العنوان رمضان الماضي والحاضر
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 14-يونيو-1983
مشاهدات 55
نشر في العدد 625
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 14-يونيو-1983
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ
كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة:
183).
رمضان شهر الطهر والتزكية والسمو.. شهر تتجلى فيه عبادة
المسلمين فتسمو أرواحهم وتصفو نفوسهم وتزول أدران الإنسان فيهم وترتقي في عالم
الروح أحاسيسهم مترفعة عن متاع الدنيا الفاني.. يصوم المسلم في رمضان النهار،
ويقوم الليل متبتلًا مبتهلًا إلى الله.. راغبًا في طاعته مقبلًا على ما يقربه إليه
من قربات.
هذا هو رمضان.. لقد جاء على الأمة الإسلامية اليوم وحال الأمة
ليس كحالها بالأمس.. زمن النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام.. وزمن السلف
الذي عرف معنى الصوم وفهم مقاصده فأدي شهر الصوم حقه.
ليس رمضان اليوم كرمضان الأمس.. فرمضان الأمس كما فهمه المسلمون
وصاموه كان رفعًا للنفس الإنسانية عن جميع شهواتها المادية وتهيئتها لعظائم الأمور
وتعويدها الصبر والاحتمال..
لم يكن رمضان الأمس كما فهمه سلفنا الصالح کرمضان اليوم، فمعظم
المسلمين اليوم غابت عن مفاهيمهم مقاصد شهر الصيام الحقيقية.. لقد غاب عنهم أن
الإحساس بأن مشقة الصيام زاد روحي أغني من متاع الدنيا كله.. فغدا الكثير من أبناء
المسلمين في مختلف أقطار الدنيا يستقبلون هذا الشهر بأسلوب مختلف عن أساليب
الأجداد.. إنهم ينظرون إلى رمضان وكأنه شهر الراحة والدعة لا شهر الانتصارات التي
عرفها المسلمون في رمضان.. لقد نسي مسلمو اليوم -وللأسف- أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم كان يصوم كلما همّ بغزوة من الغزوات وذلك توطينًا لنفسه الشريفة على
احتمال ما يلاقيه تقربًا إلى الله.
أما على مستوى الأجهزة الرسمية في الدول الإسلامية فإن استقبال
رمضان شذ عن الذي فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم.. حتى صار رمضان كما يراه
المسلمون جميعًا موسمًا من مواسم اللهو ولاسيما على شاشة التلفزيون الذي دخل كل
بيت وللأسف.. وكثيرًا ما تبث تلفزيونات الدول الإسلامية ما يسيء إلى مقاصد الصوم
وأهدافه.
إننا لو وازنا بين ما فعله الأوائل في رمضان، وما يفعله الناس
اليوم لوضعنا ألف علامة استفهام على الذين يشجعون على مجالات اللهو والتسلية في
هذا الشهر الكريم.
فهؤلاء يمارسون -من حيث يشعرون أو لا يشعرون- سياسة مؤداها
تفريغ هذا الشهر الكريم من جوهره الذي يقوم على مقاصد روحية وسلوكية من شأنها أن
تمد المجتمع المسلم بالحركة والنماء والتماسك والقوة.
هنا لابد من تذكير شباب المسلمين بأن أجدادهم الأوائل لم يجعلوا
من رمضان شهرًا للمهرجانات.. ولا موسمًا للسهرات وإنما كان رمضان شهرًا زاخرًا
بالانتصارات على الأعداء.. وكان شهرًا حافلا بالفتوح التي دكت معاقل الشرك وزلزلت
أركان الوثنية ونشرت الإسلام في ربوع الأرض..
على أن انتصارات المسلمين الأوائل في رمضان وغير رمضان كانت
مسبوقة بانتصارهم على أنفسهم قبل كل شيء.. كانوا إذا ما استعدوا لحرب في صوم أو
قيظ يستشعرون حلاوة الجهاد منذ أول لحظة للإعداد فأين هذا مما يعيشه المسلمون
اليوم؟!
إن المجتمع المسلم مطالب اليوم بفهم معاني رمضان كما فهمها
أسلافنا رحمهم الله.. وهو مطالب بإعادة قدسية هذا الشهر الكريم إليه.. وهو مطالب
بتطهير الساحة الإسلامية من الطفيليات التي يكثر ظهورها في رمضان.
وإننا إذ نذكر المجتمعات المسلمة بما يجب أن يكون عليه هذا
الشهر الكريم فإننا لا ننسى أن للحكومات والأنظمة دورًا أساسيًا في إعادة القدسية
إلى رمضان كما كانت في زمن الأسلاف.. ولتكن الخطوة الأولى بإعداد برامج جادة يزخر
بها اليوم الرمضاني. برامج لا تنفك عن تسخير كل الوسائل لخدمة مقاصد الصوم في هذا
الشهر الكريم.. ويتأمل حكامنا في سير الأوائل الذين صنعوا في رمضان قديمًا كل
مفخرة لهذه الأمة.. وليتأملوا أيضًا في سير المجاهدين الذين بنوا أنفسهم ثم جاهدوا
عدوهم وليكن عند ذلك رمضان بداية الرحلة للانتصار على النفس عند الشعوب والحكام..
وبداية منطلق إسلامي لهذه الأمة تعيد إلى حاضرها أمجاد ماضيها الإسلامي الزاهر.