العنوان سقوط الدُب الروسي بين مطرقة العامل البولندي ومنجل الفلاح الأفغاني
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 23-سبتمبر-1980
مشاهدات 109
نشر في العدد 498
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 23-سبتمبر-1980
البابا البولندي للعمال: «لا تجعلوا أحدًا يضلكم بفكرة أن الإنسان يمكن أن يجد نفسه تمامًا في إنكار وجود الله».
أحداث بولندة الأخيرة كشفت تمامًا قدرة الإعلام العالمي على إبراز الحدث وصياغة أخباره وفق المنظور الذي يرغب به، أو يحاول التوجيه إليه، كما كشفت على الطرف المقابل المأزق الشديد إلى حد الاختناق، الذي يعانيه أي حدث إسلامي في أية ساحة عالمية، من خلال تجاهل الإعلام العالمي -بما فيه الإسلامي أحيانًا- لمفردات الحدث ومعانيه، وإن التفت إليه فبأسلوبه الخاص به، الذي يعتمد على تفسيره حسب مصالحه، وتوجيهه إلى غاياته التي يرمي إليها.
إذ لم يمضِ على أحداث بولندة أكثر من شهرين حتى أخذت أخبارها تطغى على الصحافة العالمية كلها بلا استثناء، ما بين شرقي وغربي، في الوقت الذي كانت فيه أحداث عالمية أخرى أهم وأكثر لفتًا للنظر تتفاعل منذ أكثر من سنتين، ولكن عقدتها الكبرى أنها تجري في ساحة إسلامية خالصة.
هنا يحق لنا أن نتساءل: لماذا؟ نعم، لماذا يجري دائمًا إبراز الحدث مهما كان بسيطًا، إذا كان يمس المصالح العالمية، ولا يكون ذلك مع الحدث الإسلامي رغم تأثيراته المختلفة ولو إلى درجة الانفجار العالمي مثلًا؟
في هذه المقالة سنقارن بين حدثين عالميين، على مستوى الإعلام، بينهما من الاختلاف ما بين الشرق والغرب، لنصل إلى مفتاح العقلية الغربية التي تقف وراء الحدث والإعلام عنه، كما نصل إلى الواجب الكبير الملقى على عاتق الإعلام الإسلامي ليؤدي دوره في خدمة الحقيقية وتقديمها إلى الناس في ثوب مقبول.
عملية بولندة:
الآن وبعد مرور حوالي شهرين على بداية أحداث بولندة، نستطيع القول إن العمال الذين هم بالدرجة الأولى الجهة التي تتوجه إليها الشيوعية، قد نقضوا مبدأً أساسيًا فيها، وهو «أن العمال هم الطليعة الحيوية والأداة الرئيسية في دكتاتورية البروليتاريا»، ولقد كانت مطالب العمال أشبه بالجنون في دولة شيوعية:
1- حرية التعبير عن الرأي.
2- وإقامة نقابات حرة.
3- إزالة امتيازات الحزبين.
4- إطلاق سراح السجناء السياسيين.
5- حق الإضراب.
ورغم هذا الجنون فقد أذعنت الحكومة البولندية لمطالبهم، وكسبوا أشياء كثيرة قد تثير جنونًا آخر عند الروس، ذلك أن أي تغيير في بولندة سيهدد سلطة النظام فيها، ثم في أوروبا الشرقية، ثم في الاتحاد السوفياتي نفسه.
ولكن السؤال الأكثر إلحاحًا هو لماذا لم يتدخل الروس مباشرةً لإيقاف هذه الأعمال التي ستودي بالنظام، أو على الأقل ستثبت إخفاق النظرية الشيوعية نفسها؟
المتغيرات الدولية:
أعاد المراقبون إلى الأذهان ذكرى تدخل الروس عسكريًا في تشيكوسلوفاكيا عام 68 لأسباب أقل من هذه، فلماذا لم يتدخل الروس مرة ثانية في بولندة، والواضح أن هناك عدة عوامل ومتغيرات دولية أسهمت في تقييد حركة الروس فاكتفوا بتصريحاتهم المعهودة.
1- التكوين الخاص ببولندا وشعبها، فهي محشورة بين الروس والألمان «عرقيًا»، وبين الأرثوذكس والبروتستانت «دينيًا»، فهي كاثوليكية، شعبها ذكي مبدع، ذو نزعة وطنية تقترب من الانتحار «مواجهة هتلر مثلًا»، وينظر إليها الغرب نظرة خاصة «فقد زارها ديغول ونيكسو وديستان»، ثم أن هناك تحالفًا قويًا بين مثقفيها وعمالها، وزاد في حدود توجهها الديني بانتخاب يوحنا بولس الثاني البولندي بابا لروما.
2- التورط الروسي في أفغانستان جعله يلقي بعتاده وجنوده بكثافة فيها، وليس من الحكمة فتح جهات ثانية في الوقت نفسه.
3- السمة السيئة لتدخل الروس دائمًا، مما جعل الاستعمارية لاحقة به، ولم ينسَ العالم حتى الآن مآسي المجر (1956) والتشيك (1968).
4- معاناة الروس من مشاكل اقتصادية داخلية، واعتمادهم على معونات الغرب.
5- الموقف الدولي الموحد تقر به تجاه الروس في أفغانستان، ونتيجة لذلك أخفقت الألعاب الأولمبية في موسكو لهذا العام.
6- الموقف الصيني وتحيزه إلى الغرب ضد الروس، وانشغال ثلث الجيش الروسي على الحدود مع الصين.
مجمل هذه العوامل جعلت الروس يتريثون، وترى «باري ماتش» أن موسكو سوف تنتظر ثلاثة أشهر لمعرفة ما سيحدث في بولندة غدًا؟ ولكن من المؤكد أن العمال البولنديين قد حققوا شيئًا ما، أقل ما يُقال فيه «إنه يمثل أول انفصال عن الخط الذي رسمه استالين».
الإعلام العالمي:
والذي يهمنا من كل ما تقدم أن هذا الحدث الضخم قد شغل حيزًا واسعًا من مساحات الإعلام العالمي «صحافة وإذاعة وتلفزة»، حتى أن أغلب الصحف العالمية قد جعلته موضوعًا للغلاف، وبعضها كرر الغلاف مرتين حول الموضوع نفسه مما لم يحصل من قبل «النيويورك تايمز، التايم، نوفل، أوبزرفاتور، باريس، ماتش»، بالإضافة إلى الصحافة العربية نفسها «المستقبل مثلًا».
فلماذا هذا الاهتمام الزائد بهذه القضية؛ إن الإجابة لا شك سهلة على هذا السؤال: إنها قضية تمس المصالح الغربية بالدرجة الأولى، وهي مظهر من مظاهر الصراع بين النظامين الشيوعي، والرأسمالي، إنها إذن تدخل في صميم الحياة الغربية ومصالحها المستجدة، ولذلك فلا عجب من التركيز على هذا الحدث، وإظهار العامل البولندي بمظهر الفارس البطل الذي جعل أنف الدب الروسي في الرغام، ولكن هذا الحال سيجرنا إلى سؤال تال: لماذا لم يقم الإعلام الغربي نفسه -وحتى العربي والإسلامي- بالتغطية الكافية لمقاومة الأفغان للتسلط الروسي المستعمر؟
الإغفال الاستعماري:
إن الموقف من الثورة الأفغانية على المستوى الإعلامي -ودع عنك بقية المواقف- يثير في النفس الأسى الشديد للتحيز القاتل الذي تقف فيه الجهات العالمية من أية قضية يكون الإسلام دافعها ومحركها، ذلك أن الغرب الاستعماري لا يؤمن بالتعامل على أساس عقائدي، بل له مبدأ أساسي خاصته، كما يقول أحد ساستهم: ليس هناك عداوة دائمة، ولا صداقة دائمة، بل هناك مصالح دائمة.
هذه السياسة هي التي أدت إلى الوفاق الدولي، واقتسام النفوذ في العالم بين الجبارين الاستعماريين «روسيا وأمريكا»؛ وبسبب من هذه السياسة سقطت أنظمة عملية للطرفين مقابل مصالح الجبارين «فيتنام، شيلي، والحبشة، أفغانستان، الشرق الأوسط إيران.. الخ».
الفلاح الأفغاني:
لقد ركز الإعلام الغربي على العامل البولندي الذي هزم الدب الروسي أو جعله بطلًا؟ فلماذا أغفل الفلاح الأفغاني؟! وأنكر دوره في هزيمة الروس وإذلالهم؟! ونحن هنا لا نقول الفلاح الأفغاني من منطلق طبقي بقدر ما نجعله مقابلًا للعامل البولندي، وإلا فإن الثورة الأفغانية شملت كل قطاعات الشعب المسلم، ولكن لأن الغالب على أفغانستان أنها دولة متخلفة اقتصاديًا، وهي أقرب إلى المجتمع الزراعي الرعوي، لذلك قلنا بالفلاح الأفغاني، هذا المجاهد البسيط الذي قاوم الفقر والمرض والجهل، وتصدى بسلاحه الفردي البسيط الذي لا يعدو كونه بندقية قديمة من الحرب الكونية الأولى لثاني إمبراطورية عسكرية استعمارية في العالم الحديث، أليس هذا المجاهد البسيط أكثر رجولة وبطولة وفداء من العامل البولندي؟! ألم يكن أكثر اندفاعًا رغم قلة المعطيات في يديه لمواجهة الدب الروسي المسلح بأفتك الأسلحة؟!
فلماذا لم يأخذ دوره في مساحات الإعلام الغربي؟
إن القضية واضحة وبسيطة، ذلك أن هذا الصراع يدخل في مسلسل الشرقية، فهو جزء من صراع حضاري قديم قدم المنطقة نفسها، الصراع بين الحق والباطل، بين الإسلامية، والصليبية بوجهها القديم عند الاستعمار الأوروبي وبوجهها الجديد عند الشيوعية الدولية، وليس من مصلحة الإعلام الاستعماري أن يبرز حدثًا في إثارة لروح الجهاد التي يفتقدها المسلمون اليوم إلا قليلًا، ولذلك تراه تحت ضغط من:
1- طبيعته الاستعمارية المتأصلة ومطامحه التوسعية.
2- عداوته العقائدية وحقده التاريخي.
3- مصالحه الإستراتيجية والاقتصادية.
4- وفاقه الدولي مع الخصم على اقتسام العالم.
تراه يواجه إعلامه في هذا الطريق، طريق المصالح الاستعمارية، فبولندة أقرب إليه من أفغانستان، وقضيتها أهم لديه من كل قضايا المسلمين في العالم، وهذا يلقي أمامنا بالسؤال الأخير: ما الموقف الصحيح تجاه هذا الإغفال العالمي لقضايانا؟
إن الجواب لا يعدو أن يكون دعوة صريحة إلى إيجاد الإعلام الإسلامي العالمي الذي يطرح قضايانا الأساسية أمام الساحات العالمية، ويشرحها ويبرزها في ثوبها اللائق ليأخذ الحق مجراه، وتحصل الشعوب المستضعفة على كل حقوقها، وبهذا وحده ينتهي عصر «الاستعمار الإعلامي».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل