العنوان سألني ولدي ولم أجبه
الكاتب د. عادل شلبي
تاريخ النشر السبت 29-ديسمبر-2001
مشاهدات 52
نشر في العدد 1482
نشر في الصفحة 37
السبت 29-ديسمبر-2001
جاءني ولدي مهمومًا، هالني منظره، فاحتضنته مهدئًا مطمئنًا، وبعدما هدأ، سألني: لماذا حارب العالم كله أفغانستان يا والدي؟ فقلت له: للقضاء على الإرهاب يا ولدي، فقال: ولماذا سكت العالم الإسلامي ولم يضجر أو يمتعض ولو من الناحية الإنسانية؟ قلت: لأن الحرب هناك وليست هنا. قال: ألا تخاف الدول الإسلامية أن تضرب واحدة بعد الأخرى؟! قلت: لا طبعًا.. إنها حرب ضد الإرهاب فقط. قال: وما الإرهاب يا والدي؟ قلت: لقد سألت عن عظيم فلا أنا ولا أي فرد ولا منظمة ولا دولة في العالم تعرف ما الإرهاب. ضحك قائلًا: وهل يحارب العالم كله شيئًا عظيمًا؟ ومن ومتى سيحدد معنى الإرهاب؟ قلت: أما من، فالمجتمع الدولي. وأما متى... فلا أدري؟ قال: إذن أقول لك يا والدي سيحدد معنى الإرهاب بعدما تضرب كل الدول التي قرروا ضربها. قلت: لا يا ولدي.. هذه دول تحترم الإنسان وحقوق الإنسان وحريته وديمقراطيته حتى الكلاب والقطط اهتموا بها ...لا.. لا يا ولدي فهذا افتراء عليهم. قال: ولماذا ننتظر حتى يحدد المجتمع الدولي معنى الإرهاب؟ لماذا نصر على أن تكون تصرفاتنا ردود أفعال؟ إذا اتهموا الإسلام بالعنف والتأخر والهمجية ننفعل ونقول لا.. الإسلام دين التسامح والحكمة والموعظة والأمن والأمان و... وليس دين عنف ولا همجية، ثم تهدأ العاصفة فنسكت عن الكلام والدفاع ولا يكون لنا أبواق في العالم تظهر صورة وحلاوة الإسلام، فكل منا منشغل بهمه ويومه، والآن ننتظر حتى يحددوا معنى الإرهاب، وإذا مسنا ذلك التعريف عندها سينطلق إعلامنا المهزوم للدفاع عن الإسلام والمسلمين من موضع الضعف والدفاع، فلماذا لا تجتمع الأمة الإسلامية الآن لتحدد معنى الإرهاب في الإسلام ومتى نصف تصرفات بأنها إرهابية وكيف وإلى أي حد وأي مدى؟ متى سترقى أمتنا المنبطحة إلى العمل المنظم؟ قلت له: يا ولدي لا تحملنا ما لا نطيق. ماذا تريدنا أن نفعل الآن ولم تمس أراضينا العربية الإسلامية بسوء والحمد لله؟! قال: يا والدي نحن نشاهد الفلسطينيين يذبحون ويقتلون أمام أعيننا ولا نفعل شيئًا سوى أن نمط شفاهنا أو نطقطق بألسنتنا، والبعض يدير وجهه حتى لا يرى المناظر المرعبة لينام سعيدًا هانئًا، ثم إذا حدثت مصيبة كبرى تحركت الدبلوماسية العربية التي لا تتعدى سفرات من قطر لقطر وطائرات وأحضان وقبلات.. ثم يهدأ الموقف ونجلس لننتظر فعلًا جديدًا لنكون رد فعل جديدًا. لماذا لا نبدأ بالمبادرة، أي مبادرة تخرج ذاتية من عند أنفسنا ولو لمرة واحدة لنكون في محل رفع فاعل لا محل نصب مفعولًا به دائمًا؟ الفاعل دائمًا مرفوع ذكره واسمه، والمفعول به في محل نصب دائمًا ونعوذ بالله من النصب ومحل النصب وأدوات النصب؟ قلت له: أراك متأثرًا بدروس النحو ألا تعلم أنه لا نحو في السياسة ولا سياسة في النحو؟ قال: كيف هذا والسياسة تقوم على النصب وأدوات النصب؟ فما السياسة؟ قلت: السياسة لعبة كبيرة لا يجيدها إلا أهلها. فقال: كيف هذا؟ أليس أكلنا وشربنا ولبسنا واقتصادنا وديننا وعقيدتنا وعبادتنا وتفكيرنا وماضينا ومستقبلنا مرتبطًا بالسياسة؟ فماذا بقي لنا أن ننشغل به إذا لم ننشغل بكل هذا؟! قلت: يا ولدي.. انشغل بدروسك. قال: وهل دروسي إلا انعكاس للسياسة؟ ألم ندرس سير الأبطال الذين حاربوا المعتدين ورفعوا راية الدين، ثم الآن كل من يحارب أو يناضل يقال عنه إرهابي؟ ألم نتعلم أن نقبل يد الشيخ الملتحي ونسأله الدعوات ثم الآن تعلموننا أن ننفر منه.. بل نفر منه ولا نجالسه ولا نصافحه؟ ألم يكن الرجل يتباهى بولده المتدين بين الناس ويدعو له بالبركة والسعادة والآن يخاف الرجل من تدين ولده ويهدده ويواعده بعدم الرضا إن لم يقلع عن تدينه ويهتم بدروسه فقط؟ أخشى أن أعيش إلى وقت يوصف فيه خالد بن الوليد وصلاح الدين وعمر بن الخطاب الذي كان يضرب بالدرة بأنهم إرهابيون... والخنساء التي لم تبك على أبنائها الأربعة الذين استشهدوا في معركة واحدة بأنها إرهابية، وكذلك أسماء بنت أبي بكر التي قالت لابن الزبير ما يضير الشاة سلخها بعد ذبحها؟ ستعتبرونها من أكثر النساء إرهابًا! ثم استطرد ولدي قائلًا: اسمح لي أن أقول إنني وجيلي قد سئمنا كل شيء وأصبحنا لا نثق بأي شيء، فما مجدتموه بالأمس صنفتموه خائنًا عميلًا اليوم، حتى القيم لم تعد ثوابت ولم تسلم من التشويه، فالجهاد أصبح اسمه إرهابًا وإطلاق اللحى إرهابًا والتكافل الاجتماعي تمويلًا للإرهاب، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إرهابًا وتزمتًا والحجاب إرهابًا وهضمًا لحقوق المرأة وقهرًا لها، والحب في الله جماعات إسلامية. صدقني يا والدي نحن جيل ممزق ليس لنا ماض نعتز به بعدما شوهتموه، وليس لنا حاضر نفخر به بعدما ضيعتموه، وليس لنا مستقبل نحلم به بعدما أظلمتموه. نحن جيل ضائع ليس له هوية فالدين يجب ألا نتعمق فيه، والسياسة يجب ألا نتحدث بها والقوة والشهامة والدفاع عن الأوطان يجب ألا تهمس بها، ونصرة الضعيف ومعاونة ذي الحاجة يجب ألا تضبط متلبسين بها. هذا التناقض والتمزق وعدم الثبات جعلنا نسأم كل شيء ولا نصدق أي شيء، ولا ننتمي لأي شيء، ونخاف من كل شيء. يا والدي أرجوكم أرجوكم أن يجتمع علماء الأمة ليضعوا مفاهيم وتعاريف لكل شيء ولا تتركوا الغرب وحده يحدد الحدود ويرسم الصورة ويضع المعاني لمفاهيمنا الإسلامية والعربية، ثم نقبل نحن على مضض أو نمتعض أو نتأفف أو نغمض عيوننا ونصم آذاننا حتى تمر الأزمة ككل أزمة. أرجوكم ... أرجوكم..... ذهب ولدي وتركني مفتوح العينين فاغرًا فمي.. لم أدر ماذا قلت له وماذا ينبغي أن أقول.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل