العنوان سموم الجنس والانهيار الأسري
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 30-يونيو-2012
مشاهدات 77
نشر في العدد 2009
نشر في الصفحة 60
السبت 30-يونيو-2012
نعمة البصر من أعظم نعم الله على الإنسان، قال تعالى: ﴿أَلَمۡ نَجۡعَل لَّهُۥ عَيۡنَيۡنِ﴾ (البلد:8)، وقال أيضاً: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفِۡٔدَةَۚ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ﴾ (المؤمنون: 78).
وهي نعمة لا يدرك قيمتها إلا من افتقدها، وإنك لتشعر بعظم هذه النعمة عندما ترى غيرك وقد فقدها، بيد أن كثيراً من الناس - بدلا من أن يشكر ربه على هذه النعمة - يستغلها فيما يغضب مانحها، وتلك آفة تنفث سمومها في الأفراد والمجتمعات والأمم.
ويشهد العصر الحالي ثورة اتصالات مدهشة، حتى صار الشخص يحمل في جيبه جهازاً لا يتجاوز حجم الكف، ولكنه يخزن فيه بيانات ومعلومات وصوراً كثيرة بعضها نافع، وبعضها ضار، فإذا أحسن الإنسان استخدام هذه الأجهزة استفاد وأفاد، أما إن استغلها استغلالاً سيئاً فإن أضرارها تكون بليغة وعواقبها وخيمة، إذ عن طريقها تكشف العورات، ويهتك ستر العفيفات وتشاع الفواحش والمنكرات، وبها ينشر المفسدون فسادهم، ويحققون أغراضهم، فكم من عفيفة طعنت في عفافها، من صديقة أو زميلة نشرت صورتها ، وكم من أسرة مجتمعة فرقتها صورة أشيعت هنا وهناك.
والأدهى من ذلك والأمر أن تفسد طبيعة المرأة والرجل معا، فيقبلان بتصوير فيلم إباحي، أو يشاهدان معا صورا أو أفلاما إباحية.
لقد أدمن كثير من شبابنا وفتياتنا - وهم واقعنا ومستقبلنا - مشاهدة الصور والأفلام الجنسية الغريبة لممثلات ومغنيات عربيات أو شخصيات أخرى عربية وأجنبية وصار الشباب يتناقلونها حتى أدمنوها، وإذا التقى أحدهم برفاقه كان شغلهم الشاغل أن يتبادلوا الجديد في هذه المشاهد المدمرة ثم ينقلها كل منهم إلى الآخرين في سلسلة لا تنتهي من نشر الفاحشة في المجتمع، وقد توعد الله تعالى هؤلاء بقوله عز وجل: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلۡفَٰحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ (النور: 19).
ولقد تطور الأمر وزاد الخطر حتى صارت هناك مواقع على الإنترنت متخصصة في هذا الإثم، وتفننت هذه المواقع الشيطانية في نصب فخاخها للشباب والفتيات المساكين ودفعتهم شياطينهم لاصطياد المراهقين والمراهقات وأتاحت هذه المواقع المرتاديها نقل هذه السموم عن طريق البريد الإلكتروني كما أتاحت للشباب المنحرف أن يكتب مغامراته على هذه المواقع بقصد إثارة القراء بالجنس المحرم، ومن المقزز أن هذه المواقع تشتمل على مغامرات جنسية مع المحارم !! كما يوجد بها قصص تحكي ممارسات جماعية للجنس وأوضاعاً شاذة أخرى، أقل ما توصف به أنها حيوانية لا إنسانية، يعجب المسلم لها، ويحار من كونها سلوكيات تصدر من البشر الذين شرفهم الله بالعقل والتعبد له سبحانه.
ولهذه القصص فعل السحر بقارئها ذلك أن القارئ لها يتخيل أبطال القصة كما يشتهي، ويتصورهم في خياله، ومن ثم تدفعه إلى ممارسة الرذيلة في صورها المتعددة، وما أكثر الأسر التي انهارت بسبب هذه القصص.
ما أحوجنا إلى حملة إصلاح لقلوب شبابنا وفتياتنا ورجالنا ونسائنا لتخليصهم من هذا الوباء الأخلاقي لحماية أسرنا ومجتمعاتنا من الضياع والانحلال.
إن القلوب تعتصر ألماً عندما نجد كثيراً من الناس لا يرون في ذلك خطراً، ومن ثم لا يرى خطرا في نقلها، ولا يدرك أن ذلك يهوي به في درك سحيق من المعصية، وقد ينزل به إلى كبائر الذنوب، ويدفع به ومن يرسل إليهم هذه الإباحيات إلى الوقوع في الموبقات.
إن هذا الخطر يقض المضاجع، وخاصة أن نيرانه صارت تكوي بيوت المسلمين حتى تلك البيوت التي تبدو ملتزمة، فلقد حضرت مجالس كثيرة للصلح بين الزوجين وسمعت شكاوى كثيرة مزعجة، والحق أن الشكاوى معظمها جاءت من الزوجات اللائي يشتكين أزواجهن، وكان من هؤلاء الأزواج من يصارح وهناك من ينكر، فيكون بذلك قد أوقع نفسه في آثام كثيرة، بدأت بمشاهدة صور أو أفلام إباحية، ومرت بالكذب والنفاق، وانتهت بالخداع ودمار الحياة الزوجية، وتفسخ الأسرة والإصابة بأمراض نفسية لا تصيب الرجل فحسب، بل تتجاوزه إلى الزوجة والأولاد!!
قال لي أحد هؤلاء الإخوة: «إني أراني بين إخواني في المسجد والدعوة أخا ملتزما، ثم إذا خلوت بنفسي رأيت نفسي شيطانا ...
ثم بكى الأخ بكاء شديدا، وخاصة بعد أن ذكرته بنعمة البصر والزوجة والأولاد والعجيب أنه كان قد تعرف على إحدى الفتيات ونسج في خياله أحلاما وردية معها وعاش قصة حب خيالية نسجها خياله وانتهت بزواج خيالي أيضا، دونما قدرة على نفقات الزوجة الثانية، ودون أن تكون لديه مقومات الاستمساك بأسرته التي كافحت معه وسيسأله الله تعالى عنها !!
وفي جلسة أخرى فتن الأخ الملتزم بإنسانة بعيدة عنه تماما، في الالتزام، والفكر وفلسفة الحياة، وتخيلها زوجة له في المستقبل، حتى اكتشفت زوجته ذلك، وكادت هذه الفتنة تودي بهذه الأسرة إلى الضياع، والمؤلم أن ذلك كاد أن يتم بسبب رب البيت الذي تناط به حماية الأسرة، والحفاظ على نسيجها.
حسب من تسول له نفسه بأن يمتع ناظريه بالحرمات أن يدرك أنه إذا كانت أعين الناس غابت أو نامت فعين الله ناظرة إليه لا تنام، قال تعالى: ﴿أَلَمۡ يَعۡلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾ (العلق: 14).
وما أحوجنا جميعاً إلى الحذر من إحباط أعمالنا الصالحات بسبب هذه الآفة، عندما يعصي الإنسان ربه عندما تغيب أعين الناس قال لأعلمن أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء فيجعلها الله هباءً منثوراً، ألا إنهم إخوانكم ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها (رواه ابن ماجه).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل