; سقوط الحضارة الغربية | مجلة المجتمع

العنوان سقوط الحضارة الغربية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 19-فبراير-1980

مشاهدات 72

نشر في العدد 470

نشر في الصفحة 33

الثلاثاء 19-فبراير-1980

مليون ومئتا ألف شاذ في نيويورك يعلنون: «صار بإمكاننا انتخاب محافظ منا».

الحركة الصهيونية تستخدم الشاذين لجمع التبرعات لإسرائيل وتنصب لهم حاخامًا على شاكلتهم!

لا يمكن لعاقل أن يساوره شك في إدراك مدى انحطاط الحضارة الأوروبية وسقوطها المادي والمعنوي، لتنوء بكلكلها على الإنسان تسحقه وتفسد إنسانيته. 

ولا فرق في هذا السقوط بين دولة وأخرى من ديار الكفر، فكل منها يحمل عوامل الفساد في حضارته والأغلال في بنيته، حتى بات أمر هذه الدول مأساة للإنسان يشكو منها من اصطلى بنارها وابتلي بشرورها، وكم كتب كثيرون من مفكري الغرب عن هذا السقوط مثل «كولن ويلسن» و«توينبي» و«كامو» و«زخاروف»، وآخرون أثبتوا بانتحارهم ضلال ماديتهم، بالرغم من وصولهم أعلى المراتب، مثل «ستيفان زفايج» و«نتشه» و«همنكويي» وغيرهم.

وما كان أمر هؤلاء ليهمنا كثيرًا، لولا أن بعض المقلدين لدينا، يعتبرون هذا السقوط «الحضاري» أو الحضارة الساقطة، مثلهم الأعلى، ويحاولون نقلها بكل تفاصيلها إلينا في المدارس والبيوت والشوارع، ودور العمل والحكم والفكر، ولا يخفى ما في ذلك من خطورة على العقل والوجود اللذين أرسى الإسلام في بلاده قواعدهما على أسس متينة قويمة. فإذا بهؤلاء يريدون تحطيم هذه الشخصية الإسلامية، ليحققوا مبتغاهم من الذوبان في شخصية الغرب والشرق والانجراف في تيارات الاستعمار بما تحمل من سموم وتلوث.

موقفنا من الحضارة الغربية

ونحن لا نقف من الحضارات الأجنبية موقفا سلبيًا -كالذي يتصوره البعض عنا- فإننا لا نرفض اقتباس ما هو صالح مفيد مشروع من الاختراعات والتنظيمات والعلوم، بل نحن مأمورون شرعًا بتعلم ما يقوي شأن المسلمين ويحفظ كيانهم، وإن لم نفعل فنحن آثمون. ولكن هنالك فرقًا واسعًا بين اقتباس المسلم العاقل العالم الذي يزن الأمور كلها بميزان الشريعة العادل. وبين من يقلد تقليد القرود دون فهم أو تمييز، بل يسحره كل ما في الغرب أو الشرق فينادي به ولو كان حرامًا أو ضارًا أو خبيثًا حسب هواهم، ويزورون الحقائق: فتراهم يسمون الخلاعة حرية والمجون فنونًا، والجريمة تطورًا أو ثورية، وهكذا تنقلب لديهم الحقائق وتتشوه الرؤية... وهنالك فريق آخر عاري التفكير سطحي النظر، يرى تفوق الغرب المادي واختراعاتهم المتطورة، فيظن أن كل ما لديهم هو في الدرجة نفسها من التقدم والصحة، فإذا كان الأوروبيون وصلوا إلى القمر وصنعوا السيارة والطائرة والقطار والكمبيوتر، فبالتالي فإن نظامهم السياسي والأخلاقي والديني يجب أن يكون صحيحًا على المستوى نفسه. 

وهذا أحط أنواع النظر وأفسد أنواع القياس.. فإن الأمور الأخلاقية والحقوقية والشرعية لا تعرف بحمض الكبريت، ولا تقاس بالمجهر، ولا تمزج في أنابيب الاختبار، ويُعمل منها هرمون أو لقاح... 

والناظر المدقق في شأن هذه الحضارة الغربية يرى مقدار فسادها في نواح كثيرة... وهذا ما أحببنا أن نحذر منه العقلاء من أمتنا وشبابنا من الذين سحروا ببريقها وافتتنوا بها حتى صاروا دعاة لها، ولتطبيقها والأخذ بها في كل الميادين دون تمحيص..

الفرق بين الحضارة الإسلامية وغيرها:

وإن أعظم وأظهر تناقض يراه الباحث لدى المقارنة بين الحضارة الإسلامية وغيرها، هو أن الحضارة الإسلامية صنعت الإنسان: بينت حقوقه وواجباته، جعلت له عقيدة شاملة تفسر معنى وجوده وغايته، وتنظم علاقاته بالله والإنسان والمجتمع والطبيعة، وهكذا أصبح الإنسان راسخ القدم، شامخ الرأس ذا رسالة، لوجوده هدف ومعنى، ثم أمر بإصلاح الأرض، وتنظيم المجتمع، وإنشاء الدولة ومحاربة الباطل، وتربية الأولاد والأجيال وعبادة الله، وتقرر ذلك كله لديه في انسجام واتساق فذٍّ، وهكذا سلم من الشذوذ والانحراف والإفراط والمغالاة أو التفريط.. بينما الحضارة الأوروبية صنعت الآلة.. وقد تفوقت فيها وأصبحت تسيطر على أطراف الأرض عبر هذه الآلة ومنجزاتها الضخمة، ولكنها أخفقت في صنع الإنسان أو تربيته أو تلبية حاجاته.. فقد حرمته الراحة والتوازن ومنحته القلق والجشع وسحبت من تحته بساط الأمن والاستقرار...

وهكذا نجد أن أكبر نسبة للانتحار هي في أكثر الدول رقيًا ماديًا كالسويد وسويسرا، ونرى الوجودية تشجع على الانتحار -للخلاص من الحياة التي هي عبث وسأم وغثيان- ولقد كان آخر إنجاز لهذا الاضطراب في بلدان الكفر هو ذلك الانتحار الجماعي الذي صدم العالم ببشاعته، حيث أشرف زعيم جماعة «هيكل الشعب» الكاهن جيمس جونز على انتحار حوالي تسعمئة شخص من أتباعه بالسم. وأبَّنهم بقراءات من رسالة بولس الرسول ثم أطلق الرصاص على صدغه، فلحق بهم إلى لعنة الله وغضبه، وثبت اتصال زعيم الجماعة بالمخابرات السوفييتية والحزب الشيوعي في غويانا.. وهنالك جماعة أخرى ظهرت في بريطانيا شعارها «تخلص من حياتك بإرادتك وبطريقة سهلة»، وتلقى هذه الجماعة رواجًا ضخمًا حتى تضاعف عدد أعضائها خلال شهرين من 2000 إلى أربعة آلاف، خصوصًا بعد أن أعلنت عن إصدار كتاب جديد يتضمن نصائح عن أفضل طرق الانتحار..

من مفاسد الحضارة الغربية:

وإذا قمنا بجولة سريعة على مفاصل الحضارة الغربية وجدناها متورمة بما تحمل من جراثيم وصديد، أفرزه الكفر والبعد عن الله تعالى، ولذلك حمل الإنسان الغربي وغير الغربي أوزار هذه الأوبئة، فعلى نطاق الدول نرى نهب الدول الغنية والصناعية للدول الفقيرة، ونرى المحاور والأحلاف، ولا سيما بين الدول الكبرى تستغل العالم وتهدد أمنه، وعلى نطاق الدولة نرى سلطة المخابرات والجواسيس والعصابات المدمرة- بدءًا من الطابور الخامس ومرورًا بالغستابو، والآي سي أي، والموساد، والمافيا، والكوكلاكس كلان والبادرماينهوف، والكي جي بي، ثم هنالك الاحتكارات المالية الضخمة والشركات الكبرى وعصابات الحزب الواحد، ثم الرشوات والفضائح «ووتركييت- لوكهيد- لافون- كريستين كلر..»، وإذا أمعنت النظر تجد السوق السوداء تلف عصابات المهربين في أطراف العالم، والتي تتاجر بكل شيء حتى بيع الأطفال، وما مسلسل «الجذور» عن مشاهدينا ببعيد.

وهنالك ظواهر العنف حبًا في القتل والجريمة كما في المنظمات التخريبية واللاأخلاقية كجماعات الهيبيين والروكرز وأضرابهم. والتي يعتبر خطف الطائرات والسطو والنهب من جملة نشاطاتهم.

فساد القوانين والتشريعات الأوروبية:

فإذا رجعنا إلى القوانين نجد أنها أكثر اضطرابًا وانحرافًا، وأضرب مثالًا على ذلك موقفها من الزنا:

أ- فهنالك بلدان لا تعاقب إطلاقًا على جريمة الزنا ولا تعتبرها جريمة، منها: «بلغاريا، وتشيكوسلوفاكيا، والدانمارك، وفنلندا، وأيسلندا، والنرويج، وبولونيا، وبريطانيا، والسويد، وهنكاريا، والاتحاد السوفييتي، وأكثر الولايات المتحدة الأمريكية، وبوليفيا، وكوستاريكا، وكوبا، والأوروكويي، واليابان».

ب- وهنالك دول تعاقب على جريمة الزنا المرتكبة من قبل الزوجة فقط مثل: «إيطاليا، وبلجيكا، وفرنسا، واللوكسمبورغ، وموناكو، والبرتغال، وإسبانيا، وتركيا، والأرجنتين، وتشيلي، والدومينيك، والأكوادور، وهايتي، وهوندوراس، ونيكاراغوا، وباناما، وباراغواي، والسلفادور، وفنزويلا، وبعض البلدان العربية».

ج- وهنالك دول تعاقب على جريمة الزنا المرتكبة من قبل أي من الزوجين مثل: «النمسا، وألمانيا، واليونان، وهولندا، وسويسرا، والبرازيل، والمكسيك، وبيرو، وبورتوريكو، وولاية نيويورك». على أن كثيرًا من هذه الدول- لا سيما المتأثرة بقانون نابيلون، تقصر جريمة الزنا على المرأة المتزوجة. كما ورد في المادة 449 / ف 2 من قانون العقوبات الإسباني التي تقول: «يرتكب جريمة الزنا المرأة المتزوجة، عندما تمارس العلاقة الجنسية مع رجل آخر ليس زوجها، وأيضًا: الرجل الذي يمارس العلاقة الجنسية مع امرأة عالمًا بأنها متزوجة، ويعتبر الجرم قائمًا حتى لو ألغي الزواج فيما بعد».

وينص القانون الفرنسي، والقوانين التي استقت منه على أنه «يحق للزوج أن يطالب بالتفريق بينه وبين زوجته إذا أثبت زناها ولو خارج بيت الزوجية مرة واحدة. بينما لا يحق للزوجة أن تطالب بالتفريق بينها وبين زوجها بسبب الزنا إلا إذا أثبتت زناه في بيت الزوجية أكثر من مرة»..

وإذا رأينا هذه القوانين تسلب المرأة المتزوجة اسم عائلتها، فيصبح اسمها اسم زوجها ويسلبها حق التصرف في أملاكها، لأنها تعتبر الزواج أحد عوارض الأهلية بالنسبة للمرأة.. فأي ظلم وتعسف أقبح من هذا؟! وأين دعاة تحرير المرأة عن طريق تقليد الغرب.. ألم يلاحظوا جحر الضب الذي حصروا أنفسهم فيه؟!..

وإذا قمنا بجولة سريعة في الشارع الأوروبي في الشرق والغرب وجدناه يعج بالمومسات والشاذين حتى صاروا هم الأكثرية. فقد أباح القانون الإنجليزي العلاقات الشاذة ما لم تكن مع قاصر وبالرغم منه، وكذلك صار للشاذين جمعيات ونقابات في ألمانيا وأمريكا وبلدان كثيرة أخرى:

حركات الشذوذ الجنسي والفساد تتلقى بركات الصهيونية ورعايتها!!

وفي تحقيق خاص من «أورينت برس» نشرته السياسة عام 1977م، جاء فيه أن اليهود أنشأوا كنيسًا خاصًا بالشاذين جنسيًا في أحد أحياء نيويورك المعروفة بكثافة يهودية، وفي يوم الغفران- أحد أهم أعياد اليهود الدينية اجتمع في هذا الكنيس حوالي «350» متعبدًا كلهم خليع وشاذ، وكان الكنيس قبل أربع سنوات يتألف من جماعة صغيرة من الشاذين، ولكنه صار بعد ذلك برعاية الحركة الصهيونية العالمية يجمع بضع مئات من يهود نيويورك الشاذين جنسيًا، وهو يقوم بنشاط كبير في جمع التبرعات لصالح جمعية «النداء اليهودي المتحد» وتعليم العبرية وتنظيم الرحلات إلى إسرائيل. 

ولقد صار للشاذين في نيويورك أحياء سكنية تكاد تكون خاصة بهم، وتبلغ تقديرات عددهم 10% من السكان، أي حوالي مليون ومئتي ألف من الرجال والنساء، وأصبح هؤلاء لا يخجلون من التظاهر علنًا والمطالبة ما بحقوقهم بل والزواج في المعابد، ثم التكتل بتشجيع من الصهيونية حتى صارت الأحزاب السياسية الأمريكية تتنبه إلى ضرورة استرضائهم للحصول على أصواتهم في المعارك الانتخابية، ويقدر عدد الشاذين في الولايات بسبعة عشر مليونًا، ولذلك تقوم الحركة الصهيونية في أمريكا بتنظيم حملات دعاية خاصة لتبرز قيمة هؤلاء الشاذين واحترامهم، موظفة الدين اليهودي لخدمة حركتهم، مما أثار القرف لدى الأسوياء في هذه المدينة الضخمة، ولم يبال اليهود بذلك بل عينوا حاخامًا شاذًا لكنيس يفتخر بخدماته للصهيونية والشذوذ الجنسي، فهل بقى نذالة بعد ذلك لا يمكن أن تفرزها حضارة الكفر في كل مكان. 

وثورة المومسات تجتاح فرنسا وغيرها من الدول يطالبن بالاحترام الاجتماعي ووضع حد لاضطهاد رجال الأمن لهن، وإعادة فتح الفنادق المعدة للبغاء، وقد قام ثمانون منهن بمظاهرة داخل مدينة «ليونز» ثم دخلن إلى إحدى الكنائس واعتصمن فيها، ولقين الدعم والتأييد من مجموعة ذكور شاذين، وكذلك اعتصم أكثر من خمسمئة مومس في باريس في إحدى كنائس العاصمة، وقامت مجموعة أخرى باحتلال كنيسة أخرى، وهن يطالبن بما أسمينه بحقوق المهنة وحمايتها: ومهنة البغاء ليست مقصورة على النساء، لأن عددًا كبيرًا من الرجال يعمل في هذه المهنة، وقد انضم هؤلاء إلى النساء المعتصمات في الكنيسة، وقدموا مطلبًا بإلغاء القانون الذي يحرم على الرجال ارتداء الزي النسائي...

وأخيرًا:

أستميح القارئ عذرًا إذا نقلت له هذه الأخبار الكريهة وبعض الصور المقرفة. ولكنني أردت من ذلك أن أبين بوضوح وجلاء، لدعاة الفسق والفجور في بلادنا باسم التحرر والحضارة، أي وادٍ قذر يريدون إلقاء الأمة فيه، وليكون ذلك تحذيرًا وإنذارًا للعقلاء أن يتعظوا بمصير غيرهم من الأمم، وألا يأخذوا كل وارد من الغرب على علاته، وأن يقصروا اقتباسهم على النافع المفيد.. وأن يؤخذ على أيدي المفسدين في بلادنا بأقلامهم وأفلامهم وهي مقدمة المجون والخراب وما من فتنة قط أسوأ من هذه...

وإن من واجبنا أن نحصن أبناءنا وبناتنا بالتربية الإسلامية القويمة لنخرج منهم رسل حضارة حقيقية تنقذ بلادهم من التلوث بأفكار الاستعمار ودعاته، وتسعى لتخليص العالم من عقابيل الصهيونية الآثمة، وأدران الكفر المنحرف.. والسلام على من اتبع الهدى..

الرابط المختصر :