; روبرت فيسك يفضح الغرب ويكتب عن أبعاد مذبحة الحرم الإبراهيمي | مجلة المجتمع

العنوان روبرت فيسك يفضح الغرب ويكتب عن أبعاد مذبحة الحرم الإبراهيمي

الكاتب ناصر ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 08-مارس-1994

مشاهدات 117

نشر في العدد 1091

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 08-مارس-1994

    • لأن القاتل إسرائيلي لم يتجرأ أحد في الغرب على وصفه بأنه «إرهابي»
    • لماذا تجاهل الإعلام الغربي أن غولدشتاين كان ضابطًا في الجيش الإسرائيلي؟
    • الولايات المتحدة تعتبر كل من يعارض إسرائيل «عدوًا للسلام».

    نشرت صحيفة «الإندبندنت» البريطانية تقريرًا مطولًا للصحفي المعروف روبرت فيسك الخبير في شؤون الشرق الأوسط حول مجزرة المصلين في الحرم، جاء فيه وقال لي شفيق الحوت (عضو في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير استقال احتجاجا على اتفاق أوسلو) وهو يسحب سيجارته الثالثة بقوة تخيل لو أن هذه الجريمة نفذها فلسطيني في كنيس يهودي، كيف سيكون رد العالم؟

    وأضاف سفير ياسر عرفات السابق في بيروت غاضبًا «أجنبي» كيف سيكون رد العالم؟ سؤال صعب، أول شيء سيصف العالم الرجل المسلح بأنه «إرهابي»، وأي جماعة ينتمي إليها هي «جماعة إرهابية»، وأي دولة تؤوي هذه الجماعة الإرهابية، ستهدد مباشرة بعقوبات اقتصادية، وبدون شك سيقوم الرئيس الأمريكي بيل كلينتون بإدانة هذه الجريمة الوحشية.

    لكن بالطبع لم يكن ذلك هو الحال، باروخ غولدشتاين كان إسرائيليًا في الجيش الإسرائيلي، لذا لم يصفه أي صحفي غربي أو أي صحيفة أو محطة تلفزيونية غربية بأنه «إرهابي» غولدشتاين كان منتسبًا لحركة كاخ اليهودية، لكن «كاخ»، مشروعة إسرائيل، ولها مكتب في نيويورك.

    الرئيس بيل كلينتون اتبع سياسات الإدارات الأمريكية السابقة، وكون الشخص الملائم هو إسرائيلي وليس فلسطينيًا، فقد قام بوصف مذبحة المسجد بأنها «جريمة قتل» كما لو أن الضحايا ماتوا نتيجة كارثة طبيعية، مثل: هزة أرضية، أو فيضان.

    في أسفل الشارع الذي يوجد فيه منزل الحوت علت الأعلام السوداء مباني مخيم «مار إلياس» صرخت امرأة في وجهي «أنتم ملعونون، أنتم الذين ساعدتم الصهاينة» وأضافت: «نحن في نظركم لا شيء نحن حيوانات».

    إنها أحداث في سلسلة واحدة دير ياسين صبرا وشاتيلا، وعيون قارة كلها أماكن سبحت في دماء فلسطينية.

    لكن ما يهمنا هو غضب العرب، العرب العاديين، وليس الزعماء، إنه غضب خاص بازدواجية المبادئ لدى الغرب، موجه إلى الأمريكيين والأوروبيين، إلى الصحافة الغربية والإسرائيليين أنفسهم.

    سألني فلسطينيون في (مخيم) «مار إلياس» لماذا تفاجأنا من جريمة الخليل؟ كانوا يريدون أن يعرفوا فيما إذا كنا قد نسينا صبرا وشاتيلا؟ لماذا يكون الفلسطيني الذي يقتل إسرائيليًا إرهابيًا، بينما الإسرائيلي الذي يقتل فلسطينيًا هو مستوطن مختل عقليًا أو مهجرًا أمريكيًا، أو عضو جماعة يهودية سرية مقاتلة، ولكن لا يكون أبدًا «إرهابيًا»؟

    في إبريل (نيسان) عام 1948م، على سبيل المثال قام رجال (عصابات) «أرغون» الإرهابيين بذبح (200) عربي في قرية دير ياسين، كانوا رجالًا ونساء وأطفالًا، ماذا كان وصفهم في وكالة الأنباء الأمريكية «أسوشيتد برس»؟ لقد كانوا «مجموعة سرية من المقاتلين اليهود المتشددين».

    في أكتوبر (تشرين أول) 1956 ذبحت القوات الإسرائيلية (13) مدنيًا فلسطينيًا في كفر قاسم، في عام 1982م أرسلت القوات الإسرائيلية حلفاءها من ميلشيات الكتائب إلى مخيمات صبرا وشاتيلا، حيث ذبحوا ما بين (800- 2000) رجل وامرأة وطفل، هذه المجزرة بالذات لم تظهر في تقارير وكالة «أسوشيتد برس»، على أنها واحدة من أكبر الأحداث بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

    منذ عام 1948م علمًا بأن لجنة التحقيق الإسرائيلية «كاهان» التي اتهمت بطريقة غير مباشرة وزير الدفاع أرئيل شارون أشارت إلى أن الجنود الإسرائيليين كانوا يحيطون بالمخيمات ولم يفعلوا شيئًا.

    في 20 مايو 1990م، قام جندي إسرائيلي بقتل (7) عمال فلسطينيين في عيون قارة، طبعًا الصحافة العالمية غطت الحدث، لكنها لم تستخدم إطلاقًا كلمة «إرهابي» وإنما كان مختلا عقليًا، بعدها بخمسة شهور فقط قتلت الشرطة الإسرائيلية (19) فلسطينيًا في مجزرة القدس، وزير الخارجية (الأمريكي) في ذلك الوقت جيمس بيكر علق كثيرًا على المجزرة، لكنه لم يستخدم تعبير «مجزرة»، وإنما تحدث عن «مأساة» وهي نفس الكلمة التي استخدمها الرئيس كلينتون يوم الجمعة 25 فبراير 1994م. 15 رمضان 1414هـ.

    هذه اللائحة من الرعب ليست شاملة، ولكن يمكن استنتاج أمثلة ممتعة منها، الفلسطينيون الذين يقتلون إسرائيليين هم شياطين، ولكن عندما يذبح الإسرائيليون فلسطينيين، فإن الولايات المتحدة والدول الغربية تجد ذرائع لها لاعتبار هذه الجريمة «مأساة» أو «سوء فهم»، أو «عمل جنوني فردي» الفلسطينيون عمومًا تشملهم كل معاني الكلمات، لكن إسرائيل «لا».

    لذا خلال السنوات الماضية ظهر ارتباك غريب في الردود الغربية على سوء التصرفات الإسرائيلية، فكانت هذه الردود مدمرة لسمعة إسرائيل تمامًا مثلما كانت مدمرة لسمعة الغرب أنفسهم، الجندي الإسرائيلي أو المستوطن الذي يقتل فلسطينيًا هو «معزول» تمامًا عن دولته.

    باروخ غولدشتاين كان جنديًا احتياطيًا في الجيش الإسرائيلي برتبة نقيب، لكن التقارير الإخبارية تناقلت «هويته» بشكل غريب، فهو لم يعد جنديًا إسرائيليًا مع أنه ارتكب الحادث بزيه العسكري وبسلاحه المرخص، ومع حلول ليلة الجمعة أصبح يهوديًا أمريكيًا مهاجرًا بعد (12) ساعة، لامس ذنب الرجل الولايات المتحدة بطريقة لطيفة، وفي الوقت نفسه أخذت هويته الإسرائيلية تتلاشى.

    الآن عندما تتورط إسرائيل كدولة وبشكل واضح في قتل عرب أبرياء مثل الغارات الجوية المكثفة على بيروت عام 1982م، حيث كان سلاح الجو الإسرائيلي يقتل (200) مدني في اليوم، فإنه أيضًا تم حجب الذنب الأخلاقي، فهذه لم تكن «أحداثًا إرهابية»، وإنما عمليات عسكرية ضد «أهداف إرهابية».

    نفس الدلالات الملتوية استخدمت للتعبير عن القصف الإسرائيلي لجنوب لبنان في يوليو (تموز) الماضي، حيث ضربت إسرائيل القوى اللبنانية، وقتلت أكثر من (100) رجل وطفل وامرأة، تقريبًا ضعف الأبرياء الذين ذبحوا في الخليل يوم الجمعة 25\2\94، وجعلت أكثر من (300) ألف مدني لاجئًا في شوارع بيروت.

    كواحد من المراسلين القلائل في لبنان في ذلك الوقت، راقبت النساء والأطفال يصرخون من الألم في ملاحق المستشفى، أجسادهم مغطاة بالحروق نتيجة القذائف الإسرائيلية الفسفورية.

    هذه العملية التي قتلت أبرياء كثيرين جدًا كلفت -حسب وزير المالية الإسرائيلي- (32) مليون دولار، فاتورة ساهمت الولايات المتحدة في تسديدها، وكان رد فعل الرئيس كلينتون بأن لام «حزب الله»، الذي قتل تسعة جنود إسرائيليين، ودعوته لجميع الأطراف لممارسة سياسة «ضبط النفس».

    في منتصف هذا التشويش عقلانية جديدة ظهرت في الشرق الأوسط بدت وكأن أمريكا تريد أن تنجز «العملية السلمية»، كل واحد يؤيد هذه العملية هو صديق، وهذا يشمل إسرائيل بالطبع، وحتى ياسر عرفات الذي تحول فجأة من «إرهابي محترف» إلى «رجل دولة» بمجرد ما أن اعترف بإسرائيل، ولكن أي عربي يعتقد أن اتفاقية «عرفات رابين» مهيمنة، أي عربي يعارضها لا يتفق معها حتى وإن كان بطريقة سلمية، أو يقول شيئًا يمكن أن يضر بها فهو عدو، وتحديدًا حسب كلمات الصحافة الأمريكية «عدو السلام».

    لذا، وبشكل أشمل، فإن أي واحد يعارض السياسة الأمريكية في المنطقة، أي واحد يعارض إسرائيل هو عدو للسلام.

    من شأن هذه التعبيرات السائبة أن تقود خيالات مشوهة، في العام الماضي مثلًا بدأت أحداث شغب في غزة بعد أن قصفت القوات الإسرائيلية بالصواريخ (17) منزلًا لعائلات فلسطينية بعد مقتل أحد مسلحي «حماس» ولكن عندها عرضت شبكة الأخبار الفضائية مشهدًا للمتظاهرين يرجمون القوات الإسرائيلية بالحجارة قالت عن المشهد إنه «تظاهرة ضد العملية السلمية»، الذي يقاتل الإسرائيليين يجب أن يكون «عدوًا للسلام» حتى وإن كان لديه مسببات للتذمر، إلا أنها تعتبر بشكل صريح غير مشروعة؛ لأن اتفاقية إسرائيل مع منظمة التحرير الفلسطينية -كما يرى الفلسطينيون- هي التي سمحت لإسرائيل بالاحتفاظ بالمستوطنات والقوات في الضفة الغربية وقطاع غزة.

    إنه عرفات الذي شرع بقاء المستوطنات الإسرائيلية التي جاء منها القاتل ليذبح الفلسطينيين في الخليل، ولكن لأن الصحف الأمريكية وشبكات التلفزة لا يريدون أن يُصنفوا على أنهم أعداء السلام، فإن الكثيرين في الغرب ما زالوا يلاحظون مدى الكارثة والفرقة التي أحدثتها اتفاقية السلام بين عرفات وإسرائيل، ولا يدركون لماذا تلام إسرائيل مباشرة من قبل الفلسطينيين فيما يتعلق بمجزرة الخليل.

    الحكومة الإسرائيلية تنكر أي تدخل، لكن ذلك لا يعني أن إسرائيل غير مسؤولة عن المذبحة؛ إنها سياسة الاستيطان الإسرائيلية الاحتلال الإسرائيلي، تسليح إسرائيل المستوطنين، ومعارضة الفلسطينيين للاحتلال الإسرائيلي، كل ذلك أدى مباشرة إلى حمام الدم في الخليل.

    الحدث الإجرامي كان «فرديًا»، وكان أيضًا محتومًا؛ لأن مثل هذه الجرائم يمكن أن ترتكب في بيئة يتم فيها معالجة المجرمين الإسرائيليين بطريقة تختلف عن الفلسطينيين، بدون شك فإن باروخ كان يرى العرب على أنهم «إرهابيون»، نفس المصطلح المزعج الذي قاد الإسرائيليين إلى مجازفات في لبنان، وسار في صباح يوم الجمعة إلى المسجد في الخليل كي يمارس الروح الشيطانية التي ساهمنا جميعًا في خلقها له.

    بالنسبة لعرفات لن يستطيع أن يفعل أكثر من أن يراقب من مكانه الآمن في تونس، يقول الحوت بنبرة فيها شفقة، «لا أعتقد أن هناك أحدًا يسأل عنه، حتى الإسرائيليين، لقد حرق كل الجسور، لا أعتقد أن هناك مؤامرة ضده، لكن مجزرة الخليل وضعت الرجل، الرجل الفقير على منحدر جاد، إذا لم يقفز عنه سيقع، عمليات القتل هذه في الخليل كانت حكمًا رسميًا لإعدامه كقائد، بالنسبة لعرفات الآن؛ أي مكان في العالم سيكون أأمن له من فلسطين».

     

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

298

الثلاثاء 31-مارس-1970

مشاريع كثيرة، ولكن !!

نشر في العدد 1

1113

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان