; زيادة ميزانية الدفاع توضح الملامح الاستراتيجية المريكية في القرن القادم | مجلة المجتمع

العنوان زيادة ميزانية الدفاع توضح الملامح الاستراتيجية المريكية في القرن القادم

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 06-أبريل-1999

مشاهدات 46

نشر في العدد 1344

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 06-أبريل-1999

زيادة ميزانية الدفاع توضح الملامح الإستراتيجية الأمريكية في القرن القادم

* هل استخدمت الولايات المتحدة العراق حقل تجارب لصواريخها؟ وهل كانت روسيا هي الهدف الحقيقي؟

* مواجهة الدول «المشاكسة» أحد المبررات المعلنة لزيادة التسلح الأمريكي

يثير طلب الإدارة الأمريكية زيادة ميزانية الدفاع للسنوات الست المقبلة «12 مليار دولار» تساؤلات عديدة، بعد أن كان الاتجاه على مدى السنوات العشر الماضية نحو تخفيض الإنفاق الدفاعي يتركز أهم هذه التساؤلات حول تقييم السياسة الدفاعية الأمريكية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، والمستجدات التي جعلت الإدارة الأمريكية تزيد من ميزانية دفاعها.

فمع بداية التسعينيات وبداية الانهيار الفعلي للاتحاد السوفييتي السابق، بدأت الولايات المتحدة في تخطيط وتنفيذ إستراتيجية دفاعية جديدة بهدف البحث عن صيغة تحقق قدرًا أكبر من النفوذ والأمن والهيمنة، وبدون تكاليف تحمل الميزانية الأمريكية أكبر من طاقاتها.

وفي إطار ذلك شهدت الولايات المتحدة العديد من الخطط والإستراتيجيات الدفاعية كان أبرزها:

1- خطة «بوش» أو «بيس- فورس»:

وتركز هذه الخطة على خفض القوات والنفقات أكثر من تركيزها على التخطيط الإستراتيجي، وبموجبها حاولت الولايات المتحدة أن تنفذ سياساتها بإنفاق 2,7% من إجمالي الناتج القومي و14% من الميزانية الإتحادية فقط بالمقارنة مع ما كانت تنفقه خلال مرحلة الحرب الباردة، والذي بلغ في العام المالي 1986م على سبيل المثال 6,3% من إجمالي الناتج القومي و27% من الميزانية الإتحادية، إلا أن هذه الخطة واجهت انتقادات عديدة من قبل الخبراء العسكريين الأمريكيين على أساس أنها لا تحقق الأهداف الأمريكية كقوة عظمى وحيدة في العالم من وجهة نظرهم.

2- إستراتيجية «بوتوم أب»:

وتعرف بإستراتيجية «خوض أو مواجهة صراعين إقليميين رئيسين في وقت واحد» والتي كانت محور تركيز تقرير «بوتوم أب» وأعلن عنها «ليس أسبين» العضو السابق في الكونجرس وتدعو إلى إنتهاج أو تبني مستويات مختلفة من الإنفاق والقوات، ولكن وزارة الدفاع حاولت المواءمة بين الإستراتيجية التي وضعها التقرير والقرار الذي اتخذه الرئيس كلينتون قبل أشهر معدودة من بدء إعداد تقرير «بوتوم أب» بتحديد أسقف بعيدة المدى للإنفاق العسكري حيث لم تكن الولايات المتحدة تملك القدرة على التعامل أو خوض حربين إقليميتين رئيستين شبه متزامنتين طبقًا لما طالب به التقرير، وقد فشلت هذه الخطة أيضًا.

3- إستراتيجية «القوة من أجل السلام»:

وهي الإستراتيجية التي وضعها رئيس هيئة الأركان الأمريكية الجنرال هنري شلتون بعنوان «التقييم الإستراتيجي في عام 1998م والقوى من أجل السلام» وكان من أهم أهداف هذه الإستراتيجية تلافي العيوب التي لحقت بتقرير «بوتوم أب» حيث رصد شلتون أفضل السيناريوهات وأسوأها بالنسبة للتهديدات المحتملة التي تواجه أمريكا في الفترة المقبلة، والتي يمكن تلخيصها في الآتي:

أ- على الولايات المتحدة أن توجه كل جهدها العسكري خلال العشرين عامًا القادمة لمواجهة تهديدات من دول تمر بمرحلة انتقالية مثل الصين وروسيا أو من دول مناوئة مثل إيران وكوريا الشمالية.

ب- احتمالات انهيار دول مثل أفغانستان والبوسنة.

جـ- احتمال زوال التهديد الذي يمثله الإرهاب غير المرتبط بدول معينة.

د- أن يركز التخطيط المستقبلي على التهديدات المتباينة التي ستواجهها القوات الأمريكية في ظروف سيئة أو غابات كثيفة أو مناطق وعرة أو مدن مزدحمة، وهذه التهديدات لن تكون لها حدود واضحة.

هـ- أن الولايات المتحدة بميزانية دفاع تبلغ 250 مليار دولار، لا تستطيع أن تعد نفسها لأسوا السيناريوهات في كل محور، ومن ثم لابد من زيادة الميزانية حتى تصل على الأقل إلى 300 مليار دولار.

و- يجب أن تعتمد الولايات المتحدة على حلفائها في حلف الناتو، وعلى إسرائيل واليابان من أجل تخفيف الأعباء الجديدة، لأن الهدف في عام 2018م هو أن تكون الولايات المتحدة قادرة على تشكيل قوى من كل الوحدات خلال يوم، وأنه كلما استطاعت الولايات المتحدة توظيف حلفائها، قلت الأعمال التي يجب أن تتولاها بنفسها وكذلك الأخطار، ويبدو أن الإدارة الأمريكية بدأت تأخذ الإستراتيجية التي وضعها هنري شلتون مأخذ الجد من خلال الطلب الأخير بزيادة ميزانية الدفاع بـ 12 مليار دولار إضافية، هذه الزيادة تأتي في إطار سعي الولايات المتحدة للمحافظة على وضعها كقوى عظمى وحيدة وفق ما كشفت عنه وثيقة رسمية نشرت تفصيلاتها في عام 1992م تحت اسم «دليل التخطيط الدفاعي الأمريكي للبنتاجون» وهي تركز على منع ظهور أي منافسة عالمية للويات المتحدة من خلال إقناع المنافسين المحتملين بعدم الطموح نحو دور عالمي أكبر من الدور الأمريكي وأن تحتفظ الولايات المتحدة بمسؤولية التصدي للمشكلات التي تهدد مصالح حلفائها وأصدقائها، وليس مصالحها فقط، بل مواجهة المشكلات الدولية بشكل عام.

ولكن ما الذي جد في الوضع الدولي مما يستدعي زيادة الإنفاق العسكري الأمريكي؟

وفي محاولة لبحث هذه التطورات يمكن الإشارة إلى الآتي:

أولًا: على الرغم من الأزمة الاقتصادية الطاحنة في روسيا، فإن الولايات المتحدة تنظر إليها على أنها مازالت تشكل تهديدًا حاليًا أو محتملًا بالنظر إلى عدة اعتبارات:

- موقف روسيا الرافض لتوسيع حلف الأطلنطي شرقًا ليشمل دولًا من أوروبا الشرقية ونظرتها إلى هذا الأمر على أنه تهديد لأمنها القومي.

- موقف روسيا المعوق للخطط الأمريكية بشأن استغلال نفط بحر قزوين.

- تسعى روسيا لبناء تحالفات مع دول كبرى أخرى منافسة للولايات المتحدة وعلى رأسها الصين وفرنسا، وقد جاء اقتراح رئيس الوزراء الروسي بريماكوف الأخير بشأن بناء تحالف إستراتيجي ثلاثي بين الصين، والهند، وروسيا في هذا الاتجاه.

- علاقات روسيا العسكرية المستمرة مع دول رافضة للسياسات الأمريكية مثل إيران، وكوريا الشمالية، وسورية وغيرها.

- وقد عبر رئيس المجلس القومي لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية جون جانون عن قلق الولايات المتحدة العميق من مرحلة ما بعد يلتسين في روسيا والتي قال عنها إنها «ستحدد مسار العقد المقبل أو ما بعده».

ويعزز جانون اعتقاده ذلك بالتأكيد على أنه ليس من الواضح أن روسيا ستكون قادرة على تطوير ديمقراطية ليبرالية على النمط الغربي أو اقتصاد السوق المزدهر.

- مازالت روسيا- وهذا هو أخطر ما تخشاه واشنطن- تمثل قوة نووية كبيرة في العالم، وعلى الرغم من أزمتها الاقتصادية فإن برامجها لتطوير قدراتها العسكرية لم تتوقف، كما أن تلويحها بالورقة العسكرية قد ازداد خلال الفترة الماضية، وقد نشرت عشرة صواريخ نووية عابرة للقارات في جنوب موسكو تعد الدفعة الأولى من مجموعة 40 صاروخًا يتوقع نشرها. خطورة هذه الصواريخ تكمن في أنها توضع على منصات متحركة، وليست على صوامع ثابتة، ومن ثم يصعب رصدها من ناحية، أو ضربها من ناحية أخرى، وهو ما اعتبرته واشنطن تهديدًا مباشرًا لأمنها، وفي هذا الصدد يشير أحد المحللين الإستراتيجيين إلى أن الولايات المتحدة كانت تعتبر العراق في الضربة الأخيرة بمثابة حقل تجارب، وبيئة يستفاد منها في حالة أي مواجهة محتملة مع موسكو، ومن ثم يفسر هذا المحلل تشدد الموقف الروسي في الأزمة العراقية باكتشاف روسيا الضمني الهدف الأمريكي.

ثانيًا: لجوء الصين إلى زيادة نفقاتها الدفاعية للعام 1998م إلى نحو 10 مليارات دولار إضافية وينتظر أن تصبح الزيادة بنسبة أكبر في الأعوام التالية، والواقع أن زيادة النفقات العسكرية الصينية في حد  ذاتها قد لا تمثل شيئًا بالنسبة للولايات المتحدة إذا ما تعلقت بمواجهة تهديدات إقليمية أو داخلية، ولكن التهديد يأتي من الفلسفة الصينية الكامنة وراء هذه الزيادة، حيث ترى بكين أن هناك علاقة بين امتلاك الدولة للسلاح وبين مكانتها في النظام الدولي، وبالتالي فإنها ترغب في منافسة الولايات المتحدة على قمة العالم، وعبر مدير المخابرات المركزية عن ذلك أيضًا في تقديره الإستراتيجي للعالم في العقد القادم، حيث إن الصين وبفضل «سكانها وامتدادها الإقليمي وإمكاناتها الاقتصادية الكامنة والطموحات الإقليمية وتطلعاتها لأن تصبح لاعبًا رئيسًا في السياسة الخارجية ستتحدى صناع السياسة الأمريكيين طيلة العقد المقبل وما بعده، ولا نستطيع أن نفترض أن الصين ستكون لاعبًا غير خطر كليًا على المسرح العالمي.

ثالثًا: احتمالات التعاون العسكري الروسي- الصيني والتهديدات التي بدأت تلوح في الأفق على خلفية توقيع الرئيس يلتسين اتفاقية التعاون العسكري التقني مع الصين عام 1995م والتي تنص على توريد الدبابات والطائرات الحربية والمدرعات والغواصات الروسية في إطار علاقات المشاركة المتكافئة الرامية إلى التعاون الإستراتيجي في القرن الحادي والعشرين.

رابعًا: انتشار أسلحة الدمار الشامل في مناطق عديدة في العالم وعدم القدرة على السيطرة عليها، ولذلك لم يكن غريبًا أن يسيطر هاجس هذه الأسلحة على التقرير الإستراتيجي الذي قدمه رئيس المخابرات المركزية عن صورة العالم في عام 2010 حيث أشار إلى:

1- إن لدى الكثير من الدول المقدرة التكنولوجية على تحريك صواريخ متوسطة المدى إلى أهدافها وتطوير هذه الصواريخ بحيث يمكن إطلاقها من فوق سفينة تجارية بدون فترة إنذار كافية.

2- تفرض الصواريخ متوسطة المدى لدى دول مثل: إيران، وكوريا الشمالية تهديدًا مباشرًا في المستقبل إضافة إلى الصواريخ المعتمدة على أنظمة الصواريخ الموجهة العابرة للقارات.

3- خلال الأشهر القليلة الماضية أجرت باكستان، وإيران تجارب على نماذج خاصة بها من صواريخ يصل مداها إلى 1300كم.

4- التهديد الذي تمثله الصواريخ الموجهة العابرة للقارات من كوريا الشمالية والصاروخ متعدد المراحل الذي استخدمته في محاولتها لإطلاق قمر صناعي يمكن تعديله لنقل حمولات بالصواريخ العبارة للقارات أي بما يزيد على مدى 5500كيلو مترًا.

وفي الوقت الذي تتقدم فيه كوريا الشمالية في تطوير صواريخها فإن الولايات المتحدة تفترض أنها تحاول بيعها للآخرين أو يحاول الآخرون إغراءها لبيعهم تلك الصواريخ.

الرابط المختصر :