; نساء مجاهدات في العصر: زبيدة عبد الحليم.. خادمة الدعوة زوجة مرشد الإخوان الحاج مصطفى مشهور يرحمه الله | مجلة المجتمع

العنوان نساء مجاهدات في العصر: زبيدة عبد الحليم.. خادمة الدعوة زوجة مرشد الإخوان الحاج مصطفى مشهور يرحمه الله

الكاتب مريم السيد هنداوي

تاريخ النشر السبت 08-سبتمبر-2007

مشاهدات 65

نشر في العدد 1768

نشر في الصفحة 38

السبت 08-سبتمبر-2007

 قال لها المربي مشهور: إنني متزوج من أخرى فلا تغاري منها إذا تأخرت أو انشغلت عنك بها.. ففزعت الزوجة وقالت: من تكون؟ فقال لها: إنها الدعوة. فردت وأنا خادمتها.

 مع توالي المحن والمظالم على زوجها تميزت بالجلد وحسن التصرف ورعاية شؤون الأبناء.. وكانت من أسباب ثبات مشهور على محن الإبعاد إلى مطروح والاعتقال في سجون عبد الناصر.

 بعد أن منعت المدرسة ابنتيها من ارتداء الحجاب عام ١٩٦٧ قالت للمسؤولين: إنني مصرة على أن ترتدي ابنتاي الحجاب.. وإلا سأستغنى عن المدرسة وإكمال تعليمهن... فاستجابت الإدارة لطلبها.

زبيدة عبد الحليم مشهور امرأة مسلمة نشأت في بيئة محافظة على إسلامها الصحيح وفهمها الشامل للإسلام عملت على رضا الله والتقرب إليه بالطاعات وحفظ كتابه والمحافظة على الصلوات وحسن الأخلاق.

تنتمي إلى عائلة المشاهرة، وهي من العائلات العريقة في محافظة الشرقية تزوجت من ابن عمها الأستاذ مصطفى مشهور - الذي ولد في ١٩٢١/٩/١٥م، وتخرج في كلية العلوم بجامعة فؤاد الأول عام ١٩٤٣م.

انضم للإخوان عام ١٩٤٠م، واعتقل أعوام ١٩٤٨م ١٩٥٤ ١٩٦٥، وانتخب مرشدًا عاما للإخوان المسلمين عام ١٩٩٦م، وتوفي في يوم الخميس ٢٠٠٢/١١/١٤م الموافق 9 رمضان ١٤٢٣هـ عاشت معه في موطن نشأتهما في قرية السعديين مركز منيا القمح بمحافظة الشرقية (شرق مصر).

اختارته زوجًا

يذكر المهندس عبد الرؤوف مشهور شقيق الحاجة زبيدة أنه سألها في الرؤيا: لماذا ترفضين من يتقدم للزواج منك؟ فقالت إنها تريد أن تتزوج ابن عمها مصطفى مشهور وبعدها التقى عبد الروف بالأستاذ مصطفى وقال له: متى تريد أن تتزوج يا مصطفى؟ -وكان صديقا له- فرد عليه أمامي عام.

فقال له عبد الرؤوف: أعرض عليك الزواج من أختي فرد عليه مصطفى خلال هذا العام إن وجدت من هو خير مني فزوجها، وإلا فأنا أريدها زوجة لي...

 وقد كان فقد تزوجا أوائل عام ١٩٤٥م ورزقهما الله البنين والبنات ففي عام ١٩٤٥م رزقهما الله مشهورًا، ثم سلوى بعده بعام، ثم وفاء في عام ١٩٥٢م وسمية في عام ١٩٥٤م.

حرص الأستاذ مصطفى مشهور وزوجه الفاضلة بعد اقترانهما عام ١٩٤٥م، على أن يكونا بيتا إسلاميا على نهج كتاب الله وسنة نبيه، وكانت الدعوة أحب شيء إلى قلب مصطفى مشهور فانتقل هذا الحسن الرباني إلى قلب زوجته وتذكر الحاجة زبيدة عبد الحليم ذلك بقولها: إن الحاج مصطفى مشهور قال لها: إنني متزوج من أخرى، وأملي ألا تغاري منها إذا تأخرت بسببها، أو انشغلت عنك بها، ففزعت الزوجة وقالت من تكون؟ فقال لها: إنها الدعوة فقالت له: وأنا خادمتها...

ومنذ ذلك الوقت والحياة الزوجية بينهما تسودها المودة والحب والتراحم وطوال فترة حياتهما وهما يعملان الدعوة الله دون كلل أو ملل.

صبر على المحن

وبعد المحنة الأولى عام ١٩٤٨م صدر قرار من هيئة الأرصاد، بنقل الأستاذ مصطفى مشهور إلى مطروح فتحملت الزوجة الصعاب وانتقلت الأسرة إلى هناك، وهونت على زوجها بعد المكان وعناء السفر، ولم تعد إلا بعد وقوع محنة ١٩٥٤م.

تعرضت الزوجة وأسرتها لظلم كثير من قبل النظام المصري فقد تعرض الزوج للاعتقال أكثر من مرة، وكان طبيعيًا أن تتعرض الأسرة للأزمات إثر كل اعتقال.

الظلم الأول

بعد أن التحق الأستاذ مصطفى مشهور بالإخوان تم ضمه إلى النظام الخاص، الذي أنشأه الإمام البنا أوائل الأربعينيات بهدف التصدي للعمليات اليهودية في فلسطين، ولضرب معاقل المحتل الإنجليزي عبر مؤسساته في مصر، وظل أفراد النظام الخاص لا يعرف عنهم أحد شيئًا حتى اكتشف أمره في ١٩٤٧/١١/١٥م بعد أن سقطت سيارة جيب تابعة للنظام في يد للمحاكمة التي ظلت منعقدة ما يقرب من البوليس، وبها كل الأوراق التي تخص النظام، وكان مشهور في هذا الوقت أحد قادته، فاعتقل مع إخوانه وقدموا للمحاكمة التي ظلت منعقدة ما يقرب من العامين ونصف حتى برأت المحكمة المتهمين من الإخوان في ١٩٥١/٢/١٧م لنبل مقصدهم وجهودهم في حرب فلسطين، وذلك بعد شهادة مفتي فلسطين واللواء المواوي وفؤاد صادق.

في هذه الفترة عكفت الزوجة على رعاية أبنائها، وتنشئتهم على حب الإسلام ودعوة الله، واحتسبت زوجها ومحنتها لله فلم تجزع، بل صبرت وصابرت حتى انكشفت الغمة وخرج زوجها من السجن لكن كانت تنتظرها مفاجأة أخرى وهي صدور قرار بنقل زوجها للعمل إلى مرسى مطروح، فتقبلت الخبر بنفس راضية لله. وسافرت الأسرة إلى مطروح.

وبالرغم من صعوبة المعيشة في مطروح، تلك المحافظة النائية الخالية من كثير من مظاهر المدنية والعمران وحلو البيت من الأثاث سوى الحصير والبطاطين السوداء الخشنة وبراميل المياه وأيضًا البعد عن الأهل والأحباب في الشرقية، بالرغم من هذا كله إلا إنهم كانوا راضين بقضاء الله وأكسبتهم الطبيعة معنى الجلد والصبر على المشقة، وكانت الأم تقوم بدورها نحو زوجها وأبنائها، وهي تدعو الله أن يتقبل منها، وأن يفرج الكرب عن أسرتها، كما تعاونت مع زوجها على إضفاء روح المرح -قدر استطاعتهم- على أبنائهم.

الظلم الثاني

بالرغم من قسوة الحياة في مطروح وشدتها والعزلة التي فرضت عليهم، والبعد عن الأهل -كما أشرنا- إلا أن الله خبأ لهم في القدر مفاجأة أخرى بعد حادثة المنشية عام ١٩٥٤م: حيث تم اعتقال زوجها مرة أخرى على إثر هذا الحادث بالرغم من بعده عن الأحداث، وحكمت عليه المحكمة بعشر سنوات قضاها كاملة داخل السجن، فوجدت الأم نفسها وحيدة مع أطفالها في هذا المكان خاصة بعدما انقطع راتب زوجها عنها، فعانت القسوة والظلم فصبرت وتحملت حتى جاء الحاج عبد اللطيف مشهور -أخو زوجها- فصحبها معه إلى الشرقية، وبعد عودتها عملت على ترتيب شؤونها لمواجهة الظروف في ظل غياب زوجها، فرعت أبناءها وأحسنت تربيتهم وعنيت بمظهرهم ونظافتهم واستذكار دروسهم ومتابعة أخلاقهم وأدبهم، كما قامت بوضع صورة الوالد أمامهم حتى لا ينسوا شكله مع مرور الزمن كما كانت تشتري لهم الحلوى، وتخبرهم أن والدهم هو الذي أرسلها لهم حتى تزيد ارتباط أبنائها بأبيهم واتصفت بالاقتصاد في المعيشة والتدبير في ظل هذه الظروف.

رعاية الأبناء: وبعد أن التحق أبناؤها بالمرحلة الإعدادية خافت عليهم خاصة أن المدارس كانت في منيا القمح فانتقلت للمعيشة فيها بالقرب من مدارس أبنائها، وبالرغم من اعتراض العائلة، إلا إنها أصرت على ذلك من أجل مصلحة الأولاد.

ومع مرور الوقت والتحاق الأبناء بالمدارس الثانوية بدأت تظهر حنكتها في التعامل مع الظروف فقد كانت ابنتها سلوى يضايقها أحد مدرسي المدرسة بسبب حبس أبيها، وكانت الابنة تعود حزينة، فكانت الأم تواسيها وتغرس فيها الثقة بأبيها، وتشرح لها مدى صدق الإخوان وحبهم للوطن، كما كانت في نفس الوقت تواسي زوجها بالرسائل التي تطمئنه على أحوال الأولاد وتشد من أزره، وتحثه على الثبات على دعوة الله فهو أحب إلى قلوبهم من أي شيء آخر في الدنيا..

رسالة حب وتقدير: ومما جاء في إحدى رسائل زوجها إليها: «بسم الله الرحمن الرحيم... زوجتي الفاضلة... أحييك تحية طيبة مباركة.. فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. وصلني خطابكم الذي فيه عنوانكم الجديد، وسررت لما به. ودعوت الله لكم بالحياة الطيبة، والحفظ والتوفيق، وإن قدرك عندي ومنزلتك في قلبي تزداد مع الأيام كلما لمست منك هذا الحرص على مصلحة الأولاد على ما يرضيني ويرضي الله الذي يعلم ما في القلب من حب وتقدير».

وفى نوفمبر عام ١٩٦٤م خرج الزوج بعد عشر سنوات قضاها بعيدًا عن أسرته وكان لقاء عم فيه الفرح والبشر والسرور، بعدها انتقل بأسرته إلى القاهرة بعد خروجه بشهرين وتسلمه للعمل، وسكن في منطقة كوبري القبة بالقاهرة في منزل الأستاذ عبد الرحمن البنا، لكن كانت إقامته محدودة، فكانت فرصة له ولزوجته من غرس معاني الإسلام الصحيح الشامل في نفوس أبنائهم في هذه الفترة لكن هذه الفرحة لم تطل بهم..

الظلم الثالث

في أغسطس ١٩٦٥م أصدر عبد الناصر قرارًا باعتقال كل من سبق اعتقاله منذ عام ١٩٤٨م، وجاءت المباحث العامة فاختطفت الزوج من بين أحضان زوجته وأولاده، وزج به في أتون سجن القلعة الرهيب حيث ذاق العذاب الأليم ومع ذلك كله لم تهن الزوجة أو تلن قناتها، بل كانت نعم الصابرة المحتسبة، وواصلت طريقها في تربية أبنائها على الحسني والأخلاق الحميدة.

إصرار على الحق: ومن المواقف التي تتم عن فهمها الواسع، ذلك الموقف الذي حدث عام ١٩٦٧م. حيث إن ابنتيها وفاء وسمية كانتا ترتديان الحجاب، غير أن هذا الوضع لم يرق المدرسة اللغة العربية ومدرسة اللغة الإنجليزية فأمرتهما بخلعه، كما كانت مديرة المدرسة تنتظرهما على الباب الرئيسي للمدرسة لتجبرهما على خلع الحجاب وكانتا تذهبان وتشكوان لأمهما ما يحدث لهما، فكانت تحتهما على الصبر وتحمل المسؤولية، كما أنها ذهبت إلى مديرة المدرسة وقالت لها: إنني مصرة على أن ترتدي ابنتاي الحجاب، وإلا فسأستغني عن المدرسة، وعن إكمال تعليمهن فاستجابت المديرة على أن يكون الحجاب طرحة بيضاء، وكانت هذه الزيارة فتحًا مبينًا حيث طالبت الطالبة يسرية الشناوي بمساواتها في ارتداء الحجاب مثل وفاء وسمية فوافقت المديرة.

كان الزوج آنذاك في غياهب السجون بعيدًا عن أسرته، ولم يسمح لهم بالزيارة إلا عام ١٩٦٨م، فأخذت الزوجة على عاتقها تجهيز الزيارة لزوجها، وسارعت بالسفر إليه تزف إليه نبأ زواج ابنتها سلوى من الملازم عبد المعز عبد الستار مشهور ابن عمها.

دورها الدعوي

لم تترك السيدة زبيدة عبد الحليم الدعوة إلى الله مهما كانت الظروف، ففي أشاء اعتقال زوجها عملت على الاتصال بالجيران وتعريفهم بالدعوة الإسلامية ومنهج وفكر جماعة الإخوان، وكان لهذه الأعمال أثر بعد ذلك في تسهيل مهمة الزوج في الاتصال بالجيران وتعريفهم بالدعوة أكثر، وظلت الزوجة ترعى أولادها حتى أفرج عن زوجها في أكتوبر ١٩٧١م فعملا على إكمال المشوار معًا.

لقاء ووداع

بعد خروج زوجها عملت على إعانته على تحمل دعوته والتقرب من ربه فكانت تستيقظ معه قبل صلاة الفجر بنحو ساعة فتتوضأ وتصلي معه التهجد، كما كانت توقظه مع الساعة السابعة فتجهز له الإفطار وتودعه بالدعاء أثناء توجهه لمقر مكتب الإرشاد وتظل تنتظره حتى يعود بعد الظهر فتعاونه على تنظيم شؤونه، ولم تقتصر على ذلك، بل كانت رفيقته في مواساة أسر المعتقلين والتخفيف عنهم والشد من أزرهم.

ظلت الزوجة وفية لزوجها ودعوتها حتى توفاها الله في ٢ أكتوبر ۱۹۹۷م، بعد وفاة زوج ابنتها الكبرى سلوى بنحو شهر فتركت فراغها لدى الزوج ثم يشغله سوى طاعته لريه وأعمال دعوته.

-----------------------------

المراجع

1-    محمد عبد الجواد محمد مشهور مصطفى مشهور حياة مصطفى مشهور كما عاشتها أسرته الطبعة الأولى دار التوزيع والنشر الإسلامية القاهرة ١٤٣٦هـ - ٢٠١٥م.

2-   أحمد عادل كمال النقط فوق الحروف الإخوان المسلمون والنظام الخاص الزهراء للإعلام العربي ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٩م.

3-   محمود الصباع حقيقة التنظيم الخاص ودوره في دعوة الإخوان المسلمين دار الاعتصام1409ه – 1989م.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل