العنوان رمضان والشمعة المحترقة
الكاتب د. مجدي الهلالي
تاريخ النشر السبت 05-سبتمبر-2009
مشاهدات 97
نشر في العدد 1868
نشر في الصفحة 33
السبت 05-سبتمبر-2009
كثيرًا ما يستوقفني التحذير النبوي: «مثل الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه، مثل الفتيلة، تضيء للناس وتحرق نفسها».
فالحديث ينذر بعواقب وخيمة لكل من ينشغل بالناس عن نفسه، وإن كان هذا الانشغال في مجال دعوتهم وخدمتهم, الحديث يحذر هؤلاء بأن مصيرهم سيكون كمصير الشمعة التي كانت في وقت ما تضيء لمن حولها، ولكن كان المقابل لهذه الإضاءة هو ذوبانها ونقصانها، حتى انتهى بها الأمر إلى الاحتراق التام فلا هي حافظت على ذاتها، ولا هي تستطيع أن تنفع غيرها.
وغني عن البيان، أن هذا التحذير ليس معناه الاهتمام بالنفس فقط وترك الناس، فمن يفعل ذلك يقع في نطاق تحذير آخر كقوله تعالى: ﴿وَٱتَّقُواْ فِتنَة لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُم خَاصَّة وَٱعلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلعِقَابِ﴾ (الأنفال: 25), وقوله: ﴿قُل إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ ٱللَّهِ أَحَد وَلَن أَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلتَحَدًا إِلَّا بَلَٰغا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَٰلَٰتِهِۦۚ ﴾ (الجن: 22-23).
وقوله: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم».
فلا بد من الأمرين معًا: ألا نهمل أنفسنا، وألا نهمل الآخرين، ولو جاز لأحد أن يترك نفسه بدون زاد لجاز لسيد البشر محمد فمع انشغاله الشديد بتبليغ دعوة ربه نجد الخطاب الإلهي الموجه إليه: ﴿فَإِذَا فَرَغتَ فَٱنصَب﴾ (الشرح: 7)، يقول الحافظ ابن كثير في تفسيره معلقًا على هذه الآية: «أى إذا فرغت من الجهاد، ودعوة الناس، فانصب للعبادة».
وهناك أوقات يُفضل فيها الاهتمام بالنفس أكثر من الاهتمام بالآخرين لتعويض ما فات واستعادة العافية الإيمانية من جديد، ويقف على رأس تلك الأوقات: شهر رمضان.
إن هذا الشهر يمثل فرصة ذهبية لإحياء القلب وعمارته بالإيمان وانطلاقه في رحلة السير إلى الله، لما قد اجتمع فيه من عبادات متنوعة، مثل: الصيام، والصلاة، والقيام وتلاوة القرآن والصدقة، والاعتكاف والذكر، والاعتمار.
إحياء هذه العبادات إذا ما أحسنًا التعامل معها فإن أثرها سيكون عظيمًا في القلب وتنويره وإصلاحه لينصلح تبعا لذلك السلوك.
أما إن أهملناها أو تم التعامل معها بصورة شكلية محضة فسيبقى الحال على ما هو عليه، وستستمر الشكوى بعد رمضان من الفتور وضعف الهمة والتثاقل إلى الأرض.
ولعل من أهم الأمور التي تُعين المسلم بإذن الله على الاستفادة من رمضان هو إدراكه أن هذا الشهر يُعد بمثابة «الغنيمة الباردة» التي يمكنه من خلالها إيقاظ الإيمان وتجديده في قلبه والتزود بالتقوى، وأن هذه الغنيمة لا يمكن إدراكها من خلال القيام بأشكال العبادات دون تحرك القلب معها، وهذا يستدعي منه تفرغًا – إلى حد ما - من الشواغل التي تشوّش على عقله، وتصرفه عن حضور التجاوب القلبي مع الأداء البدني للعبادات.
ويحتاج الأمر كذلك إلى عدم إجهاد البدن قدر المستطاع، فكلما أجهد البدن ثقلت العبادة وغاب أثرها على القلب.
ويكفيك في بيان ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدر ما يقول فلينصرف، فليضطجع»، وليس معنى هذا هو سرعة الاستسلام للشعور بالتعب والإجهاد، ولكن لا بد من إعطاء البدن حقه من الراحة حتى نستطيع - بعون الله - القيام بالعبادة وعقولنا وقلوبنا حاضرة معها قدر المستطاع.
وشهر رمضان فرصة عظيمة لشحن القلب بالإيمان وترويض النفس وتزكيتها فإن ضاعت من المسلم هذه الفرصة، فأى حال سيكون عليها قلبه وإيمانه؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل