العنوان زهولر ورياحين ما زالت تفوح
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 02-مايو-2009
مشاهدات 69
نشر في العدد 1850
نشر في الصفحة 37
السبت 02-مايو-2009
Dar elbhoth@hotmail.com
كثير من الناس تبتلعهم الأيام، وتطحنهم الليالي؛ لأنهم لا يملكون الخاصية البقاء في عالم الأحياء، وليس عندهم طبيعة الصمود أمام الحوادث الجسام، وطبيعة البقاء لا توهب ولا تشترى؛ لأنها جزء من الكيان الحياتي والبشري والإنساني، ولهذا ترى العظماء مهما حاولت الدكتاتوريات أن تسدل عليهم ستائر النسيان يزدادون لمعانًا وتوهجًا وحضورًا.
ومهما أريد لهم الاضمحلال والخفوت تراهم يتعملقون ويترسخون في التاريخ وتسمع حولهم نداءات الخلود والبقاء؛ لأن طبيعة الأشياء تنادي طبيعتهم وتساعدهم وتفتح لهم ذراعيها.
ونستطيع أن نضرب مثلًا من الحاضر المعاش، على ذلك فهذه المناضلة الجزائرية «جميلة بوحريد»، لیست رمزًا من رموز النضال الجزائري فحسب، بل علامة بارزة أيضًا في حركات التحرر التي عرفها العالم لكسر شوكة الاستعمار، فلا تكاد تذكر هذه الحركات إلا وتذكر معها جميلة بوحريد.
هذه المرأة التي كانت شوكة في خاصرة الاستعمار الفرنسي، ولدت عام ١٩٣٥م بحي «القصبة» العتيق بالجزائر العاصمة، وترعرعت في أسرة متوسطة الحال بين أم تونسية الأصل وأب جزائري مثقف وسبعة إخوة هي الفتاة الوحيدة بينهم، تشربت مبادئ النضال من أبيها الثائر، وأمها التي انتقضت غاضبة حينما سمعتها تردد عبارة من كتاب التاريخ تقول: «أسلافنا هم الغال أي شعب الغال الذي ينتمي إليه الفرنسيون» وزرعت فيها أولى بذور الوطنية والانتماء حينما قالت لها: «الجزائر وطنك، والعروبة هويتك، والإسلام دينك، وأفريقيا جنتك التي يجب أن تعود كاملة لأصحابها الأفريقيين» وهو الكلام الذي انعكس بشكل جلي على حياتها التي أخذت منعطفًا ثوريًا بدا واضحًا في مخالفتها للطلاب الجزائريين الذين كانوا يرددون في طابور الصباح «أمنا» أي فرنسا، ولكنها وحدها التي كانت تفرد خارج السرب وهي تردد «الجزائر» فأخرجها ناظر المدرسة الفرنسي وعاقبها بشدة، ولكن هذا العقاب لم يؤت أكله بل زادها إصرارًا
وتشبثًا بموقفها الذي قويت شوكته بانضمامها إلى صفوف الثورة الجزائرية عام ١٩٥٦م وهي لا تزال تلميذة، فاضطلعت بالمهام الصعبة التي لا يقوى عليها إلا الرجال الأشداء، حيث كانت تقوم بنقل الأسلحة وزرع القنابل والعبوات الناسفة في الأماكن التي يرتادها المستعمرون، كما عملت مسؤولة ارتباط مع القائد سعدي ياسف، لذلك أصبحت من أكثر المطلوبين من طرف الاستعمار الفرنسي الذي تمكن من إصابتها برصاصة في الكتف عام ١٩٥٧م والقبض عليها.
وخلف أسوار المستشفى تعرضت لأشد أنواع التعذيب الذي تمثل في الصعق الكهربائي لمدة ثلاثة أيام لحملها على الاعتراف على زملائها، ولكنها ظلت مستعصمة بالصبر لئلا ينطق لسانها بكلمة تفشي أسرار إخوانها الثوار، غير أنها كلما ازدادت إصرارًا على موقفها ازداد زبانية الاستعمار غلًا، ونزلوا على جسدها المكدود بصعقات كهربائية متتالية حتى تفقد وعيها.
ولكن عندما تفيق تصعقهم بصعقة أكبر حينما تقول: «الجزائر أمنا» لذلك أيقن الاستعمار الفرنسي أن انتزاع أي اعتراف منها بات أمرًا مستحيلًا، فتقرر محاكمتها صوريًا وحكم عليها بالإعدام الذي تحدد له يوم ٧ مارس ١٩٥٨م، إلا أنها لم تقدم قضيتها قربانًا للاستعمار الفرنسي حتى يصفح عنها، وما ضعفت وما استكانت بل قالت لقادته: «أعرف أنكم سوف تحكمون على بالإعدام، ولكن لا تنسوا أنكم بقتلي تغتالون الحرية في بلدكم ولكنكم لن
تمنعوا الجزائر من أن تصبح حرة مستقلة».
وتذكر بعض المصادر أنها كتبت في مذكراتها بعد أن تقرر إعدامها هذه العبارة «كان ذلك اليوم من أجمل أيام حياتي، لأني سأموت من أجل استقلال بلادي الجزائر» وتضيف: إنه بعد عودتها من المحكمة إلى غياهب السجن، استقبلها زملاؤها السجناء من المناضلين بأغنية، «الله أكبر تضحيتنا للوطن» كانت لحظة مؤثرة تعجز الكلمات عن وصفها، ومع وحشية تلك الأيام التي قضتها في السجن إلا أنها تصفها بأنها من الأيام الخالدة التي لا تمحى من الذاكرة.
وتضيف هذه المصادر أنها كانت تقول لأمها عندما تزورها في السجن: «لعلك لا تجدينني هنا في المرة القادمة، فتضمها أمها وهي تبكي وتقول لها: «ما أسعدك يا جميلة أن تموتي شهيدة، وما أسعدني أنا الأخرى أن يشار إلي بالبنان تلك هي أم الشهيدة» ولكن محاميها الفرنسي «جاك فيرجيس» الذي تزوجت منه بعد خروجها من السجن وبعد اعتناقه الإسلام، كان مؤمنًا أشد الإيمان بقضيتها، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، فكان عقبة كأداء في وجهة الاستعمار الفرنسي الذي تراجع عن حكم الإعدام، تحت ضغط الرأي العام العالمي الذي حركة المحامي الفرنسي كالإعصار في وجه «الاستدمار» الفرنسي.
ثم خرجت جميلة بعد المحنة لتعيش في صمت كما يعيش عامة الناس، لا منصب ولا ضوضاء ولا إعلام حتى ظن الناس أنها ماتت، ولكنها تعيش الآن رمزًا للنضال الشريف، ويتغنى بذكرها الشعراء والأدباء ويكرمها الساسة والأدباء يقول
نزار قباني في قصيدة بعنوان حبيبتي:
الاسم: جميلة بوحريد
اسم مكتوب باللهب
مغموس في جرح السحب.
في أدب بلادي في أدبي
امرأة من قسنطينة
لم تعرف شفتاها الزينة
لم تدخل حجرتها الأحلام
لم تلعب أبدًا كالأطفال
لم تغرم في عقد أو شال
لم تعرف كنساء فرنسا
أقبية اللذة في «بيغال».
الاسم: جميلة بوحريد
أجمل أغنية في المغرب.
أطول نخلة.
لمحتها واحات المغرب
أجمل طفلة
أتعبت الشمس ولم تلعب.
يا ربي هل تحت الكوكب
يوجد إنسان
يرضى أن يأكل.. أن يشرب
من لحم مجاهدة تصلب؟!
نعم يعيش المجاهد في التاريخ ويعيش التاريخ في المجاهد أبدًا حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ويموت التافه قبل أن يموت مشيعًا.
باللعنات.. ثم يموت عند موته كما يموت الذباب ولا عزاء للحشرات.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل