العنوان رمضان.. آمال وذكريات ونصر مبين
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 28-ديسمبر-1999
مشاهدات 106
نشر في العدد 1382
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 28-ديسمبر-1999
قلت لنفسي وأنا على أبواب رمضان، وقد تسارع المسلمون إلى صيام أيامه وقيام لياليه هل تهزم أمة يناديها رمضان؟ وهل تقهر شعوب تحتضنها المساجد، ويقومون فيها بالقرآن؟ وهل يندرس تاريخ يحفظ بدرًا ويوم الفرقان؟
وقد رأيت ملامح الإجابة وأضواء الحقيقة تتبدى لي من بين الغمام، وفي تضاعيف الحوادث الجسام، تناديني: إن ضلت الأمة فالقرآن يهديها، وإن مرضت فالكتاب يشفيها، وإن ماتت فالذكر يحييها، لقد عودنا رمضان النصر المبين، والفتح العظيم، وعلمنا كيف يأتي الفتح على أيدي المخلصين العاملين، وكيف تصون الجوارح الطاهرة والأيدي المتوضئة الحقوق، وتحفظ الديار، وتغلب الفئة القليلة الفئة الكثيرة بإذن الله.
إن عوار هذه الأمة وسقمها قد جاءها من أنفسها، وأصابها من أعمالها، وصدق الله ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران: ١٦٥)، فالأمم إذا تخلت عن أهدافها وهويتها ضلت الطريق، فإذا ردت إليه استقامت وأخذت مكانتها واستوت على الجادة، وثبتت في وجه العواصف والأمواج والمحن، وقاومت أعداءها وحاربتهم وانتصرت عليهم، ويوم قامت هذه الأمة، وأخذت على عاتقها تبليغ الدعوة وحمايتها، كانت تقدر وعورة الطريق وثقل التبعة، وتبصر حجم الركام الهابط الذي قدر لها أن تزيله ركام الجاهلية الوثنية، ركام الفساد والعادات الخبيثة، ركام الاستعباد والظلم الاجتماعي، ولهذا فالمجتمع الجاهلي لم يحارب دعوة الرسول ﷺ إلا لأسباب لم تتواءم معه أو ترق لقادته ومجتمعه، مثل:
- الإبقاء على الظلم والقهر والامتهان للبشرية المستتر وراء الوثنيات.
- الدفاع عن الفساد الذي استمرأه جهل الرؤساء وتقبلته جاهلية الشعوب.
- الدفاع عن رئاسات فاسدة متسلطة مستعبدة للضعفاء، وقاهرة للحريات، تحتفي بالأنساب أكثر من احتفائها بالأعمال.
- التمسك بتقاليد ورثوها وابتدعوها وجعلوها دينًا يدافعون عنه بقوة وإصرار، قائلين: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ (الزخرف: ٢٣).
ورغم هذه الأسباب وعليها مزيد استطاع الإسلام أن يكافح ويناضل ولا يهن ولا ييأس حتى غير المفاهيم، وأزال العوائق، وفتح القلوب الغلف، وبدل القيادات، وأزال الجهالات، وصنع أمة عظيمة النفس قوية العزيمة سليمة الخلق مستقيمة الخطو، بلغت في الخيرية درجة الأستاذية على العالمين، ولا شك أن هذا قد احتاج إلى جهد كبير وعمل عظيم، وكفاح مرير قام به رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، صبروا وصابروا وجاهدوا حتى بزغ الفجر من وسط الظلام، وطلعت الشمس من رحم العتمة والقتام.
روى البيهقي وغيره عن أُبي بن كعب- رضي الله عنه- قال: لما قدم رسول الله ﷺ وأصحابه المدينة وآوتهم الأنصار، رمتهم العرب واليهود عن قوس واحدة، وشمروا لهم عن ساق العداوة والمحاربة، وصاحوا بهم من كل جانب، حتى كان المسلمون لا يبيتون إلا في السلاح ولا يصبحون إلا فيه، فقالوا: ترى نعيش حتى نبيت مطمئنين لا نخاف إلا الله عز وجل، فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور: ٥٥).
قال البيهقي: وفي مثل هذا المعنى قوله تعالي: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ۞ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (النحل: ٤١-٤٢)، وهذه الآية نزلت في المعذبين الفقراء في مكة حين هاجروا إلى المدينة بعدما ظلموا فوعدهم الله تعالى في الدنيا حسنة، يعني بها الرزق الواسع، وقد كان، فيروى عن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- أنه كان إذا أعطى الرجل عطاءه من المهاجرين وكان شيئًا كثير جدًا، قال له خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله تبارك وتعالى في الدنيا، وما ادخره لك في الآخرة أفضل وأجزل.
لم ينصر الإسلام بقوم نيام أو كسالى، أو يعبدون الله على حرف، وإنما نصر بقوم استعصوا على الظلم، وقاوموا البغي والطغيان وأعدوا له عدته وأخذوا له أهبته، وكونوا له جنده وجهزوا له سلاحه، وتوكلوا على الله فنصرهم الله وصدق الله ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ۞ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: ٣٩-٤٠).
وكان أول اختبار كبير وعظيم للمسلمين في رمضان موقعة بدر الكبرى، حيث خرجت قريش بأفلاذ أكبادها وعظمائها لتلاقي رسول الله والكتيبة المؤمنة على غير ميعاد، وأراد الله للكفر أن ينهار في مكة بزعامة أكبر قادتها وعظمائها، بأيدي فتية مؤمنة باعوا نفوسهم لله عز وجل، لا يخافون في الله لومة لائم، وقد ظهر ذلك في حديثهم مع رسول الله ﷺ عندما شاورهم، فقال المقداد بن الأسود: «يا رسول الله امض لما أمرك الله، فنحن معك والله لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، والله لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكن نقول لك اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون عن يمينك وشمالك، وبين يديك وخلفك، والذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى نبلغه»، فأشرق وجه رسول الله ﷺ ودعا له.
ثم قال الرسول يستزيد من مشورة أصحابه: «أشيروا علي أيها الناس»، فقام سعد بن معاذ وقال: «لكأنك تريدنا يا رسول الله، يا رسول الله لقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض لما أردت، فصل حبال من شئت واقطع حبال من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وما أخذت منا أحب إلينا مما تركت وما أمرت فيه من أمر فأمرنا تبع لأمرك، وما نكره أن نلقى عدونا غدًا، إنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء لعل الله يريك منا ما تقر به عينك» فسر الرسول بقول سعد.
أترى بعد ذلك تهزم أمة فيها هذه القيادة التي تتشاور مع الناس في كل شيء، وتقلب الأمور على كل وجه، وفيها هؤلاء الأبطال الذين لا يهابون الموت في سبيل الله، سواء وقع عليهم الموت أو وقعوا عليه؟
هذه هي أمتنا وهؤلاء هم آباؤنا وأسلافنا العظام الذين ما زال تاريخهم ينير لنا الدروب مهما أظلمت، ويرشدنا إلى الجادة المستقيمة مهما تشعبت السبل وادلهمت الخطوب، نسأل الله السداد والعون والرشاد.. آمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل