العنوان سؤال يشغل المصريين: هل نلحق بالأرجنتين؟
الكاتب د. عصام العريان
تاريخ النشر السبت 09-فبراير-2002
مشاهدات 61
نشر في العدد 1488
نشر في الصفحة 34
السبت 09-فبراير-2002
الواقع ينبئ باختلالات اقتصادية كبيرة.. ولا تبدو في الأفق بادرة للإصلاح لفقدان الثقة في الحكومة الحالية وللضغوط الخارجية الهائلة
عندما اندلعت الأزمة الاقتصادية الحادة في الأرجنتين وخرج المتظاهرون إلى الشوارع أيامًا عدة، وتعاقب خمسة رؤساء خلال بضعة أيام، فاجا كاريكاتير صحيفة الأخبار الذي يعده الثنائي الشهير «أحمد رجب ومصطفى حسين» المصريين برسم يصور الدكتور عاطف عبيد رئيس وزراء مصر وهو يستيقظ مفزوعًا من نومه يقول: «أعوذ بالله من دا كابوس أنا حلمت بالأرجنتين».
وبدأت الصحف المعارضة والمستقلة تقارن بين أحوال مصر الاقتصادية والأحوال المأساوية التي عصفت بالأرجنتين وقادتها إلى حافة الإفلاس من حيث المديونية وأرقام البطالة والنمو وسعر الصرف وغيرها من المؤشرات الاقتصادية، ورغم أن هناك اختلافًا في الأوضاع في كثير من الجوانب يكون أحيانًا لصالح مصر وأخرى لصالح الأرجنتين إلا أن شبح المقارنة يخيم على النفوس.
وعندما ألقى رئيس الوزراء بيان الحكومة في مجلس الشعب مؤخرًا اعترض عليه نواب المعارضة والمستقلون والإخوان، وطالبوه بكشف الحقائق والابتعاد عن الأرقام الوردية والأحلام الكاذبة، واضطر رئيس المجلس لطرد النائب الناصري كمال أحمد بسبب مهاجمته لرئيس الوزراء، ولم يحظ بيان الحكومة هذه المرة بأي ترحيب أو تصفيق حتى من جانب نواب الحكومة.
مؤشرات الأزمة
كانت هناك مؤشرات ثلاثة خطيرة للدلالة على عمق الأزمة:
الأول: تدهور قيمة الجنيه: حيث فقد حوالي ٢٥% من قيمته بسبب تخبط القرارات الحكومية وعدم استقلالية البنك المركزي المسؤول عن تحديد سعر الصرف.
فقد أوجب البنك المركزي في نوفمبر الماضي لله تغطية الاعتمادات المستندية كاملة قبل استيراد أي سلعة، بهدف تخفيف الضغط عن الاحتياطي النقدي الأجنبي ولتقليل الاستيراد أو ترشيده فكانت النتيجة ارتفاع سعر الدولار بصورة لم يسبق لها مثيل، ثم تدخلت الحكومة فألغت القرارات ورفعت السعر الرسمي للدولار بنسبة كبيرة وضحت جزءً كبيرًا من الاحتياطي الأجنبي لتخفيف حدة الأزمة.
وكانت النتائج مروعة: استنزاف الاحتياطي الأجنبي بنسبة الثلث وزيادة سعر الدولار رسميًّا بنسبة ١٢% تقريبًا، بينما ارتفع سعره في سوق الصرف ليفقد الجنيه حوالي ٢٥% من قيمته، وينتظر الكثيرون أن يستمر ارتفاع سعر الدولار.
وأخطر من ذلك الارتباك الكامل في السوق الاقتصادية، حيث فقد المستثمرون القدرة على اتخاذ قرار اقتصادي رشيد بسبب الشائعات المتداولة وتضارب القرارات والتخبط في السياسات.
الثاني: أحداث بور سعيد: وهي مرتبطة بصدور قرارات جديدة للتعريفة الجمركية، وقد صدرت القرارات لتحقيق هدفين رئيسين:
التمهيد لإلغاء بور سعيد كمنطقة حرة بعد 5 سنوات، وذلك بفرض رسوم جمركية على السلع والمنتجات خاصة ما تميزت به المدينة وهي الملابس الجاهزة.
التوافق مع اتفاقية الجات التي ستهدد الصناعة الوطنية ففرضت التعريفة الجمركية في كل المنافذ على كل السلع بما فيها الملابس الجاهزة، وتم تقليل حد الإعفاء الجمركي للعائدين. وهناك هدف آخر أو أكثر جانبي مثل: تقليل الواردات والحد من فاتورة الاستيراد التي تضغط على الجنيه مقابل الدولار، والقضاء على التهريب خاصة في الملابس الجاهزة التي أغرقت السوق بينما تشكو مخازن المصانع المحلية من تزايد حجم المخزون الراكد الذي لا يجد سوقًا للتصريف.
وقد انفجرت المظاهرات في بور سعيد لأيام وألقي القبض على ۱۱۷ شخصًا تم الإفراج عن معظمهم وجرت تهدئة الأوضاع بقرارات تيسيرية صدرت من أعلى السلطات في بيانات رسمية كانت مدعاة للسخرية من جانب المواطنين.
بينما صارت المطارات المصرية ساحات للسجال والعراك بين القادمين من الخارج ورجال الجمارك، حتى اضطر البعض إلى إشعال النيران في البدل الجاهزة التي اشتراها من الخارج عندما طولب بدفع أكثر من مائتي دولار رسومًا جمركية على البدلة الواحدة، وقام البعض بإهدائها لرجال الجمرك أو تركها بالمطار وانتشرت النكات في كافة المنتديات حول ما يتعرض له المصريون من إهانات في المطارات، ووضع المصريون أيديهم على قلوبهم خشية ما يمكن أن يحدث في مواسم العودة من الخارج خاصة الحج والعمرة ثم العائدين من العمل بالخليج، بل لقد طالب الرئيس المصري المواطنين بالتقليل من سفرهم للخارج لتخفيف الضغط على العملة الصعبة. ثم هدأت الأحوال بعد أن حققت الإجراءات أهدافها تقريبًا.
المؤشر الثالث: البطالة وكساد الأسواق: حيث تبين بعض المؤشرات أن نسبة البطالة قد ارتفعت إلى %۲۰ كما تقول مجلة الإيكونومست البريطانية. وقد وعدت الحكومة في العام الماضي بإيجاد فرص عمل لحوالي ۱۸۰ ألف شاب من حديثي التخرج، لكنها فشلت طوال العام في إنعاش السوق وحل المشكلات الاقتصادية وبالتالي لم توفر فرص العمل المطلوبة بل انضمت أعداد أكبر إلى البطالين، وحدثت ممارسات حكومية استفزازية للشباب وصفها د. زكريا رسی رئيس ديوان رئيس الجمهورية وعضو مجلس الشعب بأنها «نصب» حيث يجري الاستفسار عن مصير طلبات التوظيف بالتليفون مدفوع الأجر، مما يكلف الشاب في المرة الواحدة حوالي ٥٠ جنيهًا دون جدوى.
وأخطر ما يترتب على البطالة هو انتشار روح الإحباط واليأس في أجيال الشباب مما يؤدي بالتالي إلى فقدان الإحساس بالانتماء والهوية الوطنية ويضعف التماسك الاجتماعي، وذلك يؤدي في نهاية المطاف إلى إضعاف قدرات مصر أمام التحديات الخطيرة التي تواجهها ومنها تحدي فرض التغيير من الخارج وكذلك تحدي الخطر الصهيوني الذي نسف ما يسمى بعملية التسوية التي كانت السلطة في مصر شريكًا أساسيًّا فيها مما يؤدي إلى انفراد العدو الصهيوني بالمنطقة. وكانت تقف أزمة البطالة وراء تفجر الخلافات بين رئيس الوزراء ونواب البرلمان أثناء إلقاء بيان الحكومة الأخير.
الأزمة في الصحافة
وتناولت الصحف أبعاد الأزمة الاقتصادية بشيء من التفصيل وأعاد بعضها نشر تقرير مجلة الإيكونومست البريطانية المتخصصة والذي جاء بعنوان معبِّر: تمساح بلا أسنان، حيث روج النظام منذ منتصف التسعينيات لوصف مصر بأنها «نمر على النيل» وقارن المقال التحليلي بين مصر والأرجنتين، وحذر من أنه رغم الفارق بين الوضعين فإن مصر تنزلق إلى أزمة اقتصادية موحشة.
وكانت دلالات الأزمة: هبوط أسعار الصرف «أي تدهور قيمة العملة المصرية» وتدهور قيمة الأسهم والممتلكات، وتهريب الأموال للخارج وانخفاض الاحتياطي الأجنبي إلى الثلثين، وارتفاع نسبة البطالة إلى ٢٠% حيث ينتظر أن تتفاقم بسبب قيام المؤسسات الخاصة بالتخلص من العاملين فيها بجانب دخول ۸۰۰ ألف شخص إلى سوق العمل سنويًّا.
نسب النمو التي تعلنها الحكومة خادعة فهي لا تزيد على 3% بل ربما وصلت عام ۲۰۰۱ إلى ٢% بينما تقول الحكومة إنها ٤,٩% كما أن نسبة العجز في الموازنة المعلنة هي نصف الحقيقة.
ويشير تقرير الإيكونومست إلى أسباب الأزمة في السياسات الحكومية الاقتصادية الخاطئة حيث تم التوسع في الاستثمار العقاري والإنفاق الاستهلاكي بدلًا من الاستثمار في الأنشطة الإنتاجية، وكذلك استصلاح الأراضي الصحراوية الذي استنزف عائدات الضرائب «بل وعائدات بيع القطاع العام والخصخصة» وإنشاء القرى السياحية ناقصة الاستكمال حتى الآن.
ومن المؤشرات الأخرى التي ذكرتها المجلة البريطانية انخفاض نصيب مصر من التجارة الخارجية العالمية بنسبة 20% وهو نصيب ضئيلأصلًا، وتراجع نصيب السلع المصنعة في الصادرات بنسبة ٢٥%.
وقد تناول الكاتب المعروف فهمي هويدي في مقالاته أيام الجمعة بجريدة الوفد المعارضة الأزمة الاقتصادية قبل اندلاع أزمة الأرجنتين وبعدها، حتى وصف المشكلة بسؤال: هل السلطة جزء من المشكلة الاقتصادية؟ المثير أنه بعد نشر المقال ثار الشعب الأرجنتيني وأطاح بعدة رؤساء جمهورية فاضطر هويدي إلى تقديم توضيح في المقال التالي قائلًا إنه لم يكن يعلم الغيب ولا صلة له بالأرجنتين.
وقد كان تعقيب المراقبين على مقالاته أن السلطة هي المشكلة بالفعل، ويتندر الناس على التعديل الوزاري الأخير الذي أطاح بوزارة الاقتصاد بينما لم يمس وزير الاقتصاد يوسف بطرس غالي الذي يعده كثيرون المندوب المعين من جانب صندوق النقد الدولي والبنك المركزي لفرض سياساتهما على مصر والتي أدت في النهاية إلى تدمير الاقتصاد والوصول به إلى حافة الهاوية وهي السياسة المطلوب الإبقاء عليها بحيث لا تستطيع مصر النهوض والانطلاق فتقود المنطقة اقتصاديًّا وسياسيًّا، بشرط ألا تصل إلى الانهيار التام فينفلت الزمام.
وعاد البعض إلى جذور الأزمة وكيف أن مصر اتبعت سياسات عامة جعلت السياسي دائمًا يطغى على الاقتصادي في الشأن العام فكان إرضاء الجماهير يأتي على حساب التنمية الحقيقية، حدث ذلك في أعقاب هزيمة ٦٧ وأثناء حرب الاستنزاف، وعندما وعد السادات الشعب بالرخاء الفوري عقب نصر رمضان وتم اتباع سياسات الانفتاح والاستهلاك على حساب بناء بنية اقتصادية سليمة تحقق التنمية المستقلة.
إن الواقع الأليم ينبئ بأن مصر تعاني اختلالات اقتصادية كبيرة جدًا على كافة المستويات الاقتصادية في السياسات المالية والنقدية، وفي سياسات التنمية والتخطيط الاقتصادي، على مستوى ميزان المدفوعات والميزان التجاري واختلال الصادرات وتدهورها وزيادة الواردات وتدهور الصناعات حتى الزراعة أصابها الوهن مع أن مصر بلد زراعي قديم. وهكذا يعاني المصريون على كافة الأصعدة، ولا تبدو في الأفق القريب أي بادرة أمل في الإصلاح لفقدان الثقة في الحكومة الحالية بالذات والضغوط الخارجية الهائلة.
انعكاسات الأزمة
تنعكس الأزمة الطاحنة على كل شيء في مصر، وأخطر ما تهدده هو ثروتها البشرية الحالية والمستقبلية التي أصابها الإحباط واليأس وضعف لديها الانتماء.
كما ارتفعت تكاليف الحياة بصورة حادة مما جعل كثيرًا من الأسر لا يستطيع مواكبة متطلبات الحياة خاصة وأن كل شيء قد أصبح مدفوع الأجر التعليم والعلاج والنقل والمواصلات بأسعار قريبة من المستوى العالمي، وتستهلك فواتير الهاتف المحمول والأقمار الصناعية والدروس الخصوصية أكثر من نصف ميزانية الأسرة وليس لدى الحكومة أي حل في الأفق إلا العودة إلى الاقتراض من الخارج، وقد سارع الرئيس الأمريكي بوش بتقديم موعد المعونات الأمريكية السنوية لمصر في إطار سياسة حافة الهاوية ويتوقع تقديم ملياري دولار أخرى من الدول المقرضة لمصر كديون جديدة، وإذا دخلت مصر دائرة الاقتراض من جديد -وهذا هو السبيل الوحيد أمام الحكومة- فإن الفارق بيننا وبين الأرجنتين سيتضاءل حيث إن أغلب المؤشرات إما متساوية أو في صالح الأرجنتين.
فهل تلحق مصر بالأرجنتين؟
اللهم لطفك.