العنوان رمضان شرع لهذا.. عبادة الله عز وجل
الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 06-سبتمبر-2008
مشاهدات 73
نشر في العدد 1818
نشر في الصفحة 54
السبت 06-سبتمبر-2008
تدريب النفس على الطاعات بالمثابرة والتصبر في مدرسة الصبر الرمضانية
- رمضان جائزة من الله تعالى تحتاج لمزيد شكر وعبادة
- العبادة في رمضان لها مذاق خاص إذ ما شرع الصيام فيه إلا لتحقيق العبادة لله رب العالمين
أرأيت لو أن بعض الناس أهداك هدية نفيسة غالية الثمن تقدر بمئات من الجنيهات، قد كنت في أشد الحاجة إليها ولا تستطيع امتلاكها لأنك فقير، أكنت تحبه وتتودد إليه وتطيعه ولا تعصيه؟ وما ظنك لو كانت تلك الهدية تتعلق بحياتك وتهبك ما تستقر به تلك الحياة، أما كنت له خاضعًا ذليلًا مطيعًا لأمره شاكرًا له ليل نهار ما دام فيك عرق ينبض ونفس في صدرك يتردد؟
إن هناك الكثير من الناس في دنيانا نسمع منهم مقولة شائعة تتردد في أوساط المرضى وغرف الأطباء، إنني مدين لك يا دكتور بحياتي، فلقد شفيت على يديك بفضل الله، أشكرك أيها الطبيب، لقد غيرت حياة ابني فصار إنسانًا آخر بعد أن شفاه الله على يديك، أترى أن مال الدنيا يكفيه مقابل هذه النعمة العظيمة.. نعمة العافية؟!
إن هذا السؤال قد يستطيع الإجابة عليه بصدق من فقدوا عافيتهم، أو ابتلوا ببعض الأمراض، فهم يتقلبون فيها من حين إلى حين يدعون ربهم أن يكشف عنهم الضر ويزيح عنهم البلاء، إنهم يعلمون أن الواهب والشافي هو الله، وما الطبيب إلا أداة سخرها الله تعالى ليجري على يديه من أسباب الشفاء ما شاء سبحانه وتعالى.
فما ظنك لو كانت هذه الهدية لا تقدر بمال ولو كانت قناطير مقنطرة، ولا توزن بميزان ولو كانت أطنانًا مضاعفة، وهي ممن بيده ملك كل شيء ملكًا حقيقيًا لا شبهة فيه، ولا زوال له ولا مماثلة بينه وبين ملك آخر، ملك لا حدود له لأنه مطلق، ولا نقصان منه لأنه لا ينفد، خزائن ملأى يوزع منها على العباد فلا تغيض. وأرزاق يقسم منها على العباد فلا تنقص، يعني فقيرًا ويزيد غنيًا، ويعطي محرومًا، ويهدي ضالًا، ويشفي مريضًا، ويمن بعافية، ويهب حبا، ويوجد ذرية، ويرزق من ملكه ذاك من يشاء بغير حساب، فلا ينقد ولا ينقص منه شيئًا.
قال رسول الله ﷺ: «يد الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، وقال: أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، فإنه لم يغض ما في يده» (البخاري).
ويبين تعالى لنا ذلك في الحديث القدسي، إذ يقول: «يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر» (مسلم).
تفكر في هدايا ربك إليك
لقد وهبك الله أغلى هدية صرت بها عبدًا في عالم الوجود، وتشرفت بها بعبوديتك للخالق المعبود، فأصبحت حيا من بعد عدم، قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ (الإنسان: 1)، وصرت إنسانًا هو أكرم المخلوقات كما قال خالقك: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء: 70، فوهبك الحياة لتعيش وتحيا في دنياك، وجعلها أمانة إلى أجل لديك، ونعمة لتصان بين يديك علك ترضيه وتحبه، حبًا لذاته لأنه واهب معط وقادر متفضل جميل قد سواك وخلقك في أحسن صورة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (التين: 4)، وقال ممتنًا عليك: ﴿أَلَمۡ نَجۡعَل لَّهُۥ عَيۡنَيۡنِ (8) وَلِسَانٗا وَشَفَتَيۡنِ (9) وَهَدَيۡنَٰهُ ٱلنَّجۡدَيۡنِ (10)﴾ (البلد: ٨- ١٠).
ودعاك لكل خير تقوم عليه حياتك الموهوبة لك إلى أن تموت فتلقاه، فيهبك حياة أخرى هي أعم وأعظم من تلك الحياة فلا ينالها الفناء ولا يطالها الموت، لكنها تحتاج منك لوقفات ووقفات لأنك مسؤول، وهو سبحانه سائلك بعد أن أعطاك فرصة الاختيار لنوع تلك الحياة ويسر لك أسباب الهداية لخيرها، والعمل لرقيها، وأرسل لك رسله، وأنزل إليك كتبه، ووهبك عقلًا يعقلك وقلبًا يعصمك لتدرك مع ذلك بفطرتك أن دورك عظيم وأنك ممحص في دنيا البلاء والاختبار والتمحيص، ولن تنجو من ذلك إلا بعبادة الله تعالى المنعم الخالق الرازق واهب الحياة.
كيف تعبد الله؟
تعبد الله تعالى بما شرع؛ لأن الأصل في العبادات التعبد، ومن حكمة هذا التعبد الانقياد لأوامر الله تعالى، وإفراده بالخضوع والتعظيم لجلاله والتوجه إليه، فلا بد في العبادة أن تكون كما شرع الله لا كما تهوى الأنفس، فلا يقول قائل: لماذا صوم رمضان بعينه وليس غيره من الشهور، فلو أراد أحد أن يصوم شعبان أو شوال كله، ويجعله بدلًا من رمضان دون عذر أو مرض ما أجزاه، وما نفعه، ولو صام العام كله؛ لأن الله افترض صيام شهر رمضان لا غيره وتعبدنا بصيامه.
وليس من الضروري معرفة أسرار كل عبادة، أو الحكمة منها، أو الغرض من شكلها، أو كيفيتها، فالأصل أنها تؤدى امتثالا لأمر الله تعالى، وأنها ابتلاء العبودية الإنسان لربه، إذ يبتلينا بما لا نعلم سره من التكاليف وهو سبحانه ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (الأنبياء: 23).
وقد قال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله: إن العبادات لصحة قلب الإنسان كالأدوية لصحة بدنه، وليس كل إنسان يعرف خواص الدواء وسر تركيبه إلا الطبيب أو العالم الذي اختص بمعرفته، وكل مريض يقلد الطبيب فيما يصف له من دواء ولا يناقشه فيه، قال: فكذلك بان لي على الضرورة أن أدوية العبادات بحدودها ومقاديرها المحدودة المقدرة من جهة الأنبياء، لا يدرك وجه تأثيرها ببضاعة عقل العقلاء، بل يجب فيها تقليد الأنبياء الذين أدركوا تلك الخواص بنور النبوة لا ببضاعة العقل، وكما أن اختلاف الأدوية في المقدار، والوزن، والنوع لا يخلو من سر هو من قبيل الخواص، فكذلك العبادات التي هي أدوية داء القلوب مركبة من أفعال مختلفة النوع والمقدار حتى إن السجود ضعف الركوع، وصلاة الصبح نصف صلاة العصر في المقدار، فلا يخلو عن سر من الأسرار وهو من قبيل الخواص التي لا يطلع عليها إلا بنور النبوة.
في رمضان للعبادة مذاق خاص
والعبادة في شهر رمضان لها شكل أعظم، ومذاق خاص، وطعم ألذ! إذ ما شرع صيام رمضان إلا لتحقيق العبادة فيه لله رب العالمين، والاعتياد عليها بعد المداومة طيلة الشهر، وتدريب النفس على الطاعات بالمثابرة والتصبر في مدرسة الصبر الرمضانية التي تلتحق بفصولها، ونتعلم فيها بجد وإخلاص شهرًا واحدًا من كل عام تعليمًا مكثفًا يؤهلنا النجاح فيه للاستمرار في مدرسة الحياة الطيبة في الدنيا، والتميز والتفوق في امتحان القلوب في الدار الآخرة.
وإذا ما تم لنا ذلك حصلنا على شهادات الامتياز، وأوسمة الفخار التي تصير بموجبها عبادة الله ديدنًا للمسلم بعد انقضاء أيام رمضان، وعلما على حصول المغفرة والرضوان وهذه ثمرة عظيمة من ثمرات الصيام شرع من أجلها، فالإخلاص الإخلاص في عباداتنا لله لتكون من المقبولين كما أمرنا بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأنعام: 16٢- ١٦٣)
من صور العبادة في رمضان
وكما أن العبادة لا يتقبلها الله سبحانه وتعالى إذا كانت مخالفة لشرعه وأمره، فكذلك لا تتقبل دونما إيمان أو توحيد، لذا يشترط أن يكون المرء مسلمًا وجهه لله عز وجل، مؤمنًا به سبحانه، مؤمنا بأنبيائه ورسله، محبًا لهم جميعًا، ولا بد من اقتران العبادة بإخلاصها لوجه الله تعالى وتوحيده فيها، فلا عبادة من أجل شهوة عاجلة، أو شهرة زائلة، أو بشر لا يملك لك شيئًا، بل لا بد من الإخلاص وحسن التوجه لله المعبود سبحانه بالإيمان الصادق والعمل الصالح، ومن العبادات التي يحرص عليها الصائمون، ويمتاز بها شهر رمضان:
-الصيام: الذي يثمر التقوى ويورث المراقبة والخشية، قال تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ﴾ (البقرة: ١٨٥).
- قيام الليل: الذي يوصل العابد بربه المعبود، ويقوي من رابطة العبودية، ويورث المحبة، والقرب، والأنس، قال رسول الله ﷺ: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» (مسلم).
- تلاوة القرآن الكريم: فرمضان شهر القرآن، عن ابن عباس قَال: «كَانَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أجْوَدَ النَّاسِ، وكانَ أجوَدُ ما يَكونُ في رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وكانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِن رَمَضَانَ، فيُدَارِسُهُ القُرْآنَ» (البخاري).
- الدعاء: قال ﷺ: «إن للصائم عند فطره لدعوة ما ترد» «ابن ماجة» (٥). وقال: «أفضل العبادة الدعاء» (الحاكم). وقال: «الدعاء هو العبادة» (أحمد).
- الصدقة: قال ﷺ: «أفضل الصدقة صدقة رمضان» (الترمذي).
- إطعام الطعام: قال ﷺ: «من فطر صائمًا كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئًا» (أحمد).
- العفو وحسن الخلق: وفي الحديث: «الصيام جنة وإذا كان أحدكم يوما صائمًا فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم إني صائم» (أحمد).
- الصبر: قال ﷺ: «صوم شهر الصبر، وثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر» (أحمد).
جائزة من الله
ولا تنس أن رمضان جائزة من الله تعالى، وهي تحتاج لمزيد شكر وعبادة، وإذا كانت العبادة واجبة علينا في كل وقت، فهي في رمضان أوجب واكد، لأنه زيادة نعمة وفضل عطاء يحتاج شكرًا أعظم، وعملًا أكبر، وعلى قدر العطية حاول أن تقدم شكرك وتبذله على صورة مرضية من حسن التعبد لله والتقرب إليه، والسخاء والجود في عمل الخيرات بلا شح، أو بخل أو تقصير.
وإن كان لا ولن يبلغ قدر الجائزة في الدرجة أو يساويها في المنزلة، فليكن كما قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ ۗ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (التغابن: 16).