إسماعيل هنية، وعدد من مسؤولي الوزارة، للاطمئنان على أوضاع المسيحيين.

وشكر الأب «مسلم» حكومة هنية على الدعم الكبير الذي قدمته من خلال إعادة ترميم وصيانة المباني، وقال: «هذه وقفة عربية فلسطينية إسلامية تعَبِّر عن مدى محبة المسلمين لإخوانهم المسيحيين، واعتبارهم جزءًا من النسيج الوطني... فالمسيحيون في غزة هم مصدر نظام ومساعدة لإخوانهم المسلمين، وكل المؤسسات المسيحية في خدمة إخواننا المسلمين».

بين النظرية والتطبيق:

على المستوى النظري، وتحت عنوان يحدد الموقف من أهل الديانات الأخرى، يتحدث «ميثاق حركة حماس» عن أنها «حركة إنسانية ترعى الحقوق الإنسانية، وتلتزم بسماحة الإسلام في النظر إلى أتباع الديانات الأخرى، لا تعادي منهم إلا من ناصبها العداء، أو وقف في طريقها ليعيق تحركها أو يبدد جهودها»، ثم يستلهم الميثاق تاريخ التعايش في فلسطين والمنطقة، فيقول: «في ظل الإسلام يمكن أن يتعايش أتباع الديانات الثلاث: الإسلام والمسيحية واليهودية في أمن وأمان، ولا يمكن أن يتوافر الأمن والأمان إلا في ظل الإسلام».

وهذا يعني أن نقطة الابتداء لموقف الحركة من الجانب المسيحي وحتى اليهودي، لا تنطلق من النظر إلى فكره وعقيدته، وإنما من موقفه إزاء ما يتعرض له الشعب الفلسطيني، أي أن النظرة تنبع من النظر إلى الاعتداء وليس الاعتقاد.

يقول الأب «مانويل مسلم»: «يجب علينا كمسيحيين أن نثبت شيئًا مهمًا، وهو أن المسيحيين في غزة لا يتعرضون لأي مضايقات أو أي نوع من أنواع الاضطهاد من أي جهة كانت، فالمسيحي هو نفسه الذي يتقاسم الجوع والفقر والحصار مع أخيه المسلم لأن الظلم الواقع على المسيحي هو نفسه الواقع على المسلم، وليس هناك في غزة من يعمل ضد المسيحيين».

ويؤكد أن المسيحيين جزء من الفسيفساء العربية، فلا فرق بين عربي مسلم وعربي مسيحي، مشيرًا إلى أن الاختلاف العقدي لا يفسد حقيقة التاريخ والمستقبل المشترك، ويقول: «نحن، كطائفة مسيحية، ننظر إلى حماس على أنها حركة فلسطينية سياسية مناضلة تعمل من أجل تحرير فلسطين والمقدسات الإسلامية والمسيحية على السواء».

وقد انتقلت رؤية حماس، كما حددها الموقف من الآخر الديني، إلى مستوى أكثر تحديدًا وتفصيلًا على الصعيد المسيحي، وتم صياغة ذلك المستوى عبر مجموعة سياسات تبنتها الحركة منذ العام الأول من نشأتها، «تعتبر مسيحيي فلسطين جزءًا لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني والأمة العربية وهويتها الحضارية، ولهم من الحقوق المدنية ما لبقية الشعب الفلسطيني، وعليهم من الواجبات ما عليهم، مع الإشارة إلى أعيادهم ومناسباتهم الدينية في بيانات وفعاليات الانتفاضة، ومشاركتهم في الممكن منها، ودعوتهم لعدم الهجرة بسبب ضغط الإرهاب الصهيوني، ووحشية ممارساته العدوانية ضد أبناء الشعب الفلسطيني».

ميراث تاريخي:

يقول «خالد الحروب» الكاتب المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية: «إن الإطار العام للمجتمع الفلسطيني منذ نشوء حركة حماس ظل بعيدًا عن نشوب أي توترات طائفية، وفيما يتعلق بهذا الجانب، ظلت الميزة الأهم التي ميَّزت كفاح حماس منذ تأسيسها في أواخر عام ۱۹۸۷م هي مبادلة المسيحيين الاحترام، والتزام السياسات العامة، والتي ألزمت الحركة نفسها بها، إذ لم تشهد الأرض المحتلة أي حوادث يمكن أن تُصنَّف تحت عنوان «العنف الطائفي»، والأمر الآخر الذي يمكن رصده بسهولة هو الممارسة التفصيلية لتلك السياسات خلال الأعوام التي مضت من عمر «حماس». ويقصد بذلك علاقة حماس بالخصوصية المسيحية، سواء في المناسبات أو الأماكن أو الشخوص.

وللتدليل عمليًا على تلك الممارسات، يشير «الحروب» إلى أنه يمكن سرد مجموعة من الحوادث والمواقف، فلدى حماس ميراث تاريخي في ترشيح مسيحيين على قوائمها ودعمهم، كما حدث ذلك في انتخابات نقابة الأطباء عام ۱۹۸۲م، بحضور د. عبد العزيز الرنتيسي، ود. إبراهيم المقادمة رحمهما الله.

تحالف مستمر:

ومن جانبه، أثنى الشيخ «عبد الفتاح دخان»، أحد مؤسسي حركة حماس، على العلاقة مع المسيحيين في فلسطين، موضحًا أنها ما زالت قوية ولم يطرأ عليها أي توترات تذكر، ويضيف قائلًا: «نحن كحركة إسلامية كنا قد تحالفنا مع المسيحيين في انتخابات الهلال الأحمر الفلسطيني، وذلك قبل انتفاضة ۱۹۸۷م».

من جهة أخرى، بادل المسيحيون حركة حماس علاقات الود والاحترام، وتم تتويج هذا الود بالاعتصام الوطني الذي نفذوه أمام الكنيست في ديسمبر ۱۹۹۲م، للمطالبة بإعادة مبعدي مرج الزهور، كما زار المطران «عطا الله حنا» الناطق باسم الكنيسة الأرثوذكسية. الشيخ أحمد ياسين رحمه الله، في منزله بمدينة غزة للاطمئنان على صحته، حيث تبادلا النقاش حول المصير الفلسطيني المشترك.

أما على صعيد العلاقات السياسية بين حماس ومسيحيي فلسطين، فيقول الشيخ «دخان»: «إن حماس عملت في الانتخابات التشريعية الأخيرة على دعم النائب المسيحي في المجلس التشريعي حسام الطويل، إضافة لترؤس بلديتَي رام الله والبيرة من قِبَل مسيحيين، مما يدلل دلالة واضحة على قوة وصلابة هذه العلاقة».

قاعدة صلبة:

من الواضح إذن أن كل المحاولات الرامية لتفتيت العلاقة بين حماس والطوائف المسيحية في فلسطين تصطدم بحائط الأخوة الذي يجسد معنى التسامح؛ حيث نشأت هذه العلاقة على قاعدة النضال المشترك ضد الاحتلال، وظلت عادية وغير متوترة، وتحرص حماس من جانبها على البقاء يقظة، لإبعاد أي تشويش لهذه العلاقة، مما يشير إلى أن فلسفة التعددية السياسية والدينية والتعايش معها في إطار المجتمع الفلسطيني تعَدُّ عنصرًا رئيسًا في تكوين التصور الوطني لحركة حماس، وهذا بالتأكيد أمر يُحسب لها وليس عليها.

يذكر أن نسبة المسيحيين تبلغ ٤٪ من مجموع عدد السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وأنهم يتمركزون في المناطق الوسطى من الضفة الغربية في بيت لحم والقدس ورام الله، وفي مدينة غزة.. ويُشار إلى أن معظمهم يسكنون المدن، وقليل منهم يتواجدون في قرى بعينها، بينما تكاد نسبتهم في مخيمات اللاجئين لا تُذكر.

الرابط المختصر :