العنوان سريلانكا: المسلمون في أتون حرب التاميل والسنهال
الكاتب المحرر المحلي
تاريخ النشر السبت 17-مارس-2001
مشاهدات 61
نشر في العدد 1442
نشر في الصفحة 28
السبت 17-مارس-2001
ظل المسلمون أصحاب قوة ومكانة حتى قدم الاستعمار ففعل بهم أفاعيله
تقع جزيرة سريلانكا «جزيرة الشاي» في المحيط الهندي من الجنوب الشرقي للقارة الهندية على مساحة ٦٥ ألف كم مربع، وتتشكل من تسع مقاطعات وعاصمتها كولومبو الساحرة في جمالها.
ويبلغ تعداد سكانها ٢٠ مليون نسمة ينتمون إلى أعراق وأجناس مختلفة، فنسبة البوذيين 69% من عدد السكان والتاميل ١٨% والمسلمين 3%، وتمتاز سريلانكا بالجمال؛ حيث المياه والخضرة الوافرة الممتدة على مد البصر، وتشتهر بزراعة الشاي المميز الذي تتغنى الشركات التجارية بنكهته، كما تشتهر بإنتاجها وتصنيعها للأحجار الكريمة، وقد عرفت سريلانكا بعدة أسماء مثل سرنديب وسيلان.
أحمد علي
جمال طبيعة سريلانكا وخصوبة أراضيها جعلاها عرضة لمطامع المستعمرين ففي عام ١٥٠٥م استعمرها البرتغاليون حتى عام ١٦٥٨م، ثم الهولنديون من عام ١٦٥٨م إلى ١٧٩٦م، ثم الاستعمار البريطاني عام ١٧٩٦م، واستمر قرابة ١٥٠ عامًا إلى أن استقلت في عام ١٩٤٨م.
انتشار الإسلام
دخل الإسلام سريلانكا في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حيث سمع أهل سيلان بالإسلام فأرسلوا وفدًا إلى مقر الخلافة، وهناك أسلم أعضاء الوفد وعادوا مبشرين ومنذرين لقومهم، ثم ازدهر الإسلام وانتشر عبر التجار المسلمين الوافدين إليها، وازدهرت تجارة المسلمين مع أهل سيلان، وأصبحت لهم مكانة في الجزيرة حتى نهاية القرن الخامس عشر، ثم بدأت نكسة المسلمين مع قدوم المستعمرين، وتراجعت أحوالهم وذاقوا الويلات، فالمستعمر البرتغالي قام بالبطش بهم وتشريدهم وقتل الآلاف منهم لأنهم قاوموه ودافعوا عن سیلان، وقام البرتغاليون بطرد المسلمين من العاصمة، وجردوهم من نفوذهم وطردوهم من وظائفهم، وحرقوا بعضهم وهم أحياء، وقاموا بإغلاق مدارسهم، وشنوا عليهم حملات تنصير شرسة في أنحاء الجزيرة، ثم جاء عهد المستعمر الهولندي الذي حكم بالحديد والنار، فقام بصك قوانين تمنع المسلمين من ممارسة شعائرهم التعبدية وبإذلالهم وإجبارهم على دفع ضريبة الموت التي تقضي أن يدفع المسلم ضريبة مقابل الحفاظ على حياته، كما سلبوا ممتلكات المسلمين، ومنعوهم من مزاولة أي أعمال تجارية أو الاتصال بالتجار المسلمين خارج سيلان، ومنعوا التجار المسلمين من دخول سيلان، ثم جاء الاستعمار البريطاني ليمارس سياسة فرق تسد، وكان المسلمون هم الضحايا، حيث مورست عليهم عمليات تجهيل وتضييق في الأرزاق.
بعد الاستقلال
نالت سريلانكا استقلالها عام ١٩٤٨م، وكان الاستقلال بمثابة ساعة فرج للمسلمين، إذ نالوا معظم حرياتهم الدينية والثقافية والسياسية والاجتماعية، ويعود ذلك إلى تولي الأغلبية السنهالية الحكم في البلاد، وانتهاجهم النهج الديمقراطي الذي استفاد منه المسلمون في شتي مناحي الحياة، لكن الحكومات المتعاقبة بدأت تكيد للمسلمين عبر زرع مستوطنات بشرية من السنهاليين في مناطق المسلمين حتى لا يصبح المسلمون أغلبية في تلك المناطق، ثم بدأوا التضييق التدريجي على مدارس المسلمين، ومنعهم من التعليم في الجامعات ومحاربتهم اقتصاديًّا. واستمر هذا الوضع إلى يوم المحنة الكبرى التي بدأت منذ عام ۱۹۸۳م بعد انفجار الأوضاع العسكرية بين العرقية التاميلية والحكومة ذات الأغلبية السنهالية، إذ يطالب التاميل بالاستقلال وإعلان دولتهم التاميلية في شمالي وشرقي سريلانكا، وهو ما أدخلهم في صراع مسلح مع الحكومة السريلانكية فراح ضحيتها عشرات الآلاف من الطرفين.
