العنوان زمن «الكوَّام» في العراق.. ٣٠٠ جثة مجهولة الهوية تسلم للطب العدلي شهريًا
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 21-مايو-2005
مشاهدات 71
نشر في العدد 1652
نشر في الصفحة 36
السبت 21-مايو-2005
سباق بين العائلات لشراء المدافن بسبب ازدحام المقابر!
عمال النظافة يعثرون يوميًا على عشرات الجثث أثناء تنظيف الشوارع
مراقبون: المقابر والمعتقلات هما المكانان اللذان يشهدان عمليات توسعة بشكل متزايد
سؤال طرحه أحد العراقيين أثناء تشييع جنازة أحد المواطنين عندما عرف أن صاحب الجنة مات بالسكتة القلبية فبدت الدهشة على وجوه الآخرين، وقال أحدهم: هل مازال هناك عراقي يموت بالسكتة القلبية أو بظروف طبيعية للوفاة؟! ومضى يقول: «العراقي اليوم يموت إما بحادث تفجير سيارة مفخخة أو باغتيال من قبل مجهولين أو في اشتباك أو برصاص أمريكي أو تحت التعذيب لدى أحد الأجهزة الأمنية. وصار غريبًا أن يموت بالسكتة القلبية»!.
في الفترة الراهنة وصل عدد القتلى من العراقيين خلال عامين من الاحتلال إلى أكثر من ١٥٠ ألف قتيل، وهو رقم يراه الكثير من المراقبين أقل بكثير من الرقم الحقيقي خاصة في ظل غياب جهات رسمية تقوم بمهمة إجراء الإحصاءات اللازمة بهذا الخصوص.
يقول كامل عبيس الذي يشرف على مكتب لدفن الموتى أن مقبرة محمد سكران الواقعة شمال شرق بغداد ليست من المقابر الرئيسة في العراق، غير أنها اتسعت إبان الحرب العراقية الإيرانية، أما مع الاحتلال الأمريكي فقد باتت تستقبل بشكل مستمر العديد من الشهداء العراقيين يوميًا.
ويضيف أنه بسبب كثرة عمليات القتل والاغتيال والتفجيرات فإن المقبرة باتت تشهد حركة يومية، فليس هناك من يوم يمر دون أن تستقبل المقبرة العديد من الجثث وليس هناك رقم محدد لعدد الجثث التي نستقبلها ولكن في الغالب فإننا نستقبل يوميًا العديد منها وخاصة في أيام التفجيرات والمواجهات المسلحة.
ويقول: «عندما اندلعت المواجهات بين أنصار الزعيم الشيعي مقتدى الصدر والقوات الأمريكية وبسبب ظروف الطريق الصعبة ولأن أغلب الشيعة يدفنون موتاهم في النجف فإن العديد منهم قام بجلب موتاه إلى هذه المقبرة وبعد انتهاء المواجهات المسلحة قاموا بحفر تلك القبور وأخذوا ما فيها من رفات إلى النجف».
وانسجامًا مع المثل القائل: «مصائب قوم عند قوم فوائد فإن مصائب العراقيين وكثرة عمليات القتل والتقتيل درت موارد مالية كبيرة على العاملين في مهنة «الدفن» ومنهم المواطن عبيس، إلا أنه رفض الإفصاح عن الأمور المالية، مؤكدًا أن «الرزق على الله» وأن «النعمة يجب أن تشكر».
إلا أن بعض الأهالي الساكنين في القرية القريبة من المقبرة أكدوا أن «الكوام»- وهكذا يطلق على الدفانة - ومتعهدي حفر القبور في العراق قد انتعشوا اقتصاديًا وأن الكثير منهم قد بني بيوتًا، واشتري سيارات جديدة!.
وقال أحد هؤلاء -وقد رفض بإصرار الكشف عن اسمه- إن ما نتقاضاه من ذوي الميت يتفاوت من عائلة إلى أخرى ومن ميت إلى آخر فهناك عائلة مترفة تعطي بلا جدال وهناك من يجادلك على الدينار.
وأضاف «نحن ليس لدينا تسعيرة محددة لأننا نعتقد أن المال الذي يدفعه ذوو الميت أفضل من وضع تسعيرة فعندما تضع تسعيرة ربما تضيع عليك مكافأة كبيرة من عائلة ميسورة».
ويذهب الدفان إلى أن طبيعة الميت وسبب وفاته يلعبان دورًا أيضًا في تحديد الأجرة فعندما يكون الميت كبيرًا في السن ومات بسبب المرض فإن تسعيرة حفر القبر تتراوح بين ٢٥ و ٤٠ ألف دينار، بينما إذا كان الميت شابًا صغير السن وقتل في تفجير أو اغتيال فإن المبلغ ربما يرتفع قليلًا أو يقل بحسب طبيعة العائلة.
ويقول المراقبون: إن المقابر والمعتقلات هما المكانان اللذان يشهدان عمليات توسعة بشكل لافت للنظر، فمقبرة النجف مثلًا تعادل مدينة بأكملها- ومقبرة محمد سكران التي كانت تحوي عددًا من القبور المتناثرة أصبحت اليوم واحدة من أكبر المقابر، فيما أعلنت أمانة العاصمة بغداد عن إغلاق العديد من المقابر في وجه عمليات الدفن لكونها لم تعد تستوعب موتى جددًا. أما المعتقلات فالإدارة الأمريكية عازمة على بناء العديد منها بالإضافة إلى توسعة سجون أخرى.
من جهة أخرى قال مصدر في الطب العدلي وهو مسؤول عن تسلم الجثث وتشريحها وتبيان سبب الوفاة: إن النظام الذي كان معمولًا به سابقًا في حال العثور على جثة مجهولة الهوية، إبقاؤها مدة أربعين يومًا لحين حضور ذويها ولكن بعد الاحتلال الأمريكي وبسبب كثرة الجثث التي تصل إلى برادات حفظ الموتى فإننا اضطررنا إلى التخلي عن هذا النظام حيث نعمد إلى حفظ الجثة إذا كان لدينا مجال.
وأضاف: بعض الجثث نبقيها ليومين فقط وبعد ذلك ندفعها إلى قسم الدفن في أمانة بغداد ليتولى دفنها، بعد أن نقوم بأخذ صور فوتوغرافية ليتسنى لنا عرضها على الذين يأتون للسؤال عن أحد أبنائهم المفقودين».
ويؤكد أن البرادات المخصصة لحفظ الجثث لم تعد تستوعب، «فنحن نتسلم شهريًا ما يقارب ٣٠٠ جثة مجهولة الهوية تنقلها لنا جهات مختلفة»، مضيفًا: «إننا بحاجة فعلية إلى برادات لحفظ الجثث».
وقال الموظف حسن هادي العامل في أمانة بغداد إن فرق الأمانة تعثر بشكل يكاد يكون يوميًا على جثث مجهولة الهوية أثناء عملها في تنظيف الشوارع والممرات الوسطية. وأضاف: لأننا تقريبًا نكون أول من يخرج إلى الشارع فإننا غالبًا ما تعثر بشكل يومي على جثة هنا وأخرى هناك، فتقوم بدورنا بنقلها إلى الطب العدلي الذي يحفظها في برادات الجثث لحين التعرف عليها - وبعد الاحتلال مباشرة وجدنا الكثير من الجثث في الجزرات الوسطية، وكانت الكهرباء غير موجودة، والدولة أيضًا غير موجودة فاضطررنا إلى دقتها، بعضهم كانوا من عناصر الجيش العراقي والبعض الآخر من المدنيين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل