; رمضان في آسيا الوسطى | مجلة المجتمع

العنوان رمضان في آسيا الوسطى

الكاتب فاطمة إبراهيم المنوفي

تاريخ النشر السبت 29-سبتمبر-2007

مشاهدات 60

نشر في العدد 1771

نشر في الصفحة 38

السبت 29-سبتمبر-2007

(*) كاتبة مصرية مقيمة في قيرغيزستان

الجمهوريات المستقلة عن الاتحاد السوفييتي رأت في الإسلام بديلًا صالحًا عن الأيديولوجية الشيوعية المنهارة.. سواء على مستوى الشعوب أو القيادات الراغبة في الاحتفاظ بالسلطة

الصحوة الإسلامية تنتشر بين أبناء «تركستان الشرقية»... وأهلها يتمسكون بعقيدتهم رغم كل محاولات طمس الهوية الدينية من قبل المحتلين الصينيين.

الإسلام في آسيا الوسطى قديم قدم الرسالة المحمدية نفسها، فقد بدأ انتشار الإسلام في هذا الجزء من العالم الإسلامي بعد فتح إيران، وقد سجل التاريخ الإسلامي أسماء قيادات إسلامية عديدة كانت لها أيادٍ بيضاء في نشر هذا الدين الحنيف، ومن أشهرهم «قتيبة بن مسلم الباهلي» الذي حقق فتوحات جليلة بين عامي ٨٦ و٩٦ هجرية، حتى أنه وصل إلى حدود الصين.. وقد شهدت آسيا الوسطى انتشارًا سريعًا وواسعًا للإسلام على أراضيها، وكانت الأرض الخصبة التي ضخت الكثير من العلماء والفقهاء للأمة الإسلامية وللعالم أجمع...

 أما الآن، فقد تغير حال الإسلام في آسيا الوسطى بصورة ملحوظة، إذ غابت الممارسة اليومية للشعائر الإسلامية عن حياة السواد الأعظم من شعوب هذه المنطقة.. ومع ذلك، فإننا نشعر بأن الإسلام ممتزج بأرواح الناس، ساكن في نفوسهم وقلوبهم لا يمكن محوه أو اقتلاعه، وهو ما أثبته التاريخ بعد فشل الشيوعية، بكل جبروتها، وعلى مدى سبعين عامًا، من اقتلاعه وانتزاعه من نفوس وعقول الناس.. وهؤلاء يجب أن ينظر إليهم على أنهم ضحايا لمعركة العقيدة في صدامها مع الأعداء المتكالبين عليها، فالأرض هنا تخفي في باطنها كنوزًا ونفائس.

التزام.. حسب الجغرافيا والتاريخ!

وتختلف مظاهر الالتزام الديني تبعًا للعادات والتقاليد المحلية التي ترتبط بشكل كبير بالأجواء الطبيعية والظروف الجغرافية والتاريخية لكل منطقة، فالواقع الإسلامي ليس هو ذاته في كل دول آسيا الوسطى، بمعنى أن مظاهر الالتزام الديني تختلف بين منطقة وأخرى.. ففي «طاجيكستان» و«أوزبكستان» مثلاً، هناك العديد من المساجد والمدارس الدينية، ولا عجب، فالتاريخ الإسلامي شهد ازدهارًا في هاتين المنطقتين باعتبار أن شعبيهما كانا من الشعوب المستقرة، وكذلك الحال في «تركستان الشرقية» فأبرز ما تتميز به عن غيرها من الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى هو انتشار الصحوة الإسلامية بين أبناء شعبها بشكل لافت للنظر، وتمسك معظم أهلها بعقيدتهم بالرغم من كل المحاولات والضغوط لطمس الهوية الدينية من قبل المحتلين الصينيين.. بينما الواقع الإسلامي يبدو ضعيفًا في «كازاخستان» و«قيرغيزستان» و«تركمانستان» وذلك لأن شعوبهم كانت من الجماعات الرعوية الرحل.

معاناة.. وبقايا احتلال: وقد مرت على دول آسيا الوسطى حقب سياسية عدة، عانت فيها من المغول وقياصرة روسيا ثم بلاشفتها، فقد رزحت خمس من جمهوريات آسيا الوسطي «أوزبكستان وکازاخستان وتركمانستان وقيرغيزستان وطاجيكستان» سبعين عامًا تحت الاحتلال الشيوعي السوفييتي، تعرضت خلالها مفاهيم التوحيد الإسلامية للتشويه عبر عمليات غسيل الأدمغة، وتعليم الكفر والإلحاد، إلى أن اختتمت عهود الاستعمار بإعلانها الاستقلال في أوائل التسعينيات، فيما ظلت تركستان الشرقية، ترزح تحت الاحتلال الصيني الغاشم حتى يومنا هذا.

 خداع.. مرتين! في عشرينيات القرن الماضي سعى البلاشفة الروس إلى استمالة المسلمين بإغراءات ووعود، بهدف المهادنة للتخلص من القياصرة؛ فقطعوا للمسلمين وعودًا بمنحهم حريتهم الدينية، ولكن عندما استتب الأمر لهم نكثوا عهودهم ففرضوا الإلحاد على الجميع، وعمل الشيوعيون على إقصاء الإسلام عن حياة الشعوب، ومنعوا إقامة الصلاة وصيام رمضان، وأغلقوا جميع المساجد وجعلوها مخازن للمحاصيل الزراعية والبضائع!.. وأغلقوا المدارس الإسلامية وحولوها إلى مساكن طلابية.. ففي عهد «ستالين» لم يكن هناك أي مسجد أو مدرسة إسلامية لتعلم الإسلام، واضطر بعض الناس لتعلم الإسلام سرًا في سراديب تحت الأرض أو في المنازل المهجورة.

وخلال عامي ١٩٣٧ و١٩٣٨ تم إحراق جميع الكتب المدونة بالأحرف العربية بغض النظر عن مضمونها، وفي حال ضبط أي كتاب كان صاحبه يعاقب بالقتل.. وفي ظل تلك القوانين الجائزة، تم قتل الكثير من العلماء الذين ساهموا في نشر الدعوة الإسلامية، كما جرت عمليات تهجير للمسلمين من أوطانهم الأصلية، واستمر هذا الوضع حتى بداية الحرب العالمية الثانية التي اجتاح فيها الألمان الاتحاد السوفييتي السابق.. وفي عام ١٩٤٤م، قرر الشيوعيون بزعامة «ستالين» الاستعانة بالمسلمين المضطهدين لمواجهة الألمان، فخدعوهم مرة أخرى بوعود كاذبة.. وأصدرت السلطة الشيوعية قرارًا بفتح المساجد والمدارس، وبعد النصر الذي نالوه بدماء المسلمين قاموا مرة أخرى بإغلاق المساجد وتحريم من يرتادها!

وهكذا استطاعت القبضة الحديدية السوفييتية المتحدة وأد أية محاولات لإنعاش الدعوة الإسلامية طوال فترة حكمها الشيوعي! الذي وجه كل أجهزته الإعلامية والتربوية الجبارة لمحو أي أثر للدين الإسلامي من المجتمع.. إلا أن تلك المحاولات والأساليب والوسائل البشعة باءت كلها بالفشل الذريع بل إن الإسلام برز عند استقلال جمهوريات آسيا الوسطى عن الاتحاد السوفييتي كبديل طبيعي للأيديولوجية الشيوعية المنهارة بالنسبة للشعوب الحائرة بل وحتى للقيادات الراغبة في الاحتفاظ بالسلطة.

وحتى يومنا هذا، ما زال المسلمون «الأويغور» يعانون من قسوة الاحتلال الصيني الذي يمنع ممارسة الشعائر الدينية، ويعاقب كل من يؤديها عقابًا صارمًا بموجب القوانين الجنائية.. فتقوم سلطات الاحتلال بعدة إجراءات ضد مسلمي «الأويغور» في تركستان الشرقية «إقليم سينكيانغ» شمال غرب الصين، حيث يجبرون طلبة المدارس على الإفطار في نهار رمضان، ومن لا يأكل جهرًا يكن جزاؤه الطرد والعقاب الفوري.

رمضان في آسيا الوسطى

يأتي شهر رمضان حاملًا معه الخير واليمن والبركات، ويعتبر ضيفًا عزيزًا غاليًا في كل بقعة من أرض الإسلام، بل في كل بقعة تطؤها قدم مسلم.. وفي هذا الشهر الكريم، تكتسي البلدان الإسلامية طابعًا خاصًا يميزها عن باقي شهور السنة، وتختلف هذه الطباع من بلد إلى آخر، تبعًا لظروف وتاريخ كل بلد، وهو ما يجعل لرمضان طعمًا مميزًا، ورونقًا خاصًا، في كل مكان.. وفي السطور القادمة، نلقي نظرة على بعض الدول الإسلامية في آسيا الوسطى، لنري كيف تستقبل تلك الدول هذا الضيف الذي يأتي حاملًا معه الخير والبركات.

ضعف الوعي الديني: يعتمد معظم المسلمين في آسيا الوسطى على الحسابات الفلكية لمعرفة بداية شهر رمضان، وفي هذا الشهر الكريم، لا نجد أي فارق عن باقي أيام السنة في الشوارع، والميادين، وأماكن العمل، والتعلم: فالعمل والدراسة وبقية تفاصيل الحياة اليومية، لا تتغير؛ فلا تعديل في أوقات الدوام التي قد تتعارض مع وقت الإفطار: كذلك المطاعم والمقاهي مفتوحة طوال أيام شهر رمضان بل وحتى أماكن تقديم الخمور والمسكرات تسير بشكلها المعتاد، وذلك لأن مجتمعات آسيا الوسطى لم تصل بعد إلى درجة الوعي الديني الكافي ومراعاة حرمة مثل هذا الشهر وغيره من المناسبات والشعائر الدينية الخاصة بالمسلمين، رغم مرور ستة عشر عامًا على استقلال تلك الدول، ويرجع ذلك لأسباب عدة: من أهمها: تداعيات الحكم الشيوعي البائد، وضعف الوعي الديني الصحيح لدى العامة، وتضييق الحكومات على الأنشطة الإسلامية لاقتداء بالدول العربية، وغياب الإعلام الإسلامي... فعلى سبيل المثال، في «قرغیزستان»: التي يطلقون عليها سويسرا آسيا الوسطى أو «جزيرة الحريات» نظرًا لاتساع نطاق الحريات فيها عن مثيلاتها في آسيا الوسطى، لا توجد سوى مجلة إسلامية واحدة هي «أك باشات» تصدر كل شهرين ومحطة تلفزيونية واحدة «ايجو مناس» تستأجر ساعتين يوميًا فقط من إحدى المحطات التلفزيونية القرغيزية الخاصة لتقديم بعض البرامج الدينية في العاصمة «بشكيك» فقط، بالإضافة إلى عدد قليل من الصحف الشهرية تصدر في أربع أو ثماني صفحات.. وفي «كازاخستان» توجد مجلة إسلامية واحدة «رحمت صاماليه».. وأما روسيا، التي تضم ٢٥ مليون مسلم، فتصدر فيها مجلتان إسلاميتان فقط كل شهرين هما مجلة «إسلام» التي يمولها مسلمو داغستان ومجلة «زالاتوي راديك» التي تمولها إحدى الجمعيات الخيرية التركية.

أضف إلى الأسباب السابقة.. ضعف المصادر الإسلامية من كتب ومراجع، فحتى الكتيبات المترجمة غير متوافرة.. وغياب التعليم الديني في المدارس.. وافتقاد الجمعيات والهيئات الإسلامية العاملة في هذه الدول إلى رؤية استراتيجية واضحة للعمل: إذا تركز على المساعدات المادية دون الأدبية... وتهميش المرأة المسلمة وإقصاؤها عن العمل الدعوي والخيري، وذلك في مجتمعات ترتفع فيها نسبة النساء على الرجال، وتتمتع فيها النساء بكافة الحقوق ولهن دور فاعل ومؤثر في المجتمع.

وعلى الرغم من كثرة أعداد المسلمات الحاصلات على درجات علمية عالية واللاتي تولين مناصب قيادية، واقتحمن معظم الميادين، إلا أننا نلحظ افتقاد الساحة الإسلامية لوجود زعامات نسائية مؤهلة في ميادين الدعوة والعمل الخيري.. فزمام أمور الدعوة دائمًا ما يكون بأيدي الرجال الذين يميزون بشكل واضح وصريح ضد المرأة المسلمة باسم الإسلام، مما لا يدع للمرأة مجالًا للبروز، وهو ما يؤثر سلبًا على تغيير المفاهيم الخاطئة والمغلوطة لدى شعوب تلك الدول عن أن المرأة في ظل الإسلام مضطهدة ومنتزعة الحقوق.. وفي المقابل تنشط النساء المسيحيات العاملات في المنظمات التنصيرية العربية والمنتشرة في آسيا الوسطى بشكل واضح.

مظاهر رمضانية

بالقرب من المساجد والجامعات والمعاهد الإسلامية، تحس وترى المظاهر الرمضانية بكل وضوح، حتى يكاد المرء يظن أنه في بلد آخر غير الذي يقطنه، فالباعة منتشرون بالقرب من هذه الأماكن يعرضون المسابح، وسجاجيد الصلاة، ومطبوعات بمواقيت الصلاة والإفطار والإمساك.. وقد تغير الوضع وتحسن كثيرًا في الأعوام الأخيرة، فمنذ عشر سنوات كان عدد المصلين بالمساجد ضئيلًا جدًا، أما الآن فتكاد أفنية المساجد تمتلئ بالمصلين خاصة في صلاة الجمعة.

وفي شهر رمضان لا يخلو مسجد من «صلاة التراويح» وتحضرها جموع كثيرة فتكتظ المساجد بالمصلين، حيث يعتقدون أن الصيام لا يكتمل إلا بصلاة التراويح التي يصلونها عشرين ركعة.. وفي ليلة القدر تتوافد على المساجد جموع حاشدة ابتغاء الفوز بهذه الليلة المباركة.

تنشط الجمعيات والهيئات الخيرية الإسلامية في هذا الشهر المبارك: فتقوم بتنفيذ العديد من المشاريع الإغاثية والإنسانية المتمثلة في إفطار الصائم، وكسوة العيد، ومد يد العون والمساعدة لأيتام المسلمين...

ويختار كثير من المسلمين الملتزمين شهر رمضان موعدًا لأداء الزكاة، ويكثرون فيه من الصدقات وأغلبهم يوزع زكاته بنفسه، في حين يؤديها البعض عن طريق الجمعيات والهيئات الخيرية الإسلامية، كما أن هناك من يدفعها لمرتادي منازلهم من الفقراء، وتؤدى زكاة الفطر بنفس الطريقة أيضًا.

إفطار جماعي

انتشرت ظاهرة موائد الرحمن للإفطار الجماعي في العام الماضي بشكل واضح في دول آسيا الوسطي، نتيجة لجهود الهيئات والجمعيات الخيرية العربية والتركية والباكستانية... ففي رمضان الماضي، قام اتحاد البلديات التركي بنشر موائد الرحمن في كل مدينة من مدن آسيا الوسطى، كما أقامت بلدية العاصمة التركية «أنقرة» موائد في مدينة موسكو في مسجد «بقلوني غرا»... وكذلك ينظم المحسنون من أهل الخير والقادرين إفطارًا جماعيًا في المساجد وأحيانًا في القاعات، ويستفيد منه المسافرون والمعسرون وغيرهم، وتعبر هذه الظاهرة عن روح التكافل والإخاء بين المسلمين.

احتفالات العيد

يعتمد تحديد يوم العيد في آسيا الوسطى على الحسابات الفلكية، ورغم أن أول أيامه هو عطلة رسمية منذ استقلال الجمهوريات الخمس، إلا أن مظاهره تبدو باهتة بعض الشيء، كما هو الحال في شهر رمضان على المستوى الشعبي، فلا يمكن مقارنتها باحتفالات رأس السنة الميلادية، والذي يعد أهم وأبرز الأعياد في تلك الدول... 

أما المسلمون الملتزمون بآداب دينهم، فيستعدون للعيد في أواخر أيام رمضان بشراء مستلزماته.. كما تقوم الهيئات الإسلامية بإعداد برامج العيد المتنوعة بين المؤتمرات العلمية والرحلات وغيرها من الأنشطة حفاظًا على الشباب من الانحراف بسبب التيارات الاجتماعية المختلفة وخطر التنصير المسيحي المتواجد بقوة في آسيا الوسطي.

 وتقام صلاة العيد غالبًا في المساجد، وهناك من ينظمها في الميادين، ففي العاصمة القيرغيزية «بشكيك».. على سبيل المثال، تقام صلاة العيد في أكبر ميادينها، وتتوقف الحركة المرورية فيها.

صحوة إسلامية تحتاج دعمًا

لا يستطيع أحد أن ينكر أن الرغبة في تعلم أمور الدين، بل وحتى ذهاب النساء غير المحتشمات إلى المساجد تعتبر من مظاهر الصحوة الإسلامية في هذه البلاد.. فالسواد الأعظم من شعوب تلك الدول يختلط الدين لديهم بالخرافات والتقاليد والعادات، ويغيب عن معظمهم المفهوم الصحيح للإسلام، وذلك بسبب إبعادهم عنه طوال فترة الحكم الشيوعي.

إن المسلمين في جمهوريات آسيا الوسطى هم في أمس الحاجة إلى المشاريع الدعوية والتعليمية، فهذه البقعة الغالية من الخارطة الإسلامية لم تكن قريبة من عالمنا العربي والإسلامي بقدر ما هي اليوم.. لذا لابد من إحياء الإسلام في قلوب شعوب هذه المنطقة من جديد عبر النوعية الدينية المكلفة عن طريق بناء المدارس والمعاهد، وإرسال الدعاة رجالًا ونساء، وتوفير الكتب والمراجع الدينية المترجمة إلى لغات هذه الدول، والاستثمار في وسائل الإعلام هناك وتوظيفها في مجال الدعوة الإسلامية بدلًا من ترك الساحة خالية للصهاينة الذين يسيطرون على الكثير من الوسائل الإعلامية، وكذلك تقديم المنح الدراسية للشباب والفتيات الراغبين في دراسة العلوم الإسلامية في الدول العربية والإسلامية، فهم النبت الطيب لتلك الأراضي، وهم الأقدر على نشر الوعي الإسلامي فيها عن غيرهم.

الرابط المختصر :