الهند من جهتها دعمت الثوار التاميل إرضاء للتاميل الذين يقيمون في ولاية «تاميل نادو» الهندية وتوسطت الهند لدى سريلانكا لإنهاء الصراع عبر إعطاء التاميل حكمًا ذاتيًّا يشمل المناطق الشرقية والشمالية. وقد دفعت موافقة سریلانكا على الوساطة الهندية المسلمين للاحتجاج لأنهم يشكلون أغلبية في المناطق الشرقية، وفي حالة ضم الشرق للشمال، فسيفقد المسلمون قوتهم ونفوذهم وسيصبحون أقلية مضطهدة.
إصرار المسلمين على رفض فكرة ضم المناطق الشمالية إلى الشرقية، واتخاذهم موقف الحياد في الصراع العسكري بين التاميل وحكومة كولمبو جعلهم يدفعون الثمن غاليًّا، فقد قام نمور التاميل بحملة اضطهاد شرسة وواسعة ضدهم، قتلوا خلالها علماءهم، ودمروا مدارسهم وشردوا قرى بأكملها، وقد قامت القوات الهندية بمساعدة نمور التاميل عبر إرسال أربعين ألف من جنودها بحجة إرساء السلام، ولكن كانت مساهمتها فعالة في القضاء على المسلمين من خلال تهجير ما لا يقل عن ثلاثمائة ألف مسلم يعيشون في ظروف صعبة وقتل الآلاف منهم، وتم التخلص من قياداتهم السياسية والدينية وتدمير اقتصادهم وتهجيرهم من ديارهم.
التاميل والدعم الخارجي
مشروع المصالحة بين الحكومة والمعارضة على حساب الوجود الإسلامي
ما كان لحركة نمور التاميل أن تستمر في حربها، وتكبد الحكومة خسائر فادحة ماديًّا ومعنويًّا لولا تدفق الدعم اللوجستي الخارجي، فمنذ بداية الصراع أسست حركة نمور التاميل شبكات اقتصادية وتجارية وبنكية، وأنشأت أسطولًا من السفن يساعدها على تحصيل ما تريد من السلاح عبر مناطقها المائية، واستطاعت اختراق منظمات دولية مثل منظمات حقوق الإنسان، وأسمت تنظیمات سياسية علنية وسرية. واستطاعت بذلك أن تتحول إلى قوة ضاربة تقود حربًا ضروس بقيادة برابها كاران أنهكت الحكومة السريلانكية، وقد تحرك التاميل في حربهم على ثلاثة محاور وهي: الدعاية والإعلام وشراء الأسلحة، ويري منظر الحركة «تيلا كارا» في المحاور الثلاثة عنصر قوة وبقاء لنمور التاميل، وأن نجاح هذه المحاور لا محالة سيزلزل أركان الحكم في سريلانكا، وسيدفع باتجاه تحقيق حلم دولة التاميل.
فيما يتعلق بالدعاية والإعلان فقد وجهوا إعلامهم عبر شبكات الإنترنت ومنشوراتهم ومجلاتهم لخدمة قضيتهم، ووظفوا لهذا الهدف ثمانية وثلاثين مكتبًا إعلاميًّا موزعة في أنحاء العالم منها مكاتبهم في السويد وأستراليا وكندا ولندن وباريس وواشنطن... إلخ، وتمارس هذه المكاتب دورًا إعلاميًّا سياسيًّا واقتصاديًّا ساعد بلا شك على توفير الدعم السياسي والمالي والعسكري لحركة التاميل، ولولا هذا الدعم الخارجي الكبير لما استطاعت الاستمرار في صراعها مع حكومة كولومبو.
الموساد
شعرت الحكومة السريلانكية أنها بحاجة إلى خبرات خارجية لمساعدتها في القضاء على الانفصاليين التاميل، فاستعانت بالموساد الصهيوني عام ١٩٨٤م، وذلك عبر فتح جناح في السفارة الأمريكية سمي «جناح المصالح الإسرائيلية»، يتم عبره التنسيق بين الحكومة السريلانكية والموساد، ولكن سرعان ما اكتشفت الحكومة السريلانكية العمالة المزدوجة للموساد بعد اكتشاف تورطه في تدريب الانفصاليين وتقديم المساعدات العسكرية لهم، فقامت بطردهم وإغلاق جناح المصالح الصهيونية في أبريل عام ۱۹۹۰م، لكنها عادت وتراجعت عن قرارها بسبب الضغوط الأمريكية، ويرى المراقبون أن أوضاع المسلمين ازدادت سوءًا منذ وجود الموساد في سريلانكا عام ١٩٨٤م. فالعلاقات بين التاميل والمسلمين لم تكن سيئة إلى حد قتل المسلمين وتشريدهم ومصادرة أملاكهم، لكنها وصلت إلى هذا الحد بعد وجود الموساد.
ويحنق الموساد على المسلمين السريلانكيين بسبب احتجاجهم على فتح جناح المصالح الصهيونية الذي اعتبره الكيان الصهيوني توجهًا معاديًّا لسياسته في المنطقة، فضلاً عن الكراهية المتأصلة عند اليهود تجاه المسلمين.
الحل المنشود
يسعى نمور التاميل والقوات الحكومية إلى حسم الصراع العسكري كل لصالحه، وقد أثبتت سنوات الحرب الماضية فشل الحل العسكري، وذلك لعدم قدرة كليهما على حسم المعركة، فالتقدم العسكري ما بين مد وجزر لكلا الطرفين، وقد مني الطرفان بخسائر بشرية واقتصادية فادحة، والمعارك لا تزال قائمة حيث تصر الحكومة والجيش على حسم الأمر عسكريًّا، ويصر التاميل على نيل الاستقلال وتشكيل دولتهم، أما البلاد فدخلت في دوامة الصراع، وقد أصبحت كولومبو العاصمة غير آمنة بسبب العمليات الانتحارية المتتالية التي : كادت رئيسة الوزراء أن تكون إحدى ضحاياها.
ويقوم بعض الدول بالمساعدة في إنهاء الصراع عبر وساطات دبلوماسية.. فالنرويج قدمت مبادرة وساطة قبلها الطرفان المتصارعان، ويبدو أن الفشل كان مصيرها، حيث أعلنت حكومة كولومبو تشككها في جدية دخول نمور التاميل في المفاوضات وفي نزاهة الوسيط الترويجي الذي تعتبره منحازًا للتاميل.
المراقبون يرون حلًا آخر يقضي بإعادة تكوين البلاد على أساس فيدرالي، لكن نمور التاميل يطالبون بالاستقلال أولًا، ثم مناقشة أمر الاتحاد الفيدرالي، ويرى بعض المحللين أن أفضل حل لهذا الصراع الدموي في تشكيل كونفدرالية على الطريقة السويسرية أو اتباع الحل الذي طبق في البوسنة والهرسك عبر تشكيل كونتونات سانهالية وتاميلية ومسلمة، ولكن هذا الحل لا يرضي الهند التي يوجد فيها ٧٠ مليون من عرقية التاميل، سيكونون سندًا للتاميل السريلانكيين، وربما يشكلون معهم دولة مستقلة عن الهند، هذا الحل سيرضي المسلمين ولكنهم - عمليًّا - سيظلمون لأن نمور التاميل يرفضون عودتهم لمناطقهم وإعطائهم أي حق في المناطق الشمالية والشرقية، فلذلك أي حل مستقبلي سيكون على حساب المسلمين المشردين.
أوضاع المهاجرين
يعاني المهاجرون المسلمون في سريلانكا معاناة شديدة؛ حيث يفتقدون أبسط متطلبات الحياة، فمساكنهم من القش ومخيماتهم مكتظة.، بعد أن فقدوا ما يملكون ولا يجدون فرص عمل تعينهم على حل مشكلاتهم الاقتصادية.
أما مؤسساتهم التعليمية فقد دمرت تمامًا ولا يجدون فرصة لتعليم أبنائهم في شتى المراحل، وانتشر بينهم الفقر والجوع والجهل، وكل ذلك على مرأى ومسمع من الحكومة التي تتجاهل أبسط حقوق مواطنيها..
أما المساعدات الإنسانية الخارجية فهي شبه معدومة ولا تسد العجز والعوز، رغم قيام بعض الدول الإسلامية بتقديم مساعدات عينية مقطوعة لكنها لا تسد الرمق.
وقد سعى المسلمون للعودة لديارهم، ولكن قوات التاميل ترفض عودتهم بل تسعى للقضاء على البقية الباقية منهم.
أكد هذا الرفض القيادي الأول في حركة التاميل «برابها راكان» عبر تصريحاته المتكررة التي يؤكد فيها أن المناطق الشمالية والشرقية للتأميل الهندوس ولا مكان للمسلمين فيها، ويبدو أن نمور التاميل يرفضون عودة المسلمين حتى ولو هدأت الأوضاع واستقرت.
إذًا معاناة المسلمين مستمرة ما لم تتدخل منظمة المؤتمر الإسلامي بمبادرة لإنقاذ المسلمين الواقعين بين ناري نمور التاميل الحارقة والمدمرة ونار صمت الحكومة السريلانكية، وكذلك على الحكومات والمؤسسات الإسلامية تقديم ما تستطيعه لمساعدة المهاجرين في شتى المجالات الإنسانية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل