العنوان ريغان والسوفيات والعالم الآخر ضمن سياسة الوفاق
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 18-نوفمبر-1980
مشاهدات 73
نشر في العدد 505
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 18-نوفمبر-1980
• هل يمكن أن تؤخذ تصريحات ريغان ورجال الكرملين في السياسة الدولية المستقبلية مأخذ الجد؟
• ما هي الموازين التي تحكم سياسة الوفاق بين الروس والأمريكان في الفترة السابقة والفترة اللاحقة؟
في إشارةٍ للغارديان البريطانية يوم (۷) نوفمبر الجاري حول مواقف العواصم الغربية والمعسكر الشرقي من فوز (رونالد ريغان) في الانتخابات الأمريكية الأخيرة قالت: «إن هذه العواصم لا تزال تعيش في حالة من التعتيم، فهي لا تعرف حقا ما ستكون عليه سياسة الرئيس الأمريكي الجديد».
ولعل (الغارديان) اتخذت هذا الموقف لأنها تعتبر أن مبالغات ريغان اللفظية أثناء العملية الانتخابية يجب ألا تعتبر كدليل يمكن الاعتماد عليه لمعرفة السياسة الخارجية التي ستتبعها إدارته في المستقبل، لكن إذا أراد المراقب أن يستكنه حقيقة المواقف المبدئية في العواصم الغربية والمعسكر الشرقي من فوز ريغان في انتخابات الولايات المتحدة، فهل له أن يكتفي بسطحية التصريحات التي يطلقها الكرملين، أو الإليزية، أو اللوردات الإنكليز وغيره؟ الحقيقة والواقع يقولان (لا)، فالعملية الإعلامية التي تدرب عليها حكام العالم الغربي، ورجال المعسكر الشرقي دأبت على وضع شعوب العالم في حالة من التعتيم السياسي؛ ليتم فيما بعد كل شيء في الخفاء، فضلًا عن أن هناك ظروفًا دولية تحتم على الأطراف الدولية عدم مواقفها الصريحة.
• فالاتحاد السوفياتي لا يمكن أن يلتزم بموقفه المعلن من فوز ريغان إلا بعد أن تتم الانتخابات التي سيختار فيها القادة السوفيات الأمين العام للحزب، وذلك بعد انعقاد مؤتمر الحزب الشيوعي السوفياتي في فبراير القادم.
• وسياسة الوفاق التي ظهرت على السطح بين السوفيات والأمريكان بعد (جون كنيدي) و(خروتشيف) ما زالت تشد كلا الطرفين إلى حالة الوفاق، على الرغم من التهديدات الإعلامية والكشف عن الاستعدادات العسكرية.
وكلا الطرفين مرتبط بالآخر عبر اتفاقيتين دوليتين (سالت ۱ - وسالت ۲)، وهما اتفاقيتان ظاهرهما موضوع السلاح، والحد من انتشار الأسلحة الإستراتيجية، وباطنهما يشمل أمورًا كثيرة، وهي الأمور التي تخص سياسة الصراع والوفاق بين الدول الكبرى في هذا العالم، مثل:
1 - رسم خارطة النفوذ وتحديد مواقع القوى الكبرى فيها.
2 - القضاء على ما تسميه الدول الكبرى (بالطفيليات الدولية) التي تظهر في حقيقة الأمر للتخلص من حالة الوفاق بين الطرفين الدوليين، وتشكيل القوة الثالثة المستقلة.
3- توزيع الثروة الاقتصادية العالمية بما فيها اليورانيوم والنفط.
4 - إستراتيجية بيع السلاح التي تشمل توزيعه، وفتح أسواق له بإثارة المشاكل والحروب بين دول العالم الثالث، وللمراقب أن يسأل: هل من مصلحة الكرملين أو البيت الأبيض في عهد رونالد ريغان أن يهدم أحدهم كل هذا البناء الذي حققه الطرفان ضمن سياسة الوفاق السالفة الذكر؟، وهل يمكن لأحد الطرفين أن يخرج على هذه الاتفاقات التي هي بمثابة قوانين ترسم سياسة الطرفين بآن واحد من أجل الالتزام بتصريح صرحه، أو ندوة شخصية، كما تحاول بعض الأجهزة الإعلامية أن تقول؟
كيف يمكن لسياسة الدول الكبرى أن تدخل في تطور نوعي بعد انتخاب ريغان؟
الواقع يقول لا:
فكلا الطرفين ينظر إلى الآخر على أساس تأثر مصالحه بالتغيرات الدولية من ناحية، وطالما أن المراهنة بين الطرفين على أحجار الشطرنج في دول العالم الثالث إنما هي لعبة مستقرة بين الكرملين والبيت الأبيض. فإن المراقبين الإسلاميين يميلون، إلا أنه لا تغيير في سياسة الكرملين والبيت الأبيض نحو بعضهما بعضًا، أو نحو العالم، اللهم إلا إذا ظهرت بعض العوامل الحاسمة التي قد تؤدي إلى تغيير في الخط النوعي لإستراتيجية كلا الطرفين، ويمكن أن يحدث ذلك في حالات محدودة، منها:
ا- تشكل القوة الأوروبية المستقلة عن الطرفين، والتي نادى بها منذ عقدين من الزمان الرئيس الفرنسي الأسبق (شارل ديغول( وهي السياسة التي تتذبذب حولها في الوقت الحاضر بعض الاتجاهات في بعض العواصم الغربية.
٢- خروج بعض الأنظمة من اللعبة الدولية، مما يغير في كفة التوازن بين الروس والأمريكان، كأن نفترض خروج الخليج كقوة اقتصادية هائلة من دائرة النفوذ الغربي، أو تحول بعض دول أمريكا اللاتينية من البوتقة الأمريكية للارتباط بقوة ثالثة مفترضة، أو للتحول إلى جانب كوبا التي تنتمي إلى المعسكر الشرقي، وإن كانت تحاول تزعم العالم المسمى بالعالم الثالث في الوقت الحاضر.
3- انقسام أوروبا الغربية إلى اتجاهين يميل أحدهما إلى المعسكر الشرقي، والآخر يحافظ على ارتباطه بالولايات المتحدة، ومثل ذلك ينطبق على الانقسام الوارد والمحتمل في دول أوروبا الشرقية.
- الغرب واللعبة:
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن ما يخشاه العديد من شركاء الولايات المتحدة الأمريكية في أوروبا هو أن يتمكن الكرملين السوفياتي من استغلال الخلافات في التحالف الغربي بصورة فعالة أكثر مما مضى، كرد فعل على ما يحصل في بعض البلدان ضمن المعسكر الشرقي (كبولندا) مثلًا، لذلك فقد نادى بعض زعماء أوروبا باستمرار سياسة الوفاق في عهد ريغان، الأمر الذي يعني بقاء الأمور على ما هي عليه في العالم؛ لأن مثل هؤلاء الزعماء ينظرون إلى سياسة الوفاق على أنها هي (بيضة القبان) التي نقلت العالم من كف العفريت زمن (جون كنيدي) إلى حالة من الاستقرار المطمئن لأوروبا بشكل خاص، لكن يبقى هناك شيء يدخل التطمين إلى الأوروبيين، وهو معرفتهم بأن مجيء رونالد ريغان إلى البيت الأبيض لا يعني تغييرًا عاجلًا في السياسة الأمريكية تجاه المواقف الدولية الثابتة، ذلك أن الحكم في أمريكا محكوم لكثير من الملابسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي تؤثر بشكل فعال في كل من يدخل البيت الأبيض وبكل مساعديه أيضًا، وبعبارة أخرى فإن سياسة أمريكا في عهد الجمهوريين لن تحمل تغييرًا نوعيًا في الوقت الحاضر، إلا إذا حصل تحول وتغير نوعي في المؤسسات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية داخل الولايات المتحدة نفسها، وهذا ما يطمئن أوروبا نوعًا ما بالنسبة لظهور ريغان، وكأنه صقر يخلف كارتر الموصوف بالتردد.
العالم الإسلامي:
العالم الإسلامي هو واحد من أكبر مواطن اللعب بين الجهات الدولية، وقد أشرنا في مقال سابق ضمن عددنا (٥٠٤) إلى أن سياسة الجمهوريين في عهد ريغان لن تختلف كثيرًا عن الخط العدائي الذي سار عليه كارتر بالنسبة لقضايا العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه، كما أن ذلك يعني أن مواقف الروس الشيوعيين لن تكون على غير هذا الخط العدائي الذي ينظم مصالح السوفيات والأمريكان في منطقتنا الغنية بالقوة الاقتصادية والبشرية، لكن كيف يجب أن يكون موقف عالمنا الإسلامي؟ إن شعوب هذا العالم تعيش في حالة يمكن تحديدها بناحيتين:
الأولى: وقوف شعوب العالم الإسلامي على اللعبة الدولية، ومعرفة خطوطها العريضة بشكل واضح، بعد ما حصل من وعي سياسي، بثته الحركات الإسلامية في ذهنية شعوبها، كحركة الإخوان المسلمين المنتشرة في جميع أنحاء العالم.
الثانية: رفض شعوب العالم الإسلامي الدخول في اللعبة الدولية، ونزوعها بوضوح للخروج من هذه الحالة التي أدخلت فيها أنظمتها المرتبطة بهذا، أو ذاك ضمن ولاءات معنية، والذي تشهده سوريا وأفغانستان مثال على ذلك.
بقي أن نقول للأنظمة:
إن الالتحام مع الشعوب هو خير وسيلة للخروج من ألاعيب الدول الكبرى والخضوع لمصالحها، وإن الالتحام مع الشعوب يحتاج للعودة إلى الإسلام؛ لأن الشعوب في عالمنا الإسلامي لن تقبل بديلًا عن الإسلام أبدًا، فالإسلام وحده هو القادر على حماية الأمة من نزوة البيت الأبيض ورغبات الكرملين، ولهذا نردد ونقول:» اللهم ول علينا خيارنا، ولا تول علينا شرارنا «وما النصر إلا من عند الله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل