العنوان رمضان شهر الرحمة والغفران
الكاتب محمد علي الصابوني
تاريخ النشر الثلاثاء 04-يونيو-1985
مشاهدات 62
نشر في العدد 720
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 04-يونيو-1985
تمر الأيام سراعًا، وتنقضي الشهور والأعوام، ويدور الفلك دورته، ويقبل على المؤمنين شهر «رمضان المبارك» وهو يحمل معه تباشير الخير والهدى للأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها.
إنه ضيف عزيز، يحل بنا بعد أحد عشر شهرًا من كل عام، لينقلنا إلى حياة العزة والكرامة، والطهر والنقاء، بعد أن رانت على قلوبنا ظلمات وأكدار الحياة، وتلوثت نفوسنا بقاذورات المعاصي والآثام. يأتي ليطهرنا من هذه الأدران، ويرفعنا إلى الحياة الكريمة الهنيئة التي أرادها الله لبني الإنسان.
إنه شهر الخير والبر والعطف والإحسان.
شهر النقاء والصفاء والحب والإخاء.
شهر الطهر والعزة والسمو إلى الآفاق القدسية.
شهر الانطلاقة من «حيوانية» الأرض إلى «ملائكية» السماء.
فما أحرى المؤمنين أن يعرفوا قدر هذا الضيف العزيز الكريم «رمضان المبارك» وأن يعرفوا فضله ومكانته، لينزلوه المكانة التي تليق به من الإجلال والاحترام!
أيها الإخوة الصائمون:
لقد هجر المسلمون كتاب الله عز وجل، وما عرفوا قدر هذه النعمة العظمى، وفرطوا في هذا الكنز الثمين، هجروه وأخذوا يبحثون عن نظم ودساتير، من الشرق والغرب يطبقونها في حياتهم، فما أفلحوا ولا نجحوا، لأنهم أضاعوا طريق السعادة، الذي أرشدهم إليه الإسلام، وهو بالتمسك بتعاليم هذا القرآن ﴿إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَهۡدِي لِلَّتِي هِيَ أَقۡوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَبِيرٗا﴾ (الإسراء:9) وكيف يفلح المسلمون وقد هجروا كتاب ربهم، وطلبوا الهدى والفلاح في غيره؟ ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول «من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، هو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم» الحديث.
إنه لمن المؤسف حقًا أن يكتفي المسلمون اليوم من القرآن، بألفاظ يرددونها، وأنغام يلحنونها، في المآتم والمقابر، وعند الاحتفالات الرسمية، ثم لا يكون للقرآن نصيب منهم إلا الطرب بسماع آياته، أو التبرك بتلاوة ألفاظه، وهذا ما عناه النبي- صلى الله عليه وسلم- حين قال «يتخذون القرآن مزامير» أي يقرءونه لمجرد السماع والطرب، وقد نسي المسلمون أو تناسوا، أن بركة القرآن العظمى، إنما تكون في تلاوته وتدبره، والعمل بمقتضى توجيهاته وإرشاداته، والوقوف عند أوامره، والانتهاء عند نواهيه، فلقد قال سيدنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «ما آمن بالقرآن من استحل محارمه»، فلنتخذ من موسم رمضان توبة صادقة وعودة إلى حمى الرحمن ليبارك الله عملنا، ويرد إلينا عزنا، وليكون الله معنا في معركتنا مع الأعداء، واسمعوا متى يكون الله مع عباده، اسمعوا قول العلي الكبير ﴿وَلَقَدۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَبَعَثۡنَا مِنۡهُمُ ٱثۡنَيۡ عَشَرَ نَقِيبٗاۖ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمۡۖ لَئِنۡ أَقَمۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيۡتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرۡتُمُوهُمۡ وَأَقۡرَضۡتُمُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ﴾ (المائدة:12).
أيها الإخوة المؤمنون
يقول الله جل ثناؤه ﴿شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُ﴾ (البقرة:185)..
هل عرفتم- أيها الإخوة- لماذا فرض الله علينا معشر المسلمين صيام رمضان؟ ولماذا خصه بالصيام من بين سائر شهور العام؟ مع أنه ليس من الأشهر الحرم؟!.
لقد أراد الله جل وعلا أن يعرفنا قدر هذه النعمة العظيمة «نعمة نزول القرآن» ففرض علينا صيام شهر رمضان، فالله تعالي قد أكرم المسلمين، بأجل النعم وأعظمها، أنزل هذا الكتاب الخالد، ليكون دستورًا لهم في حياتهم، يسيرون على نهجه، ويهتدون بهداه، ختم الله به الرسالات السماوية، كما ختم بمحمد- صلى الله عليه وسلم- رسالات الأنبياء، فكان ختام مسك، وصدق الله حيث يقول ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَكُم بُرۡهَٰنٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ نُورٗا مُّبِينٗا﴾ (النساء:174) أما البرهان فهو محمد عليه السلام، وأما النور المبين فهو هذا القرآن العظيم.
ويقول سبحانه ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٞ وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارٗا﴾ (الإسراء:82).
وإذا أمعنا النظر أيها الإخوة في آية الصيام، نجد الأمر جليًا ساطعًا، في أن الله تعالى لم يفرض علينا صيام شهر رمضان، إلا ليذكرنا بهذه النعمة العظمى «نعمة القرآن» ﴿شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُ﴾ (البقرة:185) لم يقل: شهر رمضان من شهده منكم فليصمه، وإنما وضح وبين لماذا فرض علينا صيامه، وكأنه سبحانه يقول: صوموا رمضان شكرًا لربكم، الذي أنعم عليكم وتفضل بهذه المنة العظمى بهذا القرآن، الذي به فلاحكم ونجاحكم، وفيه عزكم ومجدكم ﴿لَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ كِتَٰبٗا فِيهِ ذِكۡرُكُمۡۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ﴾ (الأنبياء:10) أي فيه شرفكم وفخركم.
فكيف ضيع المسلمون هذا الكنز الثمين؟ كيف فرطوا فيه حتى ذلوا وهانوا، بعد أن كانوا سادة الدنيا وملوك العالم!!
أيها الإخوة المؤمنون:
لئن كان رمضان قد شرفنا بطلعته البهية، فلقد كرمنا بنفحاته القدسية، وعمرنا بجوده وفضله وبهائه.. فهو الشهر الذي تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب النار، وتربط فيه الشياطين بالسلاسل والقيود، حتى لا تؤذي المؤمنين الصائمين، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق- صلى الله عليه وسلم- حيث قال «إذا جاء رمضان، فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين» أي ربطت بالأغلال والسلاسل.
وهو شهر الرحمة والمغفرة، فيه تغفر الذنوب والخطايا، وتمحى الأوزار والسيئات، ويستجاب فيه الدعاء كما قال المصطفى «ص» «أتاكم رمضان شهر بركة، يغشاكم الله فيه- أي يحوطكم برحمته فيه- فيحط فيه الخطايا، ويستجيب فيه الدعاء، ينظر الله إلى تنافسكم فيه، ويباهي بكم ملائكته، أفروا الله من أنفسكم خيرًا، فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله عز وجل»
فعلى المؤمن أن يطرق باب الله، بالتوبة والإنابة في شهر العفو والغفران، وأن يبكي على ما فاته من التقصير في جنب الله، وليضع نصب عينيه قول ذي العزة والجلال ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ (الزمر: 53).
وعلى المسلمة خاصة، أن ترعى حرمة هذا الشهر العظيم، فلا تتبرج ولا تتهتك، ولا تظهر مفاتنها أمام الرجال الأجانب، ولتتقيد بأوامر الله ﴿وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ...﴾ (النور:31)، الآية. ﴿لَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ﴾ (الأحزاب: 33) ولتعتقد أنها بخروجها سافرة متبرجة، قد عصت الله وخلعت من عنقها ربقة الإسلام، وأصبحت على خطر، لأنها عرضت نفسها لغضب الله وعذابه، ولتسمع ما قاله- صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه «صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت- أي شعورهن مصففة فوق رؤوسهن مثل سنام الجمل- لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام»، اللهم ردنا والمسلمين إلى دينك ردًّا جميلًا، اللهم طهرنا من الذنوب والآثام، في شهر رمضان، شهر الرحمة والرضوان، إنك سميع مجيب الدعاء يا رب العالمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل