العنوان زيارة.. أهميتها أنها لم تتناول شيئا مهمًّا!
الكاتب شادي الأيوبي
تاريخ النشر الجمعة 28-مايو-2004
مشاهدات 60
نشر في العدد 1602
نشر في الصفحة 35
الجمعة 28-مايو-2004
الباحث عن منجزات زيارة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان الأخيرة لليونان، يجد أنها لم تناقش أيًّا من القضايا المهمة والتاريخية العالقة بين البلدين، وهي كثيرة ومزمنة.
منذ اللحظة الأولى لوصول أردوغان، أظهرت الشاشات والصحف المحلية مناخًا من الود بينه وبين رئيس الوزراء اليوناني كوستاس كارامنليس، وكأن الأمر زيارة عائلية حميمة، وعبثًا حاول المتابعون التكهن ببعض الموضوعات التي ستطرح خلال الزيارة لكن الزيارة انقضت دون أن تتسرب معلومات عن محادثات في الصميم، وكل ما حاولت أو ما استطاعت وسائل الإعلام إظهاره لم يكن أكثر من جولات زوجتي رئيسي الوزراء بجو من المودة، وتبادل الهدايا التذكارية بين الرجلين.
فالزيارة جاءت- كما يبدو- تمهيدًا لمرحلة ما بعد الاستفتاء في قبرص، حيث بدا أن البلدين سيكون لهما ملف علاقات مستقل عن القضية القبرصية، سيما أن العاصمتين دفعتا باتجاه الموافقة على خطة عنان.
تركيا التي تتطلع إلى عضوية الاتحاد الأوروبي تدرك أهمية اليونان لها، فاعتراض اليونان على دخولها قد يؤخر مناقشة العضوية إلى أمد بعيد أو يلغيه تمامًا، لكن الحكومة اليونانية لا تبدو راغبة بهذا السلوك، بل إن دخول تركيا إلى البيت الأوروبي قد يكون من مصلحتها، لأن الأخيرة سيكون عليها الانصياع التام للقرارت السياسية والمواصفات الاقتصادية للوحدة الأوروبية.
تحسن رغم كل إرث الماضي
الرسالة التي أوصلها الرجلان هي الرغبة في التواصل وتحسين العلاقات رغم الإرث الثقيل بين البلدين، وترك مناقشة القضايا المهمة إلى ما بعد .
جهات دبلوماسية مشاركة في الحوار حاولت التوفيق بين رغبة اليونان في التوصل إلى شيء ملموس وإصرار تركيا على أن التغييرات الأخيرة من جانبها باتجاه الوحدة الأوروبية كافية للوقت الحاضر.
مصادر دبلوماسية أشارت إلى أن حكومة كارمنليس ومنذ توليها الوزارة ترسل إشارات اهتمام وحسن نية باتجاه الجار التركي وتبدي دعمها له.
زيارة تراقيا
مناطق المسلمين الشمالية كانت هدفًا لزيارة رئيس الوزراء التركي، حيث حرص على زيارات بروتوكولية محسوبة بدقة تلافي فيها أي استفزاز للحكومة اليونانية، وكانت تصريحاته كلها تصب في نفس الاتجاه، حيث أكد للمسلمين اليونانيين هويتهم الأوروبية وانتماءهم إلى اليونان، وطلب منهم العمل بكل جد من أجل تقوية البلد الذي ينتمون له.
الحزب الاشتراكي الذي يرأسه جورج باباندريو وزير الخارجية السابق، كان أبدى عبر بعض وجوهه عن تخوفات من أن زيارة أردوغان لتراقيا تفتح المجال لردود فعل قوية من المتطرفين في الجانبين، لكن أردوغان كان في غاية الدبلوماسية حين رفض زيارة مقر جمعية الشباب الأتراك التي لم تعترف بها المحاكم اليونانية بسبب تسميتها، معتذرًا بضيق الوقت لكن كانت له لقاءات مع اللجنة الاستشارية لتراقيا الغربية التي تنتخب من قبل الأقلية المسلمة، كما التقى بالنائب المسلم عن حزب الديمقراطية الجديدة الحاكم أحمد اليخان، ومع المفتيين غير المعترف بهما من الدولة في كسانثي وكوموتيني، محمد أمين أغا وإبراهيم شريف.
وفي كلمة إثر لقائه وزير مقدونيا وتراقيا تسارتسيوني ووكيل وزارة الخارجية قال أردوغان متوجهًا إلى اليونانيين المسلمين: علينا أن نتجاوز سياسات الماضي وأن نتوقف عن رفعة الجدران بين شعبينا.
وفي إشارة منه إلى المشكلات التي يواجهها مع العسكر الأتراك قال: إننا نواجه المشكلات نفسها في بلدنا لكننا نعمل على تجاوزها، إن الشعوب التي تستطيع أن تتعايش محتفظة بحضارتها تصبح مثالًا يحتذى.
أردوغان بدا مطمئنًا إلى التأكيدات اليونانية على دعم اليونان لمسيرة تركيا الأوروبية، حيث دعا المسلمين إلى المساهمة في بناء يونان قوية ومستقرة مضيفًا أنه كلما كانت اليونان قوية أكثر كانت سعادتنا أكبر، وكانت تعبيراته مثل الإخوة في تراقيا الغربية معبرة عما بدا أنه فصل لملف الأقلية عن ملف العلاقات التركية اليونانية.
وجاءت تصريحات أردوغان للمسلمين اليونانيين بأنهم مواطنون يونانيون وأوروبيون لتشد انتباه مسؤولي الحكومة اليونانية وبعض أبناء الأقلية الذين طالما حاولوا ربط مصيرهم بتركيا من خلال الكثير من النشاطات السياسية والثقافية والعلمية.
وفي كلمة له في إحدى القرى قال أردوغان في مركز البلدية حيث كان يرفرف علما اليونان والاتحاد الأوروبي هنا يرفرف العلم الأوروبي أما تركيا فلم تندمج بعد في الاتحاد الأوروبي وبفضل الجهود التي نقوم بها، وبمساعدة اليونان سننجح في ذلك، وأضاف متوجهًا للمسلمين: لم أقل لكم أن ترفضوا هويتكم، لكن أن تمارسوا حقوقكم ضمن إطار القوانين اليونانية.
اللافت للنظر أن أردوغان تجنب تمامًا وصف الأقلية المسلمة في المنطقة بالأقلية التركية، وهو الوصف الذي كثيرًا ما سبب التوتر لدى الحكومة اليونانية التي ترى بهذا الوصف ومردديه مدعاة للتدخل الخارجي في شؤونها الداخلية.
ويبدو أن أردوغان أراد أن يجعل حتى من مغادرته لليونان إشارة تودد، حيث غادر جوًّا عبر»مطار كافالا»، متجنبًا المغادرة بموكبه عبر قرى ومدن الأقلية حيث كان من المنتظر أن تعد له استقبالات سيما أنه أول رئيس وزراء تركي يزور المنطقة منذ أكثر من خمسين عامًا، وبهذا وفر على الحكومة اليونانية الحرج، وخرج بنفس أجواء التقرب والتودد التي دخل بها ..
مصادر قالت إن نجاح زيارة أردوغان للمنطقة يرجع لسببين: الأول هو التحضيرات التي قامت بها الجهات اليونانية، والثاني المراقبة التي يمارسها أردوغان على أجهزة ما
يسمى بـ »الدولة الباطنة«. ويشار بذلك إلى الأجهزة التركية الموجودة في المنطقة لا سيما القنصلية التركية.
والمنتظر بعد هذه المؤشرات أن تتوقف التدخلات التركية التي كانت تتم لصالح الأقلية على أساس أقرب للقومي العرقي منه للديني، ويبدو أن سياسة حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا ستعتمد من اليوم فصاعدًا على أساس أن الرباط الذي يربط تركيا بالأقلية هو رباط ديني فقط، وأن مسألة الزجبتركيا في شؤون الأقلية لم تعد واردة .
تاكيس كابيلس رئيس تحرير جريدة تانيا لـ المجتمع :
أردوغان وكارامنليس مناسبان للسياسة الأمريكية
المجتمع التقت تاكيس كابيلس رئيس تحرير جريدة تانيا Ta Nea الأوسع انتشارا في اليونان وسألته عن:
الزيارة لم تناقش المسائل العالقة بين البلدين.. لماذا ؟
ملاحظة في محلها، الزيارة جاءت تمهيدية للمرحلة القادمة، أي أنها هدفت إلى إشاعة جو الثقة بين البلدين والشعبين هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن كارامنليس الذي تولى الوزارة منذ فترة بسيطة يهمه الظهور بمظهر الرجل القادر على التعامل مع المشكلات الخارجية بكفاءة وعلى كسب الأصدقاء، ولا يبعد عن هذا التوجه رئيس الوزراء التركي أردوغان الذي يواجه مشكلاتمع العسكر والمتشددين.
ولكن إلى متى البحث في مشكلات ومتى يبدأ البحث في حلها ؟
-الذي يهم تركيا في المرحلة القادمة هو مناقشة ترشيحها لعضوية الاتحاد الأوروبي في ديسمبر القادم، أما المشكلات الأخرى فستنتظر وربما كثيرًا من الوقت للبدء بمناقشتها جديًّا .
هل ترى أن الهدف من وراء الزيارة كان اقتصاديًّا؟ وهل هناك جهات داخلية من رجال أعمال أو نحوهم في البلدين يدفعون نحو تلطيف العلاقات لتناسب جو الاستثمار ؟
لا أوافق على ذلك تمامًا. فالزيارة جاءت بشكل أساسي لفتح صفحة جديدة واضحة من العلاقات بين البلدين.
اليوم هناك كثير من اليونانيين المساهمين في قطاعات الاقتصاد التركي. لكن هذا الجزء ليس بالجزء الذي يضغط كثيرًا على الحكومة اليونانية أو يحرك سياساتها .
الناحية الاقتصادية ستستفيد بالطبع بالنسبة لليونان مسألة السياحة مهمة جدًّا. ويهمها بالطبع أن يسود الاستقرار في المنطقة البحرية بين البلدين بكلام آخر.. اليونان مهتمة بالناحية الاقتصادية لكن لم يكن دافعًا الزيارة اقتصاديًّا .
هناك ناحية أخرى مهمة هي أن العلاقات الهادئة مع الجار التركي تعني بالتالي خفض النفقات العسكرية، وبالتالي توفير المزيد من الأموال للاستثمار في القطاعات الاقتصادية المختلفة.
قبل صعود الإسلاميين في تركيا كانت هناك تخوفات في اليونان حيث اعتبر البعض أن قدومهم سيجعل البلدين في أزمة دائمة اليوم نرى عكس ذلك .. ما تفسيرك؟
الواقع أن المصالح الأمريكية التي يهمها صعود اليمين في اليونان، رأت أن من المناسب توافق البلدين والزعيمين أردوغان بالنسبة الأمريكا هو الضامن لمراقبة الحركات الإسلامية في تركيا وبالتالي ضمان ابتعاد أي حركات تركية عن السياسة الأمريكية خاصة مع تدخلها في العراق المجاور، كلا الرجلين على قدر من البراجماتية يؤهله لهذا الدور.
بكلام آخر كلا الرجلين مناسب للسياسة الأمريكية، أردوغان يمكن الاعتماد عليه- كزعيم شعبي وسياسي لم يتورط بأي قضية فساد- المراقبة حركة الإسلام السياسي في تركيا، أما حزب الديمقراطية الجديدة في اليونان فقد كان دائمًا الخيار المفضل لأمريكا وسياساتها .
بالنسبة لقبرص.. هل ترى أن البلدين قد تجاوزا المشكلة رغبة في تحسين العلاقات بينهما؟
كارامنليس أحدث تغييرات كثيرة بالنسبة لسياسة اليونان تجاه القضية القبرصية، لكنه عمل وفق سياسة وزير الخارجية السابق جورج باباندريو بإدخال قبرص الجنوبية الاتحاد الأوروبي، وبالتالي جعل أوروبا طرفًا رئيسًا في المسألة، وتحويل الضغوط الدولية أو توزيعها على الكثير من الفرقاء.
الزيارة أرسلت رسالة لقبرص أن اليونان لن تضغط بعد اليوم على القبارصة اليونانيين، كما كان يحصل في السابق فقبرص اليوم عضو كامل العضوية في الوحدة الأوروبية، هذا لا يعني تخلي الحكومة عن تبني المسألة القبرصية، فهذا الطرح قد يسقط أي حكومة تتبناه.
أما الحكومة التركية التي جعلت أولويتها دخول النادي الأوروبي، فقد شجعت الأتراك القبارصة على الموافقة على خطة عنان هم بدورهم لن يتخلوا عن تبنيهم للقبارصة الأتراك، لكن مع مراعاة هدفهم الأوروبي البعيد.
هل ترى أن الوحدة الأوروبية ستبدأ بالاهتمام أكثر بالأتراك لقبارصة وحتى متى ؟
-هذه العملية بدأت بالفعل، عبر الدعم- المالي الأخير واستقبال رئيس وزراء قبرص التركية، ولا أرى أنه سيتوقف قريبًا.
برأيك لماذا رفض القبارصة اليونانيون خطة عنان؟
- إنهم بكل بساطة لا يريدون الدخول في دولة موحدة مع القبارصة الأتراك المستوى الاقتصادي المرتفع الذي يعيشون فيه جعلهم لا يقبلون الدخول مجددًا مع القبارصة الأتراك الذين تتدنى حالتهم الاقتصادية عنهم كثيرًا، القبارصة اليونانيون يفضلون دولتين متجاورتين حتى يحفظوا مستواهم المادي المرتفع.
حتى لو كان هذا على حساب خسارتهم لأراضيهم في الشمال التي طالما نادوا بالرجوع إليها؟
القبارصة اليونانيون يدركون أن ما خسروه من أرض في السياسة سيربحونه بالاقتصاد هم يدركون أنهم لو خسروها بالسياسة فسيربحونها بالاقتصاد، مستواهم الاقتصادي الممتاز والاستقرار الذي سيسود عقب التدخل الأوروبي في الجزيرة، سيجعل من السهل عليهم كسب الأراضي من جديد.
هل ترى من فرص لتركيا لدخول الاتحاد الأوروبي ؟
- لا أرى حاليًّا أي فرصة لها لكثرة لمشكلات التي تعاني منها.
ما هذه المشكلات بحسب أهميتها؟
المشكلة الاقتصادية والتضخم، ثم مسألة التحديث في كافة القطاعات.ومسألة الديمقراطية وحقوق الإنسان.
تثار من حين لآخر مسألة مدرسة» خالكي» اللاهوتية القريبة من إسطنبول والتابعة للبطريرك الأرثوذوكسي المسكوني، وتطالب جهات يونانية بإعادة افتتاحها، هل ترى ذلك قريبا؟
لن تفتح المدرسة لأن افتتاحها سيحل مشكلة ويفتح المجال لمشكلات كثيرة غيرها. خصوصًا مع التضييق الذي تم ويتم على مدارس الأئمة والخطباء، ومنع خريجيها من الدخول في وظائف الدولة، الذي فعله أردوغان أنه أظهر لليونانيين أنه وحزبه مع افتتاح المدرسة لكن المسألة لن تمر بالطبع لأن الجيش والرئيس التركيين سيمنعان ذلك؛ أردوغان يعادل بين طرفين متناقضين الجيش الحامي لمبادئ الكمالية والإسلاميين الذين أوصلوه بأصواتهم إلى رئاسة الوزارة.
في النهاية ماذا حملت الزيارة من رسائل للأقلية المسلمة في تراقيا الغربية؟
الزيارة أولًا عنوان اهتمام من الحكومة الحالية في إسطنبول، خصوصًا أنها جاءت بعد خمسين عامًا من آخر زيارة مماثلة لكن أردوغان قال بصريح العبارة إن هؤلاء
مواطنون يونانيون عليهم دعم بلدهم.
هذا لا يعني تخلي الحكومة التركية عن الأقلية، لكن الطريقة ستتغير من الآن فصاعدًا.
من ناحية أخرى.. الحكومة اليونانية غيرت من سياساتها تجاه الأقلية المسلمة منذ الثمانينيات باتجاه انفتاح أكبر وخففت الكثير من القيود التي كانت عليها. وبالتالي خفت الشكاوى التي كانت تطلقها الأقلية من المعاملة اليونانية الرسمية غير العادلة وهكذا فالحكومة التركية ستجد نفسها مرتاحة الضمير في حال كفت يدها عن الأقلية..