%48 من أساتذة الجامعة ليسوا أكاديميين
سيستفيد من نظام المنح 30 ألف طالب وطالبة وقد زادت منحة طلبة المرحلة الثالثة على 400 دينار تونسي في السنة وطلبة الدكتوراه ألف دينار
أشعر بمعاناة بناتنا الطالبات اللواتي يسمح لهن القانون بسنة واحدة في المبيت.. وسنشرع في بناء 12 مبيتاً جديداً بمختلف أنحاء البلاد بكلفة مائة مليون دولار
د. منصف بن سالم وزير التعليم العالي والبحث العلمي التونسي، هو عالم فيزياء يعمل 14 ساعة يومياً، رغم وضعه الصحي، بسبب سنوات الجمر، بتعبيره، والتي رغم قساوتها، نجا منها هو وآلاف آخرون من الموت البطيء الذي كانوا يتعرضون له داخل السجون؛ إذ إن «ظروف السجن كانت تكريساً لسياسات التشفي من كوادر علمية فهمت الحياة بماضيها وحاضرها ومستقبلها وفلسفاتها بطريقة مغايرة عن تلك التي كانت سائدة في تونس ».. وكان من دعاء منصف بن سالم بعد كل صلاة كما يقول وهو يتعذب داخل السجن أن يموت وبشكل أدق «أن يرفع الله أمانته .
منصف بن سالم واحد من أهم النوابغ في تونس، منذ الصغر، واعتلى كرسي التدريس في الجامعة وهو في بداية شبابه، أي لم يتجاوز الـ 25 عاماً، وساهم في تأسيس جامعة صفاقس، مسقط رأسه، وفي أثناء حكم «بورقيبة » ثم «بن علي» تعرض للسجن، حيث خضع لعمليات تدمير نفسي وبدني ومهني ومنع من السفر، واضطر عالم الفيزياء والباحث والأستاذ الزائر لعدد من الجامعات الغربية إلى بيع الخضر في السوق لإعالة أسرته، وما إن نجحت الثورة التونسية
حتى تبوأ المكانة التي تليق بأمثاله، وهو اليوم يواصل الليل بالنهار من أجل تحقيق أحلامه التي هي أهداف الملايين، وهو تحويل تعليمنا العالي، من درجة القدرة على استخدام أدوات المعرفة إلى درجة المساهمة في صنعها.. وقد أفسح معاليه المجال لـ «المجتمع » للحديث عن هموم التعليم في تونس، قاطعاً اجتماعاً مع كبار المستشارين والخبراء، وهو ما يشكر عليه جزاء الشكر.
* وكان السؤال الأول حول ما كان بصدد عمله قبل هذا اللقاء، وبالطبع تطرقنا لما سيكون بعده.. فأجاب:
- أمامنا عمل كثير، مثلاً، لدينا لجان انتداب أساتذة في الجامعة، وهذه اللجان كان من المفروض أن تجتمع في الصيف وتعطينا نتائجها قبل الخريف ليتم إعلام الأساتذة المترشحين للتدريس بالجامعة قبل افتتاح السنة الجامعية حتى يعلم كل مترشح إن كان قد نجح في المناظرة، وأين تم تعيينه، وفي أي كلية؛ فيتصل بالكلية ويتسلم منها البرنامج الذي سيقوم بتدريسه حتى يكون جاهزاً للتدريس في يوم 15 سبتمبر، ولكن ذلك لم يحدث، ونحن نتلقى الآن نتائج هذه المناظرة أي بعد 5 أشهر من التأخير، ونقوم الآن بالتوقيع على هذه النتائج، من نجح ومن لم ينجح، وهو أمر غير مقبول.
* تحدثتم عن زيادة منح الطلبة، لو توضحوا لنا أكثر؟
- أعلنا عن الزيادة في المنح الطلابية، بعد دراسة، وواجهتنا عدة خيارات، وقد فضلنا الخيار الذي سيستفيد منه 30 ألف طالب وطالبة، وقد زادت منحة طلبة المرحلة الثالثة عن 400 دينار في السنة، وطلبة الدكتوراه زدناهم ألف دينار في السنة، والطلبة الذين يرسبون تقطع عنهم المنحة، وإذا نجحوا تعاد إليهم المنحة، وعلى مستوى الدولة يوجد هذا السؤال، وهو زيادة الأجور للعمال، أو زيادة عدد العمال بتوظيف العاطلين، لأن الميزانية لا تسمح بهذا وذاك، وعندما نتفاوض مع النقابيين نطرح عليهم هذا الإشكال، زيادة الرواتب لمن يقبضون 500 دينار، أو منح راتب لمن لا يقبض شيئاً بتوفير فرصة عمل له، من خلال تخفيض نسبة الزيادة في الأجور إلى نحو 50 %.
* ما الأسباب التي أهملت مشكلات وضروريات الجانب التعليمي قبل الثورة وبعدها؟
- هذه تراكمات الماضي البعيد والقريب، وفيها ما هو عفوي، لأن الحكومة السابقة كانت حكومة تصريف أعمال، ولم يكن بوسعها القيام بأي عمل، وهي مشكورة على كل حال، ولكن هناك تراكمات كبيرة كانت أكبر من الحكومة السابقة، ومطروح علينا نحن كحكومة شرعية أن نحل هذه المشكلات، ولكننا اصطدمنا بوضعية أخرى أصعب منها هي غياب الدستور، والحكومة الحالية تعمل حالياً في ظل غياب الدستور، وهي تتحرك وتتصرف في حدود المناشير والمراسيم التي صدرت في العهد السابق وليس لنا الحق في أن نتجاوزها، فكيف يمكنني وأنا مكبل اليدين والساقين ثم يرمى بي في البحر ويقال لي: إياك إياك أن تبتل بالماء؟! كيف تريد مني أن أنتج في ظل قوانين معوجة ظالمة، ورغم ذلك لا يجوز لي تجاوز هذه القوانين؟! ولو كان لدينا دستور لاستندنا للدستور في تحوير هذه القوانين، ومن خلال هذه الإطلالة على المشكلات يمكنكم معرفة مدى الصعوبات التي نعيشها للارتقاء بالمؤسسة التعليمية.
* ما طموحاتكم التعليمية؟ وهل هناك مشاريع في الأفق؟
- نريد أن نبني المزيد من المبيتات لطالباتنا وطلبتنا الذين يبيتون كيفما اتفق، وإن شاء الله سنشرع في بناء 12 مبيتاً جديداً، مع مطاعمها، في مختلف أنحاء البلاد بكلفة مائة مليون دولار، ولدينا مشاريع كليات جديدة، ومستشفيات داخل المرافق التعليمة، وأشعر بمعاناة بناتنا الطالبات اللواتي يسمح لهن القانون بسنة واحدة في المبيت ثم يطلب منهن البحث عن سكن، وقد اتصلت بالمؤسسات المختصة لبدء الانطلاق في عملية البناء، وقيل لي: إنه لا يمكن البدء في الإنجازات إلا بعد عام و 3 أشهر على أقل تقدير وفق القانون ساري المفعول، وهذه إجراءات بيروقراطية روتينية مكلفة ومرهقة
لمن يريد أن يعمل ويخدم بده، ولكننا ا لحريصون على أن تطال ثمار الثورة جميع جهات البلاد.
* إذن، حائط الصد القانوني إن صح التعبير، كيف يمكن حل هذه المعضلة؟
- في إحدى اجتماعات الحكومة طالبت بتجاوز هذه القوانين، عبر المجلس الوطني التأسيسي، فنحن مكبلون ونحتاج لضوء أخضر من المجلس التأسيسي لتجاوز هذا الركام وهذا الخراب، وهذا ما يفسر عدم ظهور المشاريع التي تعتزم الحكومة إقامتها، فالقوانين المنظمة للعمل الحكومي تكبلنا جميعاً، وبخصوص بعض مشاريع الوزارة، نجد أنفسنا في نفس الوضع، فأنا أريد أن أبني في الأماكن النائية والداخلية، وهو ما يريد الشعب أن يراه، ولكن القانون الذي لم يرحل بعد يكبلني، والمواطن لا يعرف ذلك ويريد أن يرى الأرض فُحر ت والبناء يعلو، بيد أن ذلك لن يحدث إلا بعد عام وثلاثة أشهر؛ أي بعد أن ترحل هذه الحكومة.
* هل ستحدث تغييرات على المستوى «البيداغوجي » التربية والتعليم؟
- بالنسبة للجامعات التونسية، نسبة المدرسين المنتدبين اللجان لا يتجاوزون الـ 52% فقط، و 48 % من المدرسين ليسوا جامعيين، وإنما هم منتدبون بصفة مؤقتة، وبعضهم أساتذة تعليم ثانوي، وبعضهم مهندسون، ارتبطوا
مع الجامعة بعقود مؤقتة، وهذا له مردود سلبي على المستوى الجامعي للخريجين، ونحن بصدد إصلاح هذا الخلل، وهو لن يكون هناك أستاذ جامعي بدون المرور على لجان انتداب.
غياب الكادر اللازم يفتح السؤال عن هجرة الأدمغة، وإفراغ الجامعات من النوابغ.. ما تعليقكم؟
- سأذكر لكم حقيقة مفزعة وهي أن طلبتنا في مجال الهندسة والطب يذهبون للدراسة في المراكز التعلمية، ولا يعود منهم سوى 5% فقط، وكلفة دراستهم هي الأعلى لميزانية التعليم.
كانت هناك قوتان تتجاذبان النوابغ؛ قوة تدفع بهم للخروج، وقوة تدفع باتجاه جذبهم للخارج، ولا يبقى من النوابغ إلا من كان له رصيد كبير من الوطنية والعقيدة، ليبقى في تونس وهم نسبة 5%، وبعد الثورة أعرب العديد من النوابغ والعلماء عن استعدادهم للعودة، وأسباب هجرة الأدمغة مركبة، منها لأسباب سياسية وفقدان الحريات، ومنها البحث عن المال، إذ إن أجرة الأستاذ الجامعي في تونس هي الأدنى مقارنة بالجزائر والمغرب، إضافة لنقص المختبرات، مقابل الحرية الفكرية والمغريات والإمكانات في الخارج.