; سلام «آتشيه» بدأ من «هلسنكي»! | مجلة المجتمع

العنوان سلام «آتشيه» بدأ من «هلسنكي»!

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر السبت 03-سبتمبر-2005

مشاهدات 68

نشر في العدد 1667

نشر في الصفحة 15

السبت 03-سبتمبر-2005

مر اتفاق السلام بين متمردي إقليم آتشيه والحكومة الإندونيسية ولم تعره الآلة الإعلامية انتباهًا - خاصة في عالمنا الإسلامي - رغم أن الحدث كبير.

فأزمة آتشيه.. بالنسبة لإندونيسيا تماثل أزمة الجنوب بالنسبة للسودان الشقيق.. وإندونيسيا من حيث الأهمية والاهتمام هي أكبر دولة إسلامية، والمفترض أن تكون قضاياها محل اهتمام من العالم الإسلامي، لكن المفروض شيء والواقع شيء آخر!

ففي زمن الفرقة والتشتت الإسلامي الذي نعيشه يلاحظ المرء أن معظم قضايا المسلمين سواء كانت مع دول أخرى أو حتى في داخل الدولة الإسلامية نفسها يتكفل بحلها طرف أجنبي بمعزل عن بقية المسلمين.. وذلك راجع إلى إرادة غربية استعمارية سعت لشل قدرة الدول الإسلامية على حل مشاكلها بنفسها وحجمتها عن القيام بأي دور خارج حدودها إلا وفق برنامج مرسوم لها يدور في إطار تحرك الدول الكبرى.. لتخدم في النهاية أهداف ومخططات تلك الدول.

فأزمة البوسنة المسلمة التي نشبت في بداية تسعينيات القرن الماضي - وتعرض المسلمون فيها لأقذر حرب إبادة في تاريخ أوروبا على أيدي الصرب - لم يحلها المسلمون بل لم يكونوا طرفًا فاعلًا في حلها، وإنما حلتها الولايات المتحدة بالتوافق مع أوروبا ووفق مصالح الطرفين.. وكذلك الحال بالنسبة لأزمة إقليم كوسوفا المسلم.. كما أن القضية الفلسطينية بيد أمريكا والقضية العراقية كذلك.. بل إن مفاوضات حل مشكلة جنوب السودان جرت في مدينة نيفاشا «كينيا» وهي مدينة غير عربية ولا إسلامية بل في دولة إفريقية بها مقر رئيس المجلس الكنائس العالمي الأرثوذكسي.. أما اتفاق السلام بين حركة آتشيه والحكومة الإندونيسية فقد تم توقيعه في العاصمة الفنلندية «هلسنكي» في منتصف أغسطس الماضي برعاية مجموعة إدارة الأزمات، وهي منظمة غير حكومية يرأسها الرئيس الفنلندي السابق مارتي أهتيساري.. نعود للسؤال: لماذا فنلندا وليس دولة إسلامية ترعى ذلك الاتفاق؟ نقول: إنها المصالح الغربية التي يخترق الغرب أراضينا بكل الطرق لتحقيقها.. ونقول في نفس الوقت، إنه زمن العجز الإسلامي وزمن القابلية للتبعية والأدوار الهامشية.

أعود للاتفاق وإلى إقليم آتشيه.. فالاتفاقية تضع حدًا لحرب طالت لما يقرب من ثلاثين عامًا «بدأت عام 1976م» بين الحركات المتمردة في الإقليم البالغ تعداده أربعة ملايين ونصف المليون نسمة والحكومة المركزية، وراح ضحيتها أكثر من خمسة عشر ألف ضحية من أبناء الشعب الإندونيسي.

أما الإقليم ذاته «آتشيه» فهو ذو مكانة كبيرة في تاريخ الدولة الإندونيسية، فهو أول بقعة دخلها الإسلام من إندونيسيا في نهاية القرن الثالث عشر ومنه انطلق بنوره إلى بقية جزر الأرخبيل الإندونيسي الكبير.. ومن هذا الإقليم انطلقت حركات الجهاد ضد الاستعمار الهولندي وغيره من الاستعمار الأجنبي، وأبلى أهله بلاءً حسنًا في إخراج الاستعمار وتحرير البلاد، لكنه لقي من الأنظمة الدكتاتورية التي حكمت البلاد بعد الاستقلال جزاء «سنمار»، فالرئيس الراحل الدكتاتور سوكارنو ومن بعده الرئيس الأسبق الأشد دكتاتورية سوهارتو فعلًا بأبناء هذا الإقليم الغني بالنفط والغاز ما لا يتصوره عقل بدعم أمريكي وأجنبي بصفة عامة، ولو قدر للجنة أن تمسح أراضي الإقليم لوجدت العشرات من المقابر الجماعية لمن دفنوا أحياء على أيدي سوكارنو وسوهارتو، بل إن شركات النفط الأمريكية التي كانت تقوم بالبحث عن النفط وتنمية حقوله في الإقليم ساعدت حكومة سوهارتو على قمع أبناء هذا الإقليم. 

كل مطالب أبناء هذا الإقليم كانت نيل حقهم في نفط إقليمهم وثرواته الطبيعية، إذ لا يعقل أن يكونوا أشد فقرًا بينما ثروات إقليمهم تحول لخزائن الطبقة الحاكمة الخاصة والخزينة المركزية.. كما كانوا يطالبون بتطبيق الإسلام في إقليمهم.. لكن الحكومات اختارت القمع والإبادة حتى أنهكت الجزيرة وأبناءها واخترقتها كل القوى الطامعة.. فشكلت جماعات متمردة بعضها يساري وبعضها ذو ميول غربية. 

وبدأ الضغط بهذه الجماعات على إندونيسيا وتخلى قادة المتمردين عن المطالبة بتطبيق الإسلام - بل نسوا الإسلام أصلًا- واستقر مطلبهم عند «الانفصال» ولو حدث ذلك لكان ضربة قاصمة للدولة الإندونيسية. 

لكن التغييرات الديمقراطية التي جرت في إندونيسيا في العقد الأخير ومجيء حكومة تسعى للتفاهم والتفاوض أكثر من الحرب وتسعى للملمة جزر البلاد المتناثرة حول الدولة المركزية - فهناك مشكلات مشابهة في جزر أخرى عديدة - أسهم في قطع شوط كبير نحو الاتفاق الأخير.. كما أن كارثة تسونامي التي أصابت جزيرة آتشيه أطفأت جذوة الانفصال التي أشعلها المتمردون.. فكان اتفاق هلسنكي الأخير لتبدأ آتشيه عهدًا جديدًا مع البلد الأم.

الرابط المختصر :