; سلامات عرفات ورابين وجولدشتاين!! | مجلة المجتمع

العنوان سلامات عرفات ورابين وجولدشتاين!!

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 08-مارس-1994

مشاهدات 80

نشر في العدد 1091

نشر في الصفحة 33

الثلاثاء 08-مارس-1994

«ليس هناك أبرياء عرب.. إن عمليات القتل التي تمت في الحرم الإبراهيمي ضرورية ومن الضروري أن يقتل الكثير من العرب بعد... لقد كان باروخ بطلًا... بطلًا لجميع اليهود... لقد كان رجلًا كاملًا... رجلًا طيبًا ورجلًا عذبا» كان هذا ما قاله أحد المستوطنين الذين شاركوا في تشييع جنازة المجرم الصهيوني باروخ غولدشتاين الذي قاد عملية مجزرة الحرم الإبراهيمي في الأسبوع الماضي لمراسلة صحيفة «الإندبندنت» البريطانية.

وتقول المراسلة إنها طافت على عدد كبير من اليهود وتمنت أن تسمع كلمة إنصاف واحدة في حق أحد العرب حتى «ولو كان من هؤلاء الذين أطلق غولدشتاين النار عليهم من ظهورهم»، إلا أنها لم تجد، وكان أقل ما سمعته عن العرب من أحد الصهاينة الذين هاجروا قبل 5 سنوات من إثيوبيا إلى الكيان الصهيوني قوله: «جميع العرب إرهابيون».

أما الصهيوني أفيجور هاسكين فقد ذكرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الصادرة في تل أبيب في 28 فبراير الماضي أنه قد أطلق على مولوده الجديد اسم غولدشتاين وقال في تصريح نشرته الصحيفة ونقلته وكالة الأنباء الفرنسية: «إنني أريد من ولدي غولدشتاين الصغير أن يواصل مسيرة باروخ غولدشتاين الكبير ليكون مثله».

أما باروخ مرزيل زعيم حركة كاخ اليهودية فقد وقف يحفز اليهود ضد المسلمين أثناء مراسم دفن غولدشتاين مفتخرًا بجريمة غولدشتاين قائلًا: «إن غولدشتاين قديس ورجل عظيم امتلك الجرأة للقيام بعمل بطولي».

أما مايك حوزفسكي الرئيس المناوب لجماعة «أرواح كاهانا» فقد وصف ما قام به غولدشتاين قائلًا: «لقد أراد غولدشتاين إيقاف ما يسمى بعملية السلام وإنقاذ دولة «إسرائيل» لقد كان يشعر بما نشعر به من أن العرب يرون أن نموت جميعًا، ومن هنا اكتسب هذه الكراهية ضدهم، وقد اختار لعمليته أفضل الأيام فلم يكن بإمكانه أن يختار يومًا أفضل من هذا، فهو أول يوم لعيد «بوريم» الذي يرد فيه اليهود على أي هجوم».

أما غولدشتاين نفسه فقد قال في آخر حوار صحفي أجراه معه توم روبرتس مخرج الأفلام التسجيلية الأمريكي قبل المذبحة بأيام ونشرت صحيفة «نيويورك بوست» فقرات مطولة منه في الأسبوع الماضي: «إن العرب مثل الوباء.. إنهم نازيون جدد يصعب التعايش معهم.. لقد سئمناهم.. إنهم الجراثيم التي تنقل إلينا الأمراض.. أما نحن اليهود فإننا مثل الحملان الوديعة التي ترعى بين سبعين ذئبًا».

هذا جانب الصهاينة.. أما على الجانب الآخر وتحديدًا في مقبرة حارة الشيخ في الخليل فقد كان عشرات الشباب المذهولين يواصلون حفر القبور بسرعة لدفن الشهداء خوفًا من مجيء قوات الجيش الإسرائيلي لمصادرة الجثث، وكانوا من الذهول والعجلة يقومون بدفن أكثر من شهيد في القبر الواحد، وأحيانًا يضطرون لإخراج الجثة بعد دفنها ليتعرف ذووها عليها ويتأكدوا من صاحبها ثم يعيدون دفنها.

وبينما هم كذلك شق الجموع رجل تجاوز الأربعين وهو يبكي ويصرخ: «أريد أن أرى ابني، أنتم دفنتموه أخرجوه لي حتى أراه»، فقطعوا له قطعة من قميص أحد المدفونين في أحد القبور وأعطوها إياه قائلين: «قميص ولدك» فقال: «لا.. فأخرجوا لي جثته» وكان صبيًا لم يتجاوز الخامسة عشرة، فإذا بالرجل يزيد في بكائه وصراخه ويقول: «هذا ليس ابني ولكنه ابن أخي لقد استشهد هو الآخر فأخرجوا لي جثة ولدي أيضًا حتى أراه».

أما في مستشفى رام الله الحكومي فقد كان طفل في العاشرة ممن كانوا يصلون في الصف الأخير ممددًا في غرفة الإنعاش يرقب الجرحى حوله في ذهول تحدث بصوت خفيض لمن حوله قائلًا: «لم أر الذي كان يطلق الرصاص لكننا كنا نصلي حينما أصابتني رصاصة وقعت بعدها على الأرض وفجأة حملني شخص قريب لأبي ووضعني في سيارة، وحينما أفقت من الغيبوبة أخبروني أن هذا هو ثالث مستشفى أنقل إليه.. من الأفضل أن يموت الواحد منا شهيدًا لقد كنت أتمنى الشهادة مثل صديقي جبر الذي كان يصلي إلى جواري فجاءته رصاصة في صدره واستشهد على الفور».

أما عبد الحي القواسمي الذي يبلغ الستين فجلس على سريره يروي ما حدث له قائلًا: «حينما بدأ إطلاق النار علينا كنا نكبر ونصرخ قائلين: الله أكبر، الله أكبر، ثم رمينا بأنفسنا فوق بعضنا بعدها لم أدر بشيء».

لقد أسكت غولدشتاين والمجرمين الذين كانوا معه أصوات أكثر من 70 مصليًا مضوا إلى ربهم شهداء وهم ساجدون، ولكن كان من بين هؤلاء شهيد ذو صوت مميز كان يحبه أهل الخليل ويمقته اليهود الذين كانوا يهددونه ببنادقهم كل يوم وهو يغدو ويروح إلى المسجد منتصب القامة غير عابئ ببنادقهم المصوبة إليه ثم يزلزل أركانهم بصوته العذب كل يوم 5 مرات عبر مكبرات صوت المسجد.

إنه الشيخ جميل النقشة مؤذن الحرم الإبراهيمي في الخليل، الذي مزق غولدشتاين والمجرمون الذين كانوا معه جسده بسبع رصاصات مزقت وجهه وصدره حتى صعب على أهله التعرف عليه. إنه السلام.. سلام أمريكا.. وسلام عرفات ورابين وغولدشتاين.

 

الرابط المختصر :