العنوان سالومة ترقص في دم الشهداء
الكاتب الأستاذ الدكتور جابر قميحة
تاريخ النشر الجمعة 28-مايو-2004
مشاهدات 61
نشر في العدد 1602
نشر في الصفحة 40
الجمعة 28-مايو-2004
حكم "هيرودس" الكبير مناطق فلسطين إلى سنة (٤ ق . م) وكان ظالمًا قاسيًّا، قتل كثيرًا من الزوجات والأبناء والأقارب، وأمر بقتل جميع الأطفال في بيت لحم. مات وهو في السبعين من عمره، بعد أن حكم أربعًا وثلاثين سنة، ولم يفارقه شذوذه وغرامه بإراقة دماء الأبرياء وهو يحتضر، فأمر بقتل كل وجهاء القدس وأشرافها ساعة موته حتى يعم الحزن المدينة، وحتى لا يبتهج أحد بموته، بل يعم الحزن كل المدينة أيًّا كان مصدره.
سالومة.. ورأس النبي يحيى
ولما تولى الحكم في هذه المناطق ابنه الثاني هيرودس أنتيباس (٤ ق.م- ٢٩م).
أراد أن يتزوج هيروديا، ابنة أخيه، وكانت بارعة الجمال، وكان مثل هذا الزواج محرمًا في الشريعة فعارضه بشدة نبي الله يحيى »يوحنا المعمدان«. وكانت المرأة وابنتها الجميلة »سالومة« حريصتين على هذاالزواج طلبًا للجاه والملك والسلطان.
ولجأت الأم إلى حيلة شيطانية، فدفعت بنتها سالومة في أجمل زينتها، وأخذت ترقص طيلة الليل رقصًا فاضحًا أمام الملك المخمور، ومن شدة انتشائه عرض على الراقصة المتهتكة أن تطلب ما تتمناه فطلبت منه- كما أوصتها أمها- رأس يحيى- عليه السلام- في طبق، لأنه كان العقبة الكأداء التي تقف في طريق زواج هيرودس بأمها. وحقق الملك الفاجر ما طلبته سالومة بتكليف من أمها.
وأتانا الربيع... الحزين
وحل الربيع والمنطقة العربية تعيش أسوأ حالاتها، وأضعفها، وأشد فترات تاريخها حزنًا وفقرًا وبؤسًا، وتضاربًا وخلافًا واستسلامًا :
فهناك مذابح في العراق، وخصوصًا الفلوجة راح ضحيتها مئات من المدنيين منهم شيوخ، ونساء وأطفال، ومازال نزيف الدم يتدفق بلا انقطاع زيادة على ما ينسف من بيوت، ويدمر من مساجد .
وهناك المذابح اليومية التي يرتكبها اليهود في كل المناطق الفلسطينية بوحشية لم يعرف التاريخ لها مثيلًا.
- واستشهد الشيخ أحمد ياسين روح النضال. ورمز الإصرار والإرادة والعزيمة اغتاله الصهاينة بطريقة لم يعرف التاريخ لها مثيلًا. حتى إن أقسى الناس قلبًا يأخذه الجزع الأليم إذا نظر إلى أشلائه الممزقة المتناثرة بما فيها الأطراف والمخ وعظام الرأس، ثم بعد ذلك بأيام كان اغتيال الرجل الثاني عبد العزيز الرنتيسي بالصواريخ الموجهة من طائرات الأباتشي.
- وبوش يعلن تحيزه الفاضح لإسرائيل وتأييده لسياستها بإطلاق بما فيها من عمليات اغتيال القادة الفلسطينيين، لأن من حق إسرائيل أن تدافع عن وجودها بالطريقة التي تراها، على حد قوله.
- وهوة الخلاف والتطاحن تزداد اتساعًا بين الأنظمة العربية بقدر ما يزداد أكثرها اهتراءً، واستسلامًا للإرادة الأمريكية. وابتعادًا عن المطالب والطموحات الشعبية.
- وفي مصر المحروسة يطرد انحدار المستوى المعيشي والاقتصادي والتعليمي ويشتد الغلاء بصورة لم يعرف لها المواطن شبيهًا، وينتشر الفساد والسرقة والرشاوى وأصبح المصري يعيش غريبًا في وطنه في ظل حكم الطوارئ، وحرمان التعبير عن الإرادة بحرية واطمئنان.
- تفاقمت المشكلات إلى درجة يعجز العقل عن تصور مداها: الفقر، الإسكان التعليم البطالة ... إلخ، وأخيرًا سمعنا عن مضاربة الحكومة بأموال التأمينات والمعاشات »رواتب التقاعد«، ومن خسائرها في المضاربات ۹۰۰ مليون جنيه، ولا أستبعد أن تصرف المعاشات لأصحابها مستقبلًا في شكل أقمشة، وفواكه وخضراوات وأوراق تواليت، وبضائع عينية من الجمعيات الاستهلاكية، كما جرى في روسيا.
سالومة في الربيع
هذه بعض ملامح مجتمعنا العربي والمصري، التي تظهر لكل ذي عينين في »ربيعنا الأسود«.. وكلنا قرأ عما يسمى »المشاركة الوجدانية«، وهي تعني- في إيجاز شدید احترام مشاعر الآخرين، ومشاركتهم أحزانهم وأفراحهم، ولو تظاهرًا. فلا يقبل من الشخص أن يبدي مظاهر فرح أمام آخر يعيش مناسبة أو حادثة محزنة. وأذكر أن أبي- وأنا طفل صغير- نهر إحدى قريباتنا لأنها أطلقت »زغرودة«، في»عقد زواج« شقيقتي، والسبب أن جارنا المتوفى لم يمض على وفاته أربعون يومًا . وتم عقد الزواج »سكيتي«- كما كانوا يقولون- مراعاة لشعور أهل جارنا المتوفى.
ولكن أبطال إعلامنا مازالوا يتمتعون بالقدرة الخارقة على تحدي الواقع- لا بحل مشكلاته، أو بعضها- ولكن بالبصق في وجه شعبنا المكسور المحروق المطحون فمكنوا »سالومة« العصر الشهيرة بـ »نانسي عجرم« من الوقوف في ثوب فاضح بواح، يكشف أكثر مما يستر، وهات يا رقص وهات يا غنا. وقد علق أحد الكتاب الظرفاء على»ثوبها «بقوله»لقد أرادت نانسي أن تكون قدوة لشعبنا الفقير في التقشف والتوفير« فلم تستهلك من القماش إلا قطعًا صغيرة ...!
وكنت أعتقد أن وسائل إعلامنا ستشارك الأمة العربية والإسلامية أحزانها بإلغاء برامجها المتهتكة الماجنة يومي استشهاد البطلين: أحمد ياسين والرنتيسي مستبدلين بها تلاوة القرآن الكريم والأناشيد الفلسطينية، وأحاديث عن فضل الشهادة وقيمة الشهداء.. ولكن...
ما كل ما يتمنى المرء يدركه ***** تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن
مبررات ثورة قادمة....
أرفض ثلاثة أرباع فكر الأستاذ حسين أحمد أمين، وقد فصلت اعتراضي هذا في مقالين ولكني أعجبني منه جملة من مقال كتبه من قرابة عامين في صحيفة «القاهرة» بعد الذي رآه من حفلات ساقطة ماجنة في شاطئ مارينا يقول فيه.... وما يحدث في مارينا يعد مبررًا من مبررات ثورة قادمة... وأنا أقول لأنصار المدرسة العجرمية: إن ما يقدم حاليًّا في قنواتنا المحلية والفضائية من فن داعر يحطم قيمنا، وموروثاتنا الخلقية والدينية إنما يصنع مخاض ثورة عارمة نحن لا نريدها والله، فكفانا ما حدث لنا من هزائم وتخلف وضياع وذلة وفقر وحرمان بعد قيام ثورة ١٩٥٢ .
للصبر حدود
وكما أطاحت سالومة برأس نبي الله يحيى إرضاء لشهوتها، وإرضاء لأمها التي هيمن عليها الحقد والروح البهيمي، وعشق العدوان والتهتك والجاه والسلطان والملاذ الحرام ... أطاحت نانسي عجرم برءوس آلاف من الشباب واتزانهم. ورجولتهم، وهم يتمايلون معها في حركات هستيرية داعرة. وهي تغني وترقص في »عيد الربيع«... في ١٢ من أبريل ۲۰۰٤ ، وشعرت أنها- بشماتة تخوض في دم أحمد ياسين. ليس هذا فحسب بل استخدمت الجمهور كورس يردد ما تقول. وهي في ثيابها العارية تزداد حماسة، وتمايلًا، ورأيت فيها»سالومة بنت هيروديا« وشعرت كأن رأس الشهيد أحمد ياسين يطل علينا من وراء كل مصباح في المسرح. رحم الله أحمد ياسين، ورحم الشباب ضحايا الإعلام.
وقلت في نفسي: هي ليلة ومرت ولكن الإعلاميين التلفازيين مازالوا يخرجون ألسنتهم للناس ويعيدون عرض هذا الحفل الماجن في القنوات المحلية كلها، أو أغلبها. وأقول لقادتنا: اتقوا الله في ديننا وخلقنا ووطننا وشبابنا، فإني:
أرى تحت الرماد وميض نار **** ويوشك أن يكون له ضرام..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل