العنوان زوجات الدعاة؟ «٢»
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 12-أبريل-1988
مشاهدات 66
نشر في العدد 862
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 12-أبريل-1988
التحدي والثبات
والاعتزاز بالمبدأ يوحد التصور النسائي ليعدن أمجاد نسائنا الخالدات.
نماذج من محنة
الأخوات:
ولنا في تاريخنا
المعاصر نماذج كثيرة ذكرتنا بخديجة وعائشة وأم سليم ومعاذة رضي الله عنهن جميعًا،
وزادتنا يقينًا إلى يقيننا بأن هذا الدين الذي أخرج تلك النماذج الفريدة قادر
دائمًا على إخراج مثلهن في كل جيل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وفي محنة
الإخوان في مصر ظهرت كثير من النماذج النسائية التي ضربت أروع الأمثلة في الثبات
والصبر والرضا، والإخلاص للزوج والوفاء له. فحينما دخل الإخوان السجون، كتب الكثير
منهم إلى زوجاتهم يخيرونهن بين البقاء كزوجة، وبين أن تطلب الخلع فهو حق من
حقوقها، سيما وقد حُكم على الكثير منهم بالمؤبد. وظهرت هذه المواقف النادرة
للكثيرات منهن، ومن هذه المواقف أن إحداهن أرسلت إليه عاتبة: «أهكذا هانت عليك تلك
العشرة الطيبة، والتي وثقتها أخوَّة في الله خالصة جمعت بيني وبينك؟ أتضن عليّ أن
أشاركك بعض أمرك حين يُثقل الله ميزان حسناتك؟ قد أقسمت ألا يفرق بيننا إلا
الموت». وظلت تلك المؤمنة على عهد الله وميثاقه وخرج إليها زوجها بعد عشرين عامًا
ليجد البيت الآمن، والأبناء وقد تخرجوا، والابنة وقد أوشكت على الزواج، ووجد كل
شيء في مكانه، ليعاودا معًا حياتهما على الطريق في طاعة الله (8).
أمينة قطب:
ومن الأسر التي
ابتُليت في محنة الأخوات «أسرة قطب»، ولقد وقفت أمينة قطب أخت سيد -رحمه الله-
موقف زوجة الداعية التي تتجلى فيها صفات المجاهدة التي تعين زوجها المجاهد في
طريقه إلى الله (9). وعندما أُودع السجن زوجها الفاضل كمال السنانيري رحمه الله،
قال لها بعد أن زارته في السجن: «لقد طال الأمد وأنا مشفق عليكِ من هذا العناء،
ومثل ما قلت لكِ في بدء ارتباطنا: قد أخرج غدًا وقد أقضي العشرين سنة الباقية، وقد
ينقضي الأجل وأنا هنا، فلكِ الآن مطلق الحرية في أن تتخذي ما ترينه صالحًا من أمر
مستقبلكِ، فلا أريد ولا أرتضي لنفسي أن أكون عقبة في طريق سعادتكِ.
إنهم يفاوضوننا
في تأييد الطاغية ثمنًا للإفراج عنا، ولن ينالوا مني بإذن الله ما يريدون حتى ولو
مزقوني إربًا، فلكِ الخيار من الآن واكتبي لي ما يستقر رأيكِ عليه، والله يوفقكِ
لما فيه الخير» (10).
تقول الأخت
الفاضلة أمينة قطب: «ولم يمهلني انقضاء وقت الزيارة من الرد على كلماته التي
آلمتني، بغير كلمات قليلة متقطعة، وعندما عدت إلى البيت وبدأت في كتابة رسالة إليه
أعاتب عليه ذلك الحديث وذلك التفكير في أمر فك ارتباطنا الذي أشهدت الله على المضي
فيه...». وظلت وفية صابرة حتى أفرج الله عنه وتجمع الشمل، ثم أُدخل السجن مرة
ثانية واستمرت في ثباتها على المحنة، ورضاها بما قدر الله، حتى قتلوه في السجن
وقالوا «إنه انتحر». تقول الأخت أمينة فيه: «حاول زبانية الحاكم أن يأخذوا من فم
المعذبين كلمات التسليم والرضا بالذل، فأبى المجاهد الذي استغرق الجهاد في سبيل
الله حياته وعمره، أبى أن يطأطئ رأسه للظلم، أو يعطي كلمة استسلام، فكان استشهاده
انتصارًا له من باطل يملأ وجه الأرض، ومنارًا على طريق السالكين للحق الكبير»
(11). وقالت ترثيه بقصائد كثيرة منها قصيدة «رسالة إلى شهيد»، تقول في مطلعها:
«ما عدت أنتظر
الرجوع ولا مواعيد المساء
ما عدت أحفل
بالقطار يعود موفور الرجاء
ثم تقول:
وتركتني أمضي مع الأيام في صمت الشقاء
أتراه ذاك الشوق
للجنات؟ أو حب السماء؟
أتراه ذاك الوعد
لله؟ وهل حان الوفاء؟
فمضيت كالمشتاق،
كالولهان حبًّا للنداء؟!
وهل التقيت هناك
بالأحباب؟ ما لون اللقاء؟
في حضرة الديان!
في الفردوس في فيض العطاء؟!
وبدار حق قد
تجمعتم بأمن واحتماء؟
إن كان ذاك
فمرحبًا بالموت، مرحى بالدماء.
فلسوف ألقاكم
هناك وتختفي دار الشقاء
ولسوف ألقاكم،
أجل وعد يصدقه الوفاء
ونثاب أيامًا
قضيناها عنادًا وابتلاء
وسنحتمي بالخلد
لا نخشى فراقًا أو فناء» (12).
نماذج من
أفغانستان:
في مقابلة
أجراها السيد غالب الشاويش في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، بعد زيارة له
للمجاهدين في مدينة «نورستان في محافظة كنر» مع أحد قادة الجهاد هناك، فكان مما
سأله:
هل يجد المجاهد
مضايقة من زوجته وأولاده بسبب طول غيبته وصعوبة المعيشة؟
"المرأة
الأفغانية هي التي تدفع زوجها للجهاد، والذي يتردد تطلب زوجته أن تذهب لخدمة
المجاهدين، وأن يبقى هو حارسًا عند الأطفال والأمتعة، ليقوم بالإشراف على شؤون
البيت. وأبشركم أن الفتاة الأفغانية تعرض نفسها للزواج من المجاهدين ومهرها يُشترى
به أسلحة للمجاهدين" (13).
ذكرني هذا
الموقف بما حدثني به أحد الإخوة المجاهدين من اليمن إبان حرب الجبهة الشيوعية مع
أبناء الحركة الإسلامية، يقول: «كانت النساء في إحدى القرى التي دار فيها القتال،
إذا استشهد زوج إحداهن يجتمعن في مجلس نساء، وترتجل زوجة الشهيد أبياتًا من الشعر
تذكر فيها مآثر زوجها وبطولاته ثم تُعرِّض في النهاية بالنساء اللاتي لم يمت منهن
أحد. وبعد انفضاض المجلس تذهب النساء اللواتي لم يمت منهن أحد وهن متحسرات إلى
أزواجهن ويلمنهم لعدم الذهاب للجهاد، ويستحثثنهم للجهاد حتى ينالوا شرف الشهادة».
إن جو الجهاد والتحدي والثبات والاعتزاز بالمبدأ من شأنه أن يُوجد مثل هؤلاء
النساء ليُعدن إيجاد هذه الأمة بما يتحلين به من صفات خديجة، وعائشة، وحفصة، وأم
سليم، وأم شريك، وزنيرة، وغيرهن من النساء الطاهرات رضي الله عنهن جميعًا.
(8) الأخوات
المسلمات، 494-495.
(9) نسأل الله
لنا ولها الثبات.
(10) رسائل إلى
شهيد، 10-11.
(11) رسائل إلى
شهيد، ص 13.
(12) رسائل إلى
شهيد، ص 17، 18، 19.
(13) نشرة تحت
عنوان «ما يقوله الأفغانيون إلى المسلمين بكل صراحة».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل