العنوان سر مفضوح وحوار مفتوح حول السياسة الأمريكية في ديار الإسلام...
الكاتب الأستاذ يوسف العظم
تاريخ النشر الثلاثاء 10-أكتوبر-1978
مشاهدات 74
نشر في العدد 415
نشر في الصفحة 13
الثلاثاء 10-أكتوبر-1978
• لماذا لا تتعامل أمريكا مع الحكام التقليديين أو اليسار المتأمرك في ديار الإسلام..؟
• لماذا يرفض الإسلاميون أمريكا.. وترفض أمريكا الإسلام كما يريده الله..؟
الحقد الدفين في أعماق النفس الصليبية إحدى كوارث البشرية التي تحرمها من نور الإسلام..
عندما اعتنق والد كارل ماركس النصرانية.. وتخلى عن ديانته الأولى اليهودية.. وتمرد على ما كان يريده له والده الحاخام مردخاي ماركس من تأدية الطقوس اليهودية وفق رموز خاصة وإشارات معينة ظن أن ذلك يحقق له مجدًا شخصيًا ومكاسب خاصة تجعل له مجدًا شخصيًا ومكاسب خاصة تجعل له في الحياة شأنًا وفي المجتمع مكانة ولكنه فوجئ وكان معلمًا بسيطًا في مدينة ألمانية غير كبيرة ولا شهيرة بين المدن الألمانية المعروفة، فوجئ أن النصارى في المدينة ليسوا على خط واحد ولاهم أتباع طائفة واحدة فراح يرقص على كل الحبال التي توصله لما كان يطمح فيه من مجد ويفكر فيه من شهرة عبر رئاسة البلدية.. فهو حينًا على دين هذه الطائفة وحينًا على دين تلك دون أن يحقق شيئًا مما يريد أو يصل لأمر مما يبتغي..
وولد ماركس.. في هذا الجو القلق المعقد المذبذب الذي يعج بالرياء الرخيص والنفاق المقيت والمتاجرة المفضوحة بالدين والمبادئ والإنسان.
وكان طبيعيًا أن يعتنق ماركس الحفيد ديانة أبيه الجديدة التي ولد هو في محضنها وليس له من الأمر شيء، فلما أعمل فكره حين كبر وتفتحت لديه الطاقة التدبرية التفكرية وجد أنه ليس على شيء وأن الدين الذي يدين به لا يعالج مشكلات الحياة ولا يبحث شأنًا من شؤونها إذا استثنينا أمور التعبد واللاهوت والكهنوت في هياكل الكنائس ودهاليز الأديرة..
وشأن جميع أدعياء الإصلاح أو حملة لوائه في أوروبا لم يجد ماركس في النصرانية ما ترتاح له نفسه أو تستقر به حياته أو يصلح به المجتمع الذي أراد له الخلاص من استبداد الأباطرة والملوك وتزمت رجال الدين وفساد أنظمة الكنيسة واستغلال أصحاب رأس المال في طول البلاد وعرضها.. وكان طبيعيًا أن يفكر الشاب في أمر يتخذه طريق الخلاص ومذهب اجتماعي يحسبه سبيل الإنقاذ مما يعيش فيه الناس من اضطهاد واستعباد.
ولم يكن الإسلام بطبيعة الحال واردًا في حساب ماركس وغيره من الباحثين ذلك أن مدارس الأحد في أوروبا ومناهج المبشرين ومخططات الكنيسة كانت وما زالت تفيض حقدًا على الإسلام وأهله، ردة فعل لنتائج الحروب الصليبية التي خرج على إثرها الصليبيون من الديار المقدسة بعد مائة عام أو يزيد على إنشاء دولتهم الدخيلة في بيت المقدس.
وكان أن نشأ جيل من أبناء النصرانية في أوربا يفضل التعامل مع الشيطان والتعايش مع منهج الشر على التعامل مع المسلمين أو الاطلاع على دينهم أو التعايش مع منهج الله لأن قلوبهم ملئت حقدًا على الإسلام ونفوسهم أشربت كراهية أهله منذ أن طبعت مناهج التعليم الكنسية أو العلمانية في نفوسهم صور الحقد على الإسلام المتوحش كما يتوهمون وأهله البرابرة كما يتصورون أو يصور لهم شيطان الهوى وفساد المنهج وأسلوب التربية المدمرة الحاقدة.
وفي مثل هذه الأجواء المتناقضة والأفكار المتضاربة قامت ثلاثة نماذج من الأجيال في أن.. لكل جيل وجهة هو موليها ولكنها تلتقي على رفض الإسلام عقيدة وفكرة ومنهاج حياة، وكراهية المسلمين أمة وجهادًا وتاريخًا أثرى الحياة الإنسانية بأكرم المواقف وأنصع الصفحات.
أما الأجيال فكانت:
الجيل المتدين: الذي تربى على أيدي القساوسة والرهبان ونشأ في محاضن الأديرة وأقبية الكنائس لا يعرف من الدين إلا رموز اللاهوت والولاء الأعمى للكهنوت ولو كان ذلك غير المشاعر الهوجاء والتعصب المقيت دون معتقدات صحيحة ولا سلوك سوي.
والجيل المنحل: الذي تربى على الرذيلة وعاش للجنس الداعر في علب الليل وأوكار الشيطان ومستنقعات العمر والمنكرات العفنة.
والجيل الملحد: وهو الجيل الذي انتزع من محاضن الأمهات وخرافة الكنيسة ليربي وفق برنامج موضوع وفكر مصنوع وإطار محدد لا يخرج عنه ولا يتعداه إلى سواه وكان ذلك في البلاد التي سيطرت عليها الماركسية وتمكن منها الإرهاب الفكري الشيوعي في دول أوربا الشرقية. والتقت هذه الأجيال- رغم تباين التفكير عندها واختلاف أهداف الحياة ووسائل العيش لديها- التقت على الحقد على الإسلام لأنها تجهله، واتحدت على رفض عقيدة التوحيد لأنها ربيت في المحاضن المتباينة على أن تعاديها وهي لذلك لا يمكن أن تتصور عرض الإسلام أو الحديث عنه أو تقديمه للجماهير المضللة في أوروبا والقطعان الهائمة الحائرة في غاب المدنية المادية وحضارتها الهابطة على سطح القمر الغارقة في الأوحال في آن واحد.
وكان أن فعلت أوروبا فعلتها ففي الحروب الصليبية وما قبلها وما بعدها فذبحت إسبانيا المسلمين وأخرجتهم من الأندلس التي عمروها والربوع التي غمروها بالنور ومشاعل الحضارة واستعمرت إيطاليا ليبيا والحبشة واستعمرت فرنسا لبنان وسوريا والشمال الإفريقي واستعمرت هولندا إندونيسيا واستعمرت بريطانيا ما بقي من ديار الإسلام استعمارًا كانت تتخذ معه الرجل الهندي مطية حقيقية لا مجازية يركبها السيد الإنجليزي حيث يريد في حله وترحاله..
وورثت أمريكا عن أوروبا الاستعمار والاستعلاء والحقد لأن الشعب الأمريكي امتداد لآبائه وأجداده في مدريد وروما وباريس ولندن وأمستردام.. وزاد من حقده على الأمة الإسلامية ذات التاريخ الحضاري العريق أن استقل الشعب الأمريكي استقلالًا بدأ حياته وإذ به ابن مئتي عام، مجتث الأصول حديث العطاء يكره العراقة ويحقد على الأمم الأصيلة في حضارتها العريقة في تاريخها فكيف إذا كانت هذه الأمة ذات ارتباط بحضارة التوحيد القائمة على الوحي النابعة من القرآن.
وكان أن حمل الأمريكيون بدل الحقد حقدين.. حقد صليبي يجري في دماء الأحفاد بعد الأجداد وحقد نابع من عقدة الحضارة والتاريخ اللذين ليس لأمريكا منهما نصيب أبعد من مائتي عام ...
وفي الوقت الذي بدأ نجم أوروبا يأفل وجيوشها تسحب أحذيتها الثقيلة من أرض الإسلام بدأ نجم أمريكا يلمع وخبراؤها يحطون الرحال هنا وهناك في الديار المقدسة التي شهدت أروع ملاحم البطولة وأنصع صفحات التاريخ المشرق جهادًا واستشهادًا وبناءً وعطاءً..
وقدر لأمريكا أن يحكمها ثلاث فئات من البشر وأن يخطط لسياستها ثلاث فئات من الناس:
1- الفئة التي تملك المال، المتسلطة على مقدرات اقتصاد البلاد وجلها من اليهود أو من لهم علاقات وثقى باليهود.
2- والفئة التي تصنع السلاح وتتاجر بالحروب فلا يهدأ لها بال إلا إذا راجت بضاعتها وأثارت الفتنة هنا أو هناك حتى لا يتوقف لها مصنع ولا يكسد لها إنتاج.
3- الفئة التي تدرس نفسيات القادة والشعوب معًا وتسبر أغوار النفس البشرية في أصقاع الأرض لتحرك أصحاب رأس المال ومصانع السلاح وفق دراسة نفسية خبيثة هادفة.
يعينها على ذلك إعلام مدمر أمسك اليهود بتلابيبه أقلامًا وعدسات وإذاعات مسموعة. وفي شيء من التفصيل ومزيد من البيان لا بد أن نشير إلى أن أصحاب رأس المال في أمريكا قد استحوذوا في غفلة عربية شاملة وغباء عربي بعيد عن وعي الإسلام على أموال العرب وراحوا يسخرونها لحرب العرب وإضعاف وجودهم ودعم أعدائهم والأخذ بأيدي الغاصبين..
وإن الفئة التي تصنع السلاح تبيع منه أكثر ما تبيع لأعداء العرب والعصابات التي تعيث في بلادهم فسادًا وإفسادًا وإن قدموا لما يسمى بالحركات التحررية والجبهات الوطنية بعضه فذر للرماد في العيون وضحك ساخر على الذقون..
وأما الفئة الثالثة فلا تقدم بإخلاص دراستها كيف يتم التفاهم مع العرب أو ما الذي يرضيهم حتى تتجنب غضبتهم وإنما تدرس النفس العربية وتسبر أعماقها لتمدها بجرعات من مخدر السياسة أو الترضية الغبية.. لتدع العرب بعد ذلك ممزقين في كل واد يهيمون..
ومن هنا نظرت أمريكا.. ساسة وحكامًا ورجالًا في مواقع التوجيه والقيادة وأمعنت النظر دون التخلي عن الحقدين حقد الصليبية وحقد العقدة التاريخية الحضارية فوجدت في العالم الإسلامي أقوامًا شتى وفئات من الخلق متباينة..
• لماذا تفضل السياسة الأمريكية انتشار الماركسية على انتشار الإسلام..؟
1-الشعوب التي تسير وراء كل ناعق وإن بدلت حاكمًا أو سعت لتغيير وضع جاءت أو جيء لها بما هو أسوأ.
2- وحكام تقليديون كل همهم تحقيق رغباتهم وإشباع شهواتهم والحفاظ على مكاسب الشهرة والسيطرة وتراكم الأرصدة وملء البطون.
3- شباب متوثب ورجال متحرقون على مصير الأمة وضياع الأوطان مع وضوح في الرؤية أو عمى في البصيرة..
4- علماء ذوو ميول شتى بعضهم يرتبط بالله صفاء عقيدة وصدق جهاد وبعضهم يرتبط بالسلطان دفعًا لبلاء أو رغبة في عطاء.
ومن هذه التشكيلة المتباينة والفئات المختلفة كونت أمريكا في تصورها الاجتماعي وتعاملها السياسي مع فئات تعامل بعضها معاملة العميل المفضوح وبعضها معاملة الوطني المزيف، وبعضها معاملة العدو الذي لا يمكن أن يجمعه بأمريكا جامع أو يربطه بها رباط..
أما الحكام التقليديون فما داموا على العهد مقبولين من الناس ولو بصورة لا صدق فيها ولا ولاء فلينعموا بكراسيهم وليستمتعوا بالحياة ما بقيت لهم أيام في الحياة.. فإن اشتد الضغط وأحست أمريكا أن الشعوب لا يمكن أن ترضى بمزيد من المهازل يغرقهم فيها الحكام العابثون أعطت إشارة البدء لتبديل الأوضاع وتغيير الواقع ولكن لصالح فئة تعدها على عينها من المغامرين والحاقدين والطامعين ليبدأوا مرحلة جديدة من الإذلال والتسلط والقهر والأذى.. ولكن في ثوب من التحرر والاستعلاء ومحاربة الاستعمار والإمبريالية.
وأما الشعوب التي تمثل القطعان الهائمة فتغمر بالمعونات الموهومة والخبرات المزعومة يقودها في التيه إعلام مضلل هو الظل الأعوج على الأرض العربية الملتوي في القارة الأمريكية.. ولا يستقيم الظل والعود أعوج.
وأما الشباب المتوثب المتحرق فتبتلعه تشكيلات منحرفة تهتف بسقوط الاستعمار وهوله عميل وتنادي بحرب الإمبريالية وهو بعض دعاتها.. وترتدي مثل هذه المنظمات ثوب اليسار لتستقطب الجماهير وترفع شعارات التحرير لتفرق الشعوب في مزيد من الذل والتبعية وليس أدل على ذلك من دولة تقوم في عدن: جيشها من الاتحاد السوفيتي ورجال الأمن فيها من كوبا ورجال الاستخبارات التي تجوس خلال الديار عبثًا ودمارًا من ألمانيا الشرقية.. ودور الشعب العدني أو اليمني الجنوبي إنه المقهور وحده المغلوب على أمره المنكوب بحكومته التقدمية التحررية.
وهكذا تقيم أمريكا علاقاتها مع حكام أكل الدهر على كيانهم وشرب أو منظمات وأحزاب يسارية المظهر أمريكية المخبر.. أما الإسلاميون.. ولا أعني بهم أتباع الطرق الصوفية ولا العلماء الرسميين الذين يبررون انحرافات السلطان.. وإنما أعني الذين يعون الإسلام كما نزل عقيدة صافية ودينًا عزيزًا ومنهاج حياة متكامل يغني عن المستورد من الفكر الدخيل من المبادئ.. مثل هؤلاء مرفوضون من المخطط الأمريكي لأنهم هم يرفضون المخطط الأميركي ويعون بوضوح أبعاد السياسة الأمريكية الرهيبة.
لقد بلغ الحقد بالسياسة الأمريكية أن تقرب الأحزاب الشيوعية منها وتجري حوارًا مع أقطابها وتعقد صفقات معها لتتسلم الحكم في هذا البلد أو ذاك حين تحس أمريكا أن الكراسي تحت الحكام تمور وأن العروش تحت ذويها تتحرك، ولئلا يكون البديل إسلاميًا أو يكون الوضع الجديد مرحلة من مراحل الحكم بشريعة الله.. فإن أمريكا تمد يدها يومئذ لموسكو أو بكين أو الشيطان.. حتى تبعد نور الإسلام عن ديار الإسلام فتحرمها وتحرم العالم أجمع من هداية شرع الله وعدالة الحكم القرآني الفريد.. ويتم التوقيع باللسان أو القلم على مائدة شراب في سفارة شرقية أو غربية يتنازل فيها الأمريكيون عن السيطرة على بلد ما.. لصالح الحزب الشيوعي التقدمي التحرري.. ثم يبدأ الصراع من جديد بين فئات من اليسار ثلاث:
* اليسار الماركسي السوفيتي المكشوف التبعية..
* واليسار الماوي الواضح الولاء.
* واليسار الأمريكي المزخرف الذي يرفع شعار الوطنية وهو في وحل الخيانة غارق حتى أذنيه..