العنوان حكم المناذرة في الحيرة (2من2).. سحق الطغيان تحت أقدام الفيلة
الكاتب د. هشام الحمامي
تاريخ النشر السبت 29-ديسمبر-2007
مشاهدات 52
نشر في العدد 1782
نشر في الصفحة 66
السبت 29-ديسمبر-2007
وتمر السنون وتدب الوقيعة بين النعمان وكسرى.. إذ يشير عليه أحد الخبثاء باستحضار عدد من بنات المناذرة ليمكثن بعض الوقت فى البلاط الفارسي، وهو ما اعتبره النعمان إهانة بالغة، فرفض ونقل عنه أنه قال: »أما يوجد فى مها الفرس من يرضيهم؟«وهاجت بذلك هائجة كسرى وأرسل فى استدعائه.. فعرف أنه هالك لا محالة.. فهرب ونزل على هانئ بن قبيصة سيد بني شيبان فقال له: » إن كل أمر يجمل بالرجل أن يكون عليه إلا أن يصير بعد الملك والسلطان سوقة في غمار الناس!!« فأودع عندي أماناتك وأهلك واذهب إلى كسرى معتذرًا ... وبالفعل ذهب، وأسيء استقباله، وأمر به كسرى فقيد وألقي به تحت أقدام الفيلة... وانتهى بقتله حكم المناذرة وتولى الحكم بعده إياس بن قبيصة الطائي. وليدخل إياس القصر «الخورنق» حاكمًا للعرب بعد المناذرة ولتتأكد حقيقة من أكد حقائق الحياة، ألا وهي أن العدل حصن الملوك والممالك.. وأن الطغيان مهما بغى وطغى وعلا وتجبر فإلى زوال وفناء !!
ومما يلفت النظر فى قصة المناذرة أنهم كانوا يستقوون على شعوبهم بقوة الفرس!!!. صحيح أنهم كانوا عربا ومن نفس البطون والعشائر. إلا أنهم أساءوا فهم وتطبيق تلك الصلة التي نشأت مع الأكاسرة في فارس.. ويظل هذا السؤال مفتوحًا على الزمان أي زمان والمكان أي مكان. وهو ما الذي كانوا سيخسرونه لو ساروا بسيرة العدل والإنصاف مع شعوبهم؟ أما كان سيضاف ذلك إلى قوتهم ولضمنوا ملكًا هنيئًا لا تنغصه ثورة ولا يكدره تمرد؟.. بل العكس هو ما كان فكانوا يتعمدون إذلالهم وإهانتهم والحط من شأنهم.. كي يضمنوا كسر أعينهم وإطفاء أرواحهم؛ فلا تقوم لأحد من الناس قدرة واستطاعة فينافسونهم سلطانهم.. لقد ثبت بالقطع واليقين أن هذا الأسلوب قدر ما هو قميء وغبي فهو فاشل، يحمل النهايات الأليمة. ومع ذلك فما أكثره في التاريخ!!...
كان عمرو بن هند عم النعمان طاغية من الطواغيت الهائجة على الدوام.. ولم يحتمل سماع أن أم عمرو بن كلثوم»الشاعر الشهير« سيدة من سيدات العرب الماجدات. فيعمد إلى دعوته في قصره ليذل أمه على مسمع منه وهو في ضيافته في قصره فقام شاعرنا من فوره وقتله..!! ويقول في ذلك البيت الشهير..
ألا لا يجهلنَّ أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
ويخطب أحد أبنائهم فتاة من بيت كريم فترفضه فيذهب إلى بيت أبيها يقتل أخاها ويأسر أباها ويرجع بها »أخيذة«.. ويتصورون أنهم بهذه الحماقات القاتلة يحققون للملك هيبته وعزته!!
ثم ما كل هذا الغدر الذى كانوا يتوارثونه في جيناتهم ودمائهم فيقتل الجد الأكبر أعظم المهندسين في مملكته غدرا وخيانة.. ويقتل النعمان بن المنذر زوج ابنته المكرمة المصانة فى بيت زوجها وعضده في ملكه من وشاية مشكوك فيها؟!
كانت الخيانة والغدر تسرى منهم مسرى الدم في الوريد.. ونشعر بمزيد الأسى والأسف حين نعلم أنه كان حولهم عدد غير قليل ممن يمكن تسميتهم مثقفين ومستشارين.. مثل عصام بن شهيد الذي كان أقرب الناس إلى النعمان بل ويقال: إنه كان عرابه الكبير في البلاط الفارسي مع عدى بن زيد.. وهو من ضرب به المثل في تسويد النفس: (نفس عصام سودت عصامًا.. وعلمته الكر والإقدامًا)
أو أن فلانًا »عصامي« نسبة إليه.. وكان حولهم أيضا النابغة الذبياني الذي يمتلئ شعره فكرًا ومعنى وهو القائل:
حسب الخليلين نأي الأرض بينهما هذا عليها وهذا تحتها بال
ولكن يبدو أنها »المنافع والمصالح والامتيازات« التي تخرس الألسن عن قول النصيحة حين يجدر أن تقال وينبغي أن تسمع.. فلا تقال ولا تسمع حتى تأتي الخواتيم المفجعات.. وهو ما حدث تحت أقدام الفيلة.