; زعيم المعارضة البرلمانية في مجلس الشعب السوداني: لسنا معارضة لذات المعارضة | مجلة المجتمع

العنوان زعيم المعارضة البرلمانية في مجلس الشعب السوداني: لسنا معارضة لذات المعارضة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 01-ديسمبر-1987

مشاهدات 63

نشر في العدد 845

نشر في الصفحة 17

الثلاثاء 01-ديسمبر-1987

فيما يلي نص الحوار الذي أجراه مندوب المجتمع في السودان مع الاستاذ «علي عثمان محمد طه» زعيم المعارضة البرلمانية في مجلس الشعب السوداني، وهو ممثل عن الجبهة الإسلامية القومية. وموضوع الحوار حول مفهوم المعارضة البرلمانية من رؤية إسلامية.

المجتمع: الاستاذ علي عثمان، نبدأ حوارنا معك حول هذا الموضوع بإعطائنا فكرة عن مفهوم المعارضة من خلال فهمكم وممارستكم لها كجبهة إسلامية؟

علي عثمان: إن فهمنا للمعارضة ينطلق من مبادئنا العامة التي تأسست عليها الجبهة الإسلامية باعتبارها حركة تهدف إلى إسلام الحياة العامة والخاصة لله رب العالمين، كما نؤمن بوجوب المدافعة والتفاعل الإيجابي مع القوى السياسية المتصارعة في المجتمع وفي ذات الوقت رفع إشارات خضراء تدعو الناس إلى القيم الإيجابية التابعة من منهجنا الإسلامي، فالمعارضة بفهمنا ليست رجع صدى لما تطرحه الحكومة من سياسات وإنما هي منهج رؤية متكاملة نحاكم إليها -من موقعنا خارج الحكومة ما يصدر عن الحكومة من سياسات، فما استقام منها على موازين الإسلام قبلناه ودعمناه- وما خالفها سعينا لتقويمه.

هل من تأصيل شرعى لهذا المفهوم للمعارضة؟

- لقد أخبرنا الله تعالى أن الأمة الإسلامية هي خير أمة أخرجت للناس لكونها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر إضافة إلى إيمانها بالله جل وعلا.. وهنا إشارة إلى أن من أهم مكونات الأمة الخيرة هو التفاعل الإيجابي مع الحياة كلها من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. وأن قيامنا بدور المعارضة إنما يرجع إلى هذا البعد.. كما أنه يرجع إلى أصل أن المجتمع الإسلامي يقوم أساسًا على النصيحة و«الدين النصيحة... لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم»، ولا يخفى أن المعارضة نوع من المناصحة بل ونوع من التواصي الذي أشارت إليه السورة الكريمة: ﴿وَالْعَصْرِإِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (العصر: 1-2-3) فهذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكذلك التواصي والتناصح هذه المعاني بارتباطها مع مبدأ الشورى الذي هو أحد مرتكزات الدولة المسلمة وبالتفاعل بينها في واقع الحياة كل ذلك يؤصل لمفهومنا للمعارضة.

  • من الذي يمثل المعارضة في ظل حكومة إسلامية؟

- المعارضة بمفهومها هذا يمكن أن تكون حقًا لكل مواطن.. فقد اتفق المفسرون أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمناصحة وإبداء الرأي حق أصيل من حقوق الفرد المسلم في مجتمعه.. غير أن هذا الحق يمكن أن يتبلور في شكل مؤسسات وهيئات بحسب ما يتواضع عليه الناس وهو الأمر الذي ترك للناس ليعبروا عنه وفق مقتضيات أفعالهم.. فالأصل الثابت هنا أن حق المناصحة والتأكد من عدم انحراف المجتمع الذي هو أساس مفهوم المعارضة هو واجب لكل مسلم.. أما الأشكال والصور لتحقيق ذلك فإنها تتفاوت فتتسع وتضيق حسب الظروف الاجتماعية.. ففي السودان مثلًا قد ارتضينا أن تقوم بعض القوى السياسية بأداء دور المعارضة نيابة عن عامة الشعب مع عدم الإخلال بحق الفرد في ذلك.

  • إن المفهوم المعاصر للمعارضة قد أتاح لقوى سياسية أسست أصلًا على أفكار مناقضة للإسلام أن تقوم بدور المعارضة.. فهل يقبل النظام الإسلامي معارضة تناقض أصل التوجه الإسلامي؟

بالمفهوم الإسلامي هذا لا يجوز.. بمعنى أنه لا يجوز ولا يتاح لجماعة تعيش في مجتمع وحكومة إسلامية أن يتخذوا تجمعًا يقوم على أصول فكرية وعقدية وسياسية تناقض الإسلام عقيدة وشريعة.. هذا لا يتفق أصلًا لأن المجتمع الإسلامي بكافة مؤسساته مكلف بحماية الدين ومقاصد الشريعة كلها وعلى رأسها عقيدة المجتمع وارتباطه بالله وتحقيق منهج الإسلام في كافة مجالات الحياة.

أما إن كان هناك أفراد أفذاذ دون تجمع حركي لا يؤمنون بشريعة الإسلام.. فلا ضير في ذلك لأنه يدخل ضمن حرية العقيدة مادام الفرد لا يعمل أو يخطط ضد عقيدة المجتمع الإسلامي.

  • هل هناك فرق في دور المعارضة في ظل حكومة إسلامية عنه في ظل حكومة غير إسلامية؟

في ظل النظام الإسلامي الذي استقرت فيه أحكام الإسلام نظرًا وتطبيقًا شاملًا يكون دور المعارضة دورًا تحسينيًا ورقابيًا.. فالمعارضة هنا لا تبغي هدمًا ولا استبدالًا لأصل من أصول الحكم ونظمه بأصل آخر.. وإنما ترمي إلى المحافظة على هذه الأصول ومراقبة الاعوجاج الذي قد يحدث في الأداء.. ومن دورها أيضًا التنافس في تقديم الاجتهاد الأصوب والأصلح فهي تحسينية من باب الإحسان والدفع إلى ما هو أتم.

أما المعارضة في غير النظام الإسلامي فهي تهدف أساسًا إلى إقناع المجتمع والدفع به نحو استبدال أسس النظام السياسي المفارقة للإسلام لكي تؤسس على منهج الإسلام ومن ثم فمهمة المعارضة في ظل نظام غير إسلامي مهمة أصولية جذرية.. وتوضيحًا لذلك.. ففي ظل نظام حكم يقوم على معطيات النظام الغربي كما هو الحال في السودان اليوم.. الذي يقوم النظام فيه على المفارقة بين الدين والدولة وعلى إتاحة الحريات العامة بلا ضابط أخلاقي أو عقدي، فإن واجب المعارضة أن تقوم بقيادة التغيير الفكري والسياسي والاجتماعي الذي يمكن أن يستبدل هذه الأصول الغربية الوضعية بالأصول الإسلامية التي تقوم على الربط بين الدين والدولة لتصبح الدولة أداة لتطبيق مبادئ الإسلام وحمل دعوته وأن تستبدل كل نظم الحياة الاجتماعية بما يوافق منهج الإسلام.. وهذا هو محور تحرك الجبهة الإسلامية اليوم في السودان.

  • أنتم في السودان تمثلون المعارضة الأساسية في البرلمان وفي المجتمع ككل.. فهل توضح لنا منطلقاتكم ومرتكزاتكم الأساسية في قيامكم بدور المعارضة؟

أولًا: نحن ننطلق من إيماننا بأن الشرعية السياسية لا تكون إلا بموافقة السلطان للقرآن.. ومن ثم جعلنا قضية الالتزام بالشريعة الإسلامية في كل مجالات الحياة هي محور تحركنا الذي به نقيم سياسات السلطة وأداءها.

ومشكلة الشرعية السياسية الإسلامية هي مشكلة عالمنا الإسلامي كله، فالسلطات السياسية فيه تفتقد هذه الشرعية لكونها تجافي قيم الشعب الحقيقية التابعة من الإسلام.. فالسلطات هنا سلطات مغتربة عن مجتمعاتها.

ثانيًا: منطلقنا الآخر.. هو إيماننا بأن الشعب السوداني في أغلبيته العظمي قد اختار الإسلام منهجًا لنظام حياته كلها.. وهو ما دلت عليه الانتخابات الأخيرة.. ومن هنا فإننا كمعارضة إسلامية نتصدى لكل محاولة تريد تجاوز هذا المطلب الشعبي.

ثالثًا: نؤمن من موقعنا في المعارضة.. أن السلطة لیست تشريفًا وإنما هي تصديًا لتحمل أمانة تطبيق شرع الله وصيانة مصالح العباد.. ولذا فإننا نقدم كل سياسة وبرنامج يحقق مصالح الشعب.. ونقف ضد كل توجه يغمط الشعب حقوقه في الحياة الحرة الكريمة.

  • في ظل هذه الثوابت والمنطلقات.. فهل يمكن أن تساندوا السلطة في بعض توجهاتها وبرامجها.. أم أنكم معارضون للسلطة دائمًا؟

- لسنا معارضة لذات المعارضة.. إن موقفنا مبدئي لا شخصاني.. موقفنا من السلطة يتحدد بعدًا واقترابًا بمقدار اقترابها هي فيما تتخذه من سياسات أو مواقف وبرامج من المنهج الإسلامي الذي تدعو إليه.. فإذا رأينا من السلطة توافقًا واقترابًا من ذلك فلا نجد أي حرج في أن نؤيدها في ذلك بل ونعلن ذلك على الملأ وندفع بكل طاقاتنا لإنجاح ذلك التوجه أو البرنامج.. ذلك لأن المعارضة عندنا لا تعني الهدم وإنما تمتد لتساهم في البناء الإيجابي والدفع إلى الأمام.

  • إن المعارضة بالمفهوم الديمقراطي الغربي لها تلزم بالنزول عند رأي الأغلبية أيًا كان هذا الرأي حتى لو كان مخالفًا لشرع الله.. فما موقفكم من ذلك؟

- أولًا: إننا من حيث الإطار العام الذي نعمل به نسعى جاهدين لنجعل ثوابت هذا الإطار متسقة مع المنهج الإسلامي، وذلك عن طريق الدعوة لاتخاذ دستور وقوانين أساسية للنظام السياسي تنطلق من الإسلام، فإذا تحقق ذلك فإن إطار النظام الديمقراطي عندنا سوف يكون مستندًا إلى أصول إسلامية.

ومن جانب آخر فإننا مطمئنون في الواقع إلى أن الأغلبية الشعبية إذا ما تم التعبير بصدق عن إرادتها فإنها هنا أغلبية مسلمة وقد ظهر ذلك في نتائج الانتخابات كما تعلمون.. حيث تم اختيار وتفويض القوى السياسية التي خاضت الانتخابات تحت ظل هدف تحكيم الشريعة الإسلامية.. ومن هنا فإن أي محاولة للتعبير عن رأي الأغلبية بما يناقض هذا التفويض الشعبي هي محاولة لخيانة إرادة الأمة.. وقد ثبت لدينا حتى الآن أن سند هذا التفويض قوي جدًا بدليل أن كل المحاولات التي جرت لإلغاء الشريعة الإسلامية والعودة للنظام العلماني وبكل ما توافر لها من حشد ودعم داخلي وخارجي قد فشلت تمامًا.

  • هناك مثال.. فقد حدث قبل فترة أن اقترحت الجبهة الإسلامية في البرلمان اقتراحًا ينص على ضرورة تنفيذ الأحكام الإسلامية الصادرة في المحاكم وقد سقط الاقتراح بأغلبية برلمانية.. وقد نزلتم حينها عند رأي الأغلبية البرلمانية.. ألا تجد في ذلك حرجًا شرعيًا؟

- أرجو أن يكون نفسنا طويلًا في صراعنا مع الباطل.. ما حدث هذا جزء من قضية الصراع ونحن ابتداء لم تقبل بالمعنى الكامل للكلمة.. أي إن معركة تثبيت الشريعة الإسلامية وتطبيقها لم تنحصر ولن تنحصر عند ذلك الاقتراح فهناك وسائل متعددة للضغط على السلطة السياسية لإنفاذ الإرادة الحقيقية للأغلبية المسلمة.. ونحن كلما رفضوا وجهًا من وجوه التعبير عن هذه الإرادة اجتهدنا وقدمنا وجهًا آخر فنحن لا نسلم لهم بجولة أو جولات والحرج الشرعي إنما ينشأ إذا كانت قواعد النظام تقتضي أو تلزمنا بالاستسلام وتقفل الباب أمامنا للمحاولات المتصلة.. ولكن مادام أمامنا فرص لتجديد المحاولات وتعبئة الرأي العام وتوعيته ودفعه للأمام فنحن نعتبر أن المعركة مستمرة.

غير أن الوضع يختلف تمامًا وبالفعل ينشأ فيه حرج شرعي إذا كان القرار بوجه آخر.. أي إذا جاء البرلمان وقرر بالأغلبية أن يسن تشريعًا مناقضًا للإسلام عندها ينشأ الحرج الشرعي.. بل لا يبقى الأمر مجرد حرج بل يصبح واجبًا شرعيًا يلزمنا بمفارقة تلك المؤسسة واتخاذ موقف آخر.

  • هل ترى أن استخدام الحركة الإسلامية لأسلوب المشاركة في الانتخابات ودخول البرلمانات يقربها من تحقيق أهدافها؟

- التعويل على دخول البرلمان وحده وخوض المعارك السياسية ليس كافيًا وأي حركة تعول على خوض المعركة الانتخابية باعتبارها الوسيلة الأساسية الوحيدة لتحقيق المشروع الإسلامي هي حركة محدودة النظر ووسيلتها غير مجدية.. ولكن إذا ما كانت معركة الانتخابات ودخول البرلمان هي جزء من أدوات الدعوة الإسلامية إلى جانب أدوات أخرى اجتماعية واقتصادية وغيرها.. فهو أمر مطلوب شريطة أن يكون العمل السياسي النيابي هذا جزءًا من خطة وبرنامج إسلامي شامل.. عندئذ حتى لو لم تصل الحركة الإسلامية عن طريق الانتخابات إلى الحكم فإن حملات الانتخاب هذه سيكون لها مردودها الإيجابي من حيث تربية الناس وتوعيتهم وتبصير المسلمين ومخاطبتهم وتجميعهم ودفعهم لأداء دورهم الإيجابي في بناء المجتمع المسلم.. وعندئذ لن تملك السلطة إلا أن تنصاع.. وتجربتنا هنا في السودان تشير إلى ذلك.

الرابط المختصر :