العنوان ركائز بناء الطفل المسلم
الكاتب خالد أحمد الشنتوت
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أغسطس-1992
مشاهدات 74
نشر في العدد 1013
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 25-أغسطس-1992
ضياع الأجيال الصاعدة: مسؤولية البيت والمجتمع
تمهيد: خطورة الظاهرة وأبعادها
ثمة ظاهرة
اجتماعية خطيرة في جميع البلدان المسلمة، يراها المسلم الغيور على أمته عدة مرات
في اليوم، فيتفطر قلبه ألمًا، ثم ينساها بعد دقائق كما ينسى غيرها من مشكلات
المسلمين المزمنة. هذه الظاهرة الخطيرة تتمثل في وجود عدد من الشباب تتراوح
أعمارهم بين (11) - (18) سنة يلعبون الكرة في الساحة المجاورة للمسجد، في الوقت
الذي تقام فيه الصلاة، وترى آباءهم يمرون من بينهم ذاهبين إلى المسجد، ولا تسمع
منهم كلمة دعوة أو أمرًا لهؤلاء الشباب تدفعهم إلى المسجد لأداء الصلاة. وقد انغرس
في العقل الباطن لهؤلاء الآباء وأبنائهم أن الصلاة يؤديها «الشيوخ» الكبار في
السن، أما الصغار ومنهم الشباب فيصلون فيما بعد، عندما يكبرون. وبعد سنوات ليست
كثيرة، سيكون هؤلاء الشباب هم رجال الأمة، وقادة فكرها وجيشها وإداراتها... فما
أشد الخطر - إن لم تتداركنا يد العناية الربانية - وما أسوأ المصير الذي ستعيشه
أمتنا عندما يقودها أبناء الجيل الصاعد المعاصر.
العقبات المخطط لها والمساهمون فيها
وعند التأمل نجد
أن هذه العقبات التي تقف في طريق تنشئة الطفل المسلم، دُبِّرت في محافل أعداء
الإسلام. فهذا المبشر (جون موط) يقول: «يجب أن نؤكد في جميع ميادين التبشير جانب
العمل بين الصغار وللصغار، وأننا مقتنعون بأن نجعله عمدة عملنا في البلاد
الإسلامية. إن الأثر المفسد في الإسلام يبدأ باكرًا جدًا؛ من أجل ذلك يجب أن
يُحمَل الأطفال الصغار إلى المسيح قبل بلوغهم سن الرشد، وقبل أن تأخذ طبائعهم
أشكالها الإسلامية» (1).
أما الذين
يساهمون في وجود هذه العقبات فهم كثيرون، ويقومون بدون وعي في تنفيذ ما أراده
أعداء المسلمين، وهم:
1. الأبوان ودور الفطرة:
فقد أخرج مسلم
في صحيحه أنه روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: «ما مِن مَوْلُودٍ إلَّايُولَدُ علَى الفِطْرَةِ، فأبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أوْ يُنَصِّرَانِهِ، أوْيُمَجِّسَانِهِ» (الحديث) (2).
فالأبوان
مسؤولان عن عقيدة الطفل، وقد هيأ لهما الله عز وجل الأسباب التي تُمكِّنُهما من
المحافظة على فطرة الطفل التي فطره الله عليها وهي الإسلام، ولكنهما تخليا عن هذه
المهمة العظيمة، فالأب مشغول بتجارته ومؤسساته، وربما أصدقائه وملذاته، والأم
مشغولة بفساتينها ومحلات الأزياء والحفلات وصاحباتها، وأوكلا هذه المهمة الخطيرة
إلى المربيات والخادمات والسائقين، هذه الجيوش الخطيرة على مستقبل الأمة المسلمة
(3).
ويتوهم الأبوان
أن المربية والمدرسة، وربما المدرس الخصوصي يقومون بمهمة التربية بشكل أفضل منهما،
وقد اتضح الخطأ الفادح في هذا الوهم كما سنرى.
2. المدرسة ومناهجها العلمانية:
عندما نتأمل في
مدارس وجامعات العالم الإسلامي نجد أن المناهج العلمانية تعشعش في أعماقها. ومهما
حاول بعض المخلصين من القائمين على الأمور تزويدها بالمنهج المسلم، والمدرس
المسلم، فإنها بُنيت وخُطِّطت أساسًا لتكون نسخة مشوهة للمدرسة في الغرب. هذا
بالنسبة لمعظم المدارس الحكومية، أما المدارس الأجنبية الخاصة في العالم الإسلامي
فقد أُسِّست لتُخرج أبناء المسلمين من الإسلام وقد يُستثنى عدد محدود جدًا منها.
ومن أهم أسباب فشل المدرسة في العالم الإسلامي افتقارها إلى المدرس الداعية، وكيف
يتوفر لها هذا المدرس وجيوش المخابرات تطارد الدعاة والشباب المسلم في البلدان
المسلمة؟ وفي الأعياد تصدر بعض الدول عفوًا عامًا عن المجرمين أصحاب السرقات أو
جرائم القتل، وربما جرائم التزوير والمخدرات، أما الدعاة والشباب المسلم فيُستثنون
من هذا العفو العام، ليقضوا زهرة عمرهم في أقبية السجون والمخابرات.
3. وسائل الإعلام وسحر التلفزيون:
وأهمها
(التلفزيون) الذي سحر الأطفال، حتى إن طفل المرحلة المتوسطة يقضي أكثر من ثلاث
ساعات يوميًا في مشاهدة التلفزيون (4).
و(90 - 96%) من
أطفال المرحلة الابتدائية يشاهدون التلفزيون، وعندما توجد أكثر من قناة، فإن
الأطفال يعزفون عن البرامج التعليمية - إن وجدت - إلى البرامج الترفيهية (5).
فماذا يُقدَّم لأطفالنا وشبابنا في هذه البرامج؟
ولن نقول عنها سوى أنها لغو باطل يملأ عقولهم فيشغلهم عن الحق والعلم والإيمان.
وكذلك الصحافة وما تخصصه من جهود - زائدة عن الحد - لإظهار أبطال الكرة وغيرهم من
أبطال الرياضة، حتى أنك لو تتبعت مجموعة عشوائية ممن يقرأون الصحف اليومية لرأيت
أن أغلبهم يفتح الجريدة على الصفحات الرياضية، وقد لا ينظر البتة إلى العناوين
السياسية في الصفحة الأولى، أما الصفحات الأدبية والثقافية فلا يراها إلا «أولو
العلم» في هذا الزمن المجدب.
الداء والدواء: حلول للتحرك قبل فوات الأوان
وبعد... ما
العمل؟ وقد عرفنا الداء والدواء بأيدينا، والمصير خطير جدًا، إن لم نتحرك قبل فوات
الأوان. وهذه بعض الحلول يراها الباحث علاجًا لهذه الظاهرة الخطيرة:
1. البيت المسلم: المؤسسة التربوية الأولى
لابد أن يعرف
الأب المسلم والأم المسلمة أنهما مسؤولان عن أبنائهما أمام الله، وسيحاسبان عن
تقصيرهما إن حدث. ومن واجب الخطباء في المساجد أن يذكروا الآباء والأمهات دون ملل
بهذا الواجب العظيم. فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: «مُروا أولادَكم بالصلاةِ وهم أبناءُ سبعِ سنينَ واضربوهُم عليها وهمْ
أبناءُ عشرٍ وفرِّقوا بينهُم في المضاجعِ» (6).
فهذا أمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال
السهارنفوذي في كتابه: بذل المجهود في حل أبي داود: (3/344): «أمر للأولياء؛ لأن
الصبي غير مكلف، فأمرهم بالصلاة للتخلق والاعتياد». قال الكاندهلوي: وفيه ضرب
الأولاد، وفي الدر المنثور برواية البيهقي عن أم أيمن مرفوعًا: «أنفق على أهلك من طَوْلِك،
ولا ترفع عصاك عنهم».
وينبغي أن يعرف
الأبوان المسلمان أنهما المسؤولان عن الطفل أمام الله، وليست المربية، فالله عز
وجل لن يحاسب المربية إذا انحرف الطفل، ولن يحاسب المدرس عنه، بل سيحاسبهما قبل
الجميع، فالأمر لهما: «مروا أولادكم»، وليس هذا الأمر لغيرهما. ويقول محمد قطب:
«إذا كان البيت والمدرسة والشارع والمجتمع هي ركائز التربية الأساسية فإن البيت هو
المؤثر الأول، وهو أقوى هذه الركائز جميعًا، لأنه يتسلم الطفل من أول مراحله، ولأن
الزمن الذي يقضيه الطفل في البيت أكبر من أي زمن آخر، ولأن الوالدين أكثر الناس
تأثيرًا في الطفل» (7). وعندما يقوم البيت المسلم بواجبه التربوي سينحل جزء كبير
من هذه المشكلة. أما المدرسة المسلمة والمسجد المسلم، والإعلام المسلم فستقوم
عندما يقوم المجتمع المسلم، وليس ذلك على الله ببعيد.
2. المدرسة المسلمة: إعادة البناء
وتصبح المدرسة
مسلمة عندما نقيمها على غير البناء الغربي في المنهج والفلسفة وطرق التربية
والمدرسين. فنقيمها على أن يكون القرآن الكريم والحديث الشريف المحور الأساسي في
برامجها، ونزودها بالدعاة المسلمين - بدلًا من زجهم في السجون - وعندئذ تتابع هذه
المدرسة ما بناه البيت المسلم.
3. المسجد المسلم: استعادة الدور الريادي
ويقوم المسجد
بدوره التربوي عندما يتولى أموره الدعاة المربون، فيعود إلى سيرته زمن رسول الله
صلى الله عليه وسلم، فيصبح مسجدًا ومدرسة وجامعة ودارًا للشورى وعقد الرايات
لتسيير جيوش الفتح، وعسى أن يكون ذلك قريبًا.
4. وسائل الإعلام المسلمة: التحصين والبديل
وإذا كنا نعجز
اليوم عن بنائها، فلا نعجز عن تحصين أجيالنا ضدها. فنعد لهم أقلامًا مسلمة،
وأناشيد إسلامية، ونقدم لهم البديل الإسلامي، كما نملأ وقتهم بالأنشطة المسلمة في
البيت والمسجد والمدرسة والمخيم الإسلامي، والمعسكر الصيفي، ثم إرسالهم إلى ساحات
الجهاد وميادينه، فنبعدهم عن الآثار السامة لوسائل إعلامنا المعاصرة.
خاتمة
مما سبق يتبين
أن البيت المسلم (8) هو المسؤول الأول عن هذه الظاهرة الخطيرة (ضياع الأجيال
الصاعدة)، وعندما يقوم بواجبه ينهزم الشيطان وجنوده ويتحرر أبناؤنا من أغلالهم،
ويعودون إلى الفطرة كما خلقهم ربهم عز وجل. وندعو الله عز وجل أن ينبه الآباء
والأمهات ويوقظهم إلى عظيم واجبهم، إنه على كل شيء قدير. والحمد لله رب العالمين.
ــــــــــــــــــــ
الهوامش
- أبو داود (2/161)، المكتبة السلفية.
- برامج التلفزيون، بحث منشور في
مجلة التربية في أبي ظبي، العدد 71، مارس 1989، للباحث خالد شنتوت.
- صحيح مسلم رقم (2658) في
القدر، بيروت، 1372هـ، ص 68.
- محمد قطب، منهج التربية
الإسلامية، دار الشروق (1/93).
- مصطفى الخالد وعمر فروخ، التبشير
والاستعمار في البلاد العربية، المكتبة العصرية.
- هيلمويت وآخرون، التلفزيون
والطفل، ترجمة سعيد عبد الحليم، القاهرة، سجل العرب 1967، ص 29.
- انظر كتاب الباحث: خطر المربيات غير المسلمات على
الطفل المسلم، نشر دار المجتمع بجدة، عام 1992م.
- انظر كتاب الباحث: دور البيت في تربية الطفل المسلم،
نشر دار المطبوعات الحديثة بجدة عام 1410هـ.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل