; زوجتي.. وكيل نيابة !! | مجلة المجتمع

العنوان زوجتي.. وكيل نيابة !!

الكاتب د. يحيى عثمان

تاريخ النشر السبت 02-يونيو-2012

مشاهدات 77

نشر في العدد 2005

نشر في الصفحة 58

السبت 02-يونيو-2012

أخي الكريم د. يحيى، لعلي أكون قد تأخرت في الكتابة إليك، ولكن الحمد لله دعني أطلعك على مشكلة أتوقع من خلال معرفتي بأصدقائي أنها متكررة بشكل أو بآخر في كثير من البيوت.
معاناتي اليومية بدأت منذ أن من الله علينا بالطفل الأول، فرغم أن زوجتي تكاد تكون زوجة مثالية من حيث قيامها بكل التزاماتها الزوجية على خير ما يرام، إلا أنها تفترض أن المثالية يجب أن تكون وليست ما يجب أن نطمح إليه.
وقد كنت سعيداً بذلك، بل وأوافقها في كل طموحاتها، خاصة بعد ما حملت وكانت تحلم كيف ستكون تربيتها للأبناء ولكنني لاحظت أنها تميل إلى الشدة إلا أنني بررت ذلك بجنوحها إلى المثالية المفرطة. وكنت أمني نفسي أنه سوف يغلب عليها حنان الأم، ولكن خابت كل توقعاتي حيث أنها تطبق ما تقرأه وكأنها تتعامل مع آلات صماء.. فعلى سبيل المثال، كانت تطبق الانتظام في مواعيد الرضاعة بصرامة مفرطة، وكأنها تضع بنزينا في السيارة وعندما كانت تعلم ابننا كيف يأكل أو يمشي أو حتى يلعب كانت تذكرني بمدير في أزمة يعنف موظفا سبب مشكلة للشركة.. وعموما لم أعر الموضوع قيمة كبيرة، وكنت أعلل ذلك يحبها الجارف الأول ابن وطموحها أن يكون مثاليا، وتوقعت أن تتحسن أحوالها مع الابن الثاني والثالث فلا ينصب كل الاهتمام على هذا النحو وتستفيد من تجاربها التربوية السابقة ولكن الأمور ازدادت سوءاً .
رغم تزايد الأعباء العائلية، كانت تحمل نفسها فوق طاقتها وطموحها أن يكون مثاليا، مثلا قبل أن تدرس للأولاد كل المواد كانت تسهر ليلا في تحضير ما سوف تدرسه لهم في اليوم التالي كأي مدرسة محترفة، وتهيئ للأولاد كل أسباب الرفاهية بشدة، بل وأحيانا بقسوة وبأسلوب فيه من كنت أحاول من جهتي أن أغض الطرف عن أبنائي فلا أوجه لهم أي توجيه مكتفيا بما يقوم به المدير العام معذرة أقصد والدتهم - لأنها كانت لا تقوم بواجباتها فقط نحو توجيههم بل كانت لا تدع فرصة إلا وتستغلها في تعنيفهم، فليس لأي منهم أن يعبر عن نفسه في اختيار أي شيء فهي التي تحدد وتقرر متى ينام ومتى يذاكر ومتى يأكل ومن يصاحب ومن يهجر .. فلم تدع لي فرصة أن أقوم بواجبي كوالد، بل كنت أحاول أن أعوّضهم ما يلاقونه منها من قسوة التربية بالمبالغة في بذل الحب، فلا أرفض لهم طلبا - يمكن تحقيقه - مهما لاقيت من مشقة سواء أكان هذا الطلب يلبي احتياجاً حقيقياً أم لا ، فالهدف إشعارهم بأن هناك من يحبهم ويستجيب لطلباتهم أنا أعلم أنني أبالغ، ولكن كما قلت لك: إنني أحاول أن أحدث نوعا من التوازن في علاقة الأبناء بنا، وكان ينالني منها سيلا من الاتهامات بأنني سلبي مع الأبناء، ولا أقوم بمسؤولياتي التربوية تجاههم، وأنني أدللهم وهم يستغلون ضعفي، وإنها تضطر أن تضرب بكلامي عرض الحائط، وكثيراً ما أتدخل لفك اشتباكاتها مع الأبناء، منتقدا تصرفاتها فتتحول إلى الاشتباك معي، وكنت أجد أن ذلك أفضل حتى أخفف من عبء ملاحقاتها الأمنية لهم.
أنا لا أبالغ، فالأصل عندها أن الابن كاذب فعندما يعود أحدهم من الخارج تبدأ بفتح ملف التحقيقات معه وتباغته طبعا : شربت سجائر ؟! ثم تحاول أن تتبين رائحة فمه، فإذا لم يظهر لها أنه مدان - وهذا يضايقها حيث إنني أتوقع سعادتها بحدوث توقعاتها السلبية عن أن يخيب ظنها السلبي - ثم تبادر مستمرة في مسلسل الشك والاتهام: طبعا شربت السجائر وأزلت الرائحة، هل تعلم أنه قد يصل بها أمر إلى أن تضرب حتى كبيرهم وهو طالب بالجامعة، أنا متأكد أن الأولاد لديهم سلوكيات منحرفة وغير سوية بدءا من الكذب حتى تدخين السجائر، ولكنني متأكد أنها السبب، لقد ضيعت الأولاد، حسبي الله ونعم الوكيل، وقلت: أستعين بالله تعالى، وأستشير حضرتك .. كيف أتصرف مع هذه الأم، خاصة وأنها من قرائك؟ وجزاكم الله عنا خيرا . الأخ الكريم، لن أقول لك: إنك تأخرت فقط، لأنك تأخرت كثيرا، أيضاً إشادتك بزوجتك بأنها تقوم بواجباتها الزوجية يشير أنكما تقصران الواجبات الزوجية على الجانب المادي فقط من مأكل وملبس و .....

● التحليل
دعنا مما كان إلا للاستفادة والعبرة، وقبل أن نتناول ماذا عليك فعله دعني أؤكد على بعض المفاهيم التربوية التالية:
إن التربية من أهم الموضوعات التي يجب أن يتناولها الوالدان: لأنها تتعلق بصناعة الغد وبناء أجيال قادرة على النهوض بأمتنا وإن أي خلل بها له آثاره السلبية التراكمية.
وصدق الرسول صلي الله عليه وسلم  : كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول..
إن من الخطأ الجسيم أن تحمل زوجتك وحدها المسؤولية الكاملة عن سوء تربيتها للأبناء، إن المسؤولية التربوية مشتركة بين الوالدين، وعلى كل منهما أن يراقب ويقيم دور الآخر، ويكون ذا بصيرة، فلا يقتصر دوره على القيام بمسؤولياته التربوية فقط نحو الأبناء ولكن من مسؤولياته التربوية أيضا تجاه الأبناء. أن يتأكد أن زوجه يتكامل دوره التربوي معه في تناغم، فلا يمكن أن تستقيم منهجية تربوية بأحد الزوجين ويكون الآخر متفرجا، فهذا له آثار سيئة على تربية الأبناء. إن من أهم المسؤوليات التي يجب أن يقوم بها الوالدان هي الاتفاق على منهجية تربوية خاصة بكل ابن بل وتعديلها بما يتواءم مع التغيرات التي تحدث للابن، بحيث يعيش الأبناء في بيئة متسقة يمارس كل من الأب والأم دوره بالتنسيق مع الآخر.. فإذا اتبع الوالد أفضل منهجية تربوية - من وجهة نظره واتبعت الأم أفضل منهجية تربوية - من وجهة نظرها - فإن الأبناء يشعرون باضطراب مما يؤثر سلبا عليهم، لذلك من منطلق ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فيجب أن يكون للوالدين جلسات خاصة لمراجعة وتقييم الأداء
التربوي لكل منهما ، وكيف يقوم كل منهما بدوره متكاملا مع الآخر، لذا فإن التزود بالمعارف والمهارات والقدرات التربوية يصبح فرض عين على كل والد ووالدة ولله الحمد أصبحت مصادر المعرفة ميسرة: فالمكتبة العربية بالإضافة إلى الدورات التربوية والقنوات التلفزيونية والإذاعية وصفحات الإنترنت
زاخرة بفضل الله تعالى بما يؤهل لبناء منهجية تربوية تتناسب مع كل ولد عبر مراحل نموه المختلفة.
ولعل من المهم أن أوضح ما أعنية بـ منهجية تربوية تتناسب مع كل ولد عبر مراحل نموه المختلفة؛ إن قراءة كل ما كتب عن التربية من كل مصادر المعرفة لا تعني أكثر من معارف حصلها ومهارات اكتسبها وقدرات نماها آخرون، ولا يمكن تطبيقها على ابني مباشرة كما هي، ولكنها مهمة جدا بالقدر الذي يتمكن الوالدان من إعادة صياغتها والإبداع عليها بحيث تتناسب مع شخصية الابن.. سبحان الخلاق العظيم ! فكما لا يمكن أن تتطابق بصمة الأصابع، أيضا هناك بصمة نفسية لكل إنسان لذا يجب أن يتعرف الوالدان على الخصائص النفسية للابن ونمط شخصيته ومن ثم بناء المنهجية التربوية المناسبة، والأهم هو متابعتها وتحديثها بما يتوافق مع التطورات البيولوجية والنفسية التي يمر بها الابن. - لا حرج أن يتدخل أحد الوالدين لتعديل تصرف يمارسه الآخر، ولكن لا يتم ذلك أمام الأبناء - إلا في حدود ضيقة جدا - وبالقدر وبالأسلوب المناسبين الذي لا يشعر معه الابن أن هناك فجوة في معاملة أي من الوالدين حيث إن الأبناء لديهم الحساسية لإدراك ذلك واستغلاله.
ه إن التوازن في معاملة الأبناء مهم جداً. أما المبالغة في الحزم فيصبح قسوة، وكذلك المبالغة في الحب يصبح تدليلا وميوعة، فهذا خطأ كبير، فلا يمكن معالجة قسوة الأم - كما تدعي أنت - بالمبالغة في التدليل فمعالجة القسوة بالاعتدال لتصبح حزما، كذلك ليس من المنطقي أن تعالج زوجتك تدليلك للأبناء - كما ترى هي - بالقسوة، ولكن تعالج أنت
تدليلك بالاعتدال فيصبح حبا .
الآثار
إن استمرار هذا التنافر التربوي بينك وبين زوجتك سيؤدي إلى تفاقم السلوكيات السلبية
لدى الأبناء، بل وقد يؤدي إلى تطورات خطيرة حيث إنني أرى رغم أهمية تأثير التلفزيون
والإنترنت والأصدقاء.. فإنه لن يؤثر الآخر في ابني إلا بالقدر الذي أتراجع أنا عنه.

● الحل
اسمح لي يا أخي الكريم، رغم ذكرك أن زوجتك تقوم بالتزاماتها الزوجية على خير ما يرام، فإنني أرى أنك تعاني من مشكلة عائلية أدت إلى مشكلة تربوية إن كل ما ذكرته عرضا - رغم أهميته بل وخطورته - إلا أنه يشير إلى سبب أساسي هو انعدام التفاهم بينك وبين زوجتك، ظهرت آثار ذلك على تربية الأبناء وقد تظهر آثاره في علاقتكما العائلية الأخرى، لذا لا بد من دعوتكما إلى: 
1- إخلاص النية لله تعالى بإعادة صياغة علاقتكما على المودة والرحمة مرضاة لله. 
٢- صلاة ركعتين في جوف الليل، وكل منكما يرقي الآخر ويدعو له بما يفتح الله عليه .
٣- حسن الظن بالله سبحانه ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً ﴾ (الكهف)، وإحسان الظن بالنفس والزوج
٤- جلسة شفافية (الصراحة بالمحافظة على حياء الآخر ولا يحرجه).
٥-  أن يشيد كل زوج بأفضل ثلاث صفات في زوجه، وثلاث سلوكيات سلبية يمارسها هو، ويتمنى أن يقلع عنها ويطلب من زوجه معاونته على ذلك.
٦- تجمع الست سلوكيات السلبية وترتب طبقا لأكثرها سلبية على الأسرة لا يهم من الذي يمارسه.
يتم رسم خطة معالجة السلبية الأولى فقط بتعاون مشترك بينكما الخطة: هدف واضح محدد يمكن تحقيقه وقياسه، فترة إنجاز، ما يجب فعله لتحقيق الهدف، ثم السلبية الثانية.
أتوقع بمشيئة الله تعالى أن تكون السلوكيات التربوية أحد الموضوعات التي تتناولها جلساتكما أسأل الله أن يبارك لكما في ذريتكما ويجعلها ذرية صالح طيبة مباركة ..
أرسل مشكلتك أو أسئلتك باسمك أو بالأحرف الأولى من اسمك على: moshkelty1@gmail.com ستجد الحل على هذه الصفحة.

الرابط المختصر :