; سوريا: قضايا الشأن الداخلي لا تقل أهمية عن الملفات الإقليمية | مجلة المجتمع

العنوان سوريا: قضايا الشأن الداخلي لا تقل أهمية عن الملفات الإقليمية

الكاتب الطاهر إبراهيم

تاريخ النشر الثلاثاء 28-نوفمبر-2000

مشاهدات 53

نشر في العدد 1428

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 28-نوفمبر-2000

بعد صمت لأسابيع عدة عقب نشر وسائل الإعلام البيان الذي وقعه 99 من المثقفين السوريين في ۲۷ سبتمبر الماضي ينتقدون فيه تردي الوضع الديمقراطي في سورية، وكان قد سبق ذلك البيان تشكيل «حركة المجتمع المدني» بدأنا تسمع تصريحات لبعض المسؤولين السوريين يقللون من شأن ملك الحركة وينعتون معوقي البيان بالطوباوية وبأنهم يعيشون في قصور عاجية «أنظر ما كتبه رئيس تحرير «الحياة» وهو ينقل تصريحات مسؤول سوري لم يذكر اسمه في ٢١/١٠/٢٠٠٠م»

وبالرغم من أن هذا المسؤول زعم بأن القيادة السورية لم تنزعج من بيان المثقفين ولا من التحرك الذي تقوده «حركة المجتمع المدني» حول استعمال القيادة الجديدة لاتخاذ: «خطوات جذرية واسعة نمو الانفتاح والتعددية والديمقراطية والغاء حالة الطوارئ والانخراط في اقتصاد السوق..» إلا أن هذا المسؤول حاول أن يجد المبررات للقيادة السورية في تأخرها عن اتخاذ تلك التطورات وأهم هذه المبررات: «أن الرئيس بشار لم يكمل بعد الأشهر الثلاثة وأمامه الكثير من الملفات الساخنة» وذكر عددًا من الملفات الإقليمية.

لكن ما الذي يمنع القيادة الحالية من إسراع الخطى نحو هذه الإصلاحيات التي يستعملها السوريون في الوقت الذي تعد فيه العدة لمواجهة تلك الاستحقاقات الاقليمية؟ أم يريد ذلك المسؤول أن يعود بنا إلى حقبة الستينيات عندما كانت المعركة مع الصهاينة تتخذ حجة الشطب أي خيار ديمقراطي، وكان شعار «لا صوت يعثر على صوت المعركة» يتخذ غطاء تصادر لحله معظم حقوق المواطنين وعندما حلت هزيمة ١٩٦٧م، وجدنا أننا قد خسرنا المعركة التي كان صوتها يعلو فوق حقوق المواطنين.

إن «المثقفين السوريين لم يطلبوا المستحيل، وما طلبوه حققته دول أوروبا الشرقية، التي تخلصت في أواخر عقد الثمانينيات من وصاية الاتحاد السوفييتي، دون قانون طوارئ أو أحكام عرفية وفي وجود صحافة حرة ولم يثنها عن ذلك أنها كانت حديثة عهد بحكم الأحزاب الشيوعية المستبدة.

السوريون لم يطالبوا بتغيير الحكومة الحالية، وليسوا معنين بالتغييرات التي تحصل في قيادات حزب البعث وليسوا مستعجلين فتح الأوراق المالية فأغلبيتهم الساحقة لا تملك أموالًا فائضة توظفها في تلك السوق، ولا يريدون الفقر إلى العربة الأولى من «قطار السلطة» فإنهم يركبون باصات النقل الداخلي موديل ١٩٦٠م. وما يطالبون به يتمثل بتغيير بعض القوانين «سيئة السمعة التي انتقصت خلال عقود أربعة من حرية المواطن الذي يريد أن ينعم بالحرية التي صودرت منه لعقود طويلة، وأن يأمن على نفسه التي أصبحت رخيصة لدى أجهزة الأمن وأن يعيش في ظل تعددية سياسية، وأن يعبر عن رأيه من خلال صحافة حرة.

إن استعجال الإصلاحات له ما بدوره في ظل الأوضاع الحالية، كما أنه ليس من هؤلاء من يعيش في أبراج عاجية، فإن معظمهم يعيش في شقق مستأجرة، لأنهم لا يملكون شققًا خاصة بينما يملك غيرهم القصور التي بنيت من المال الذي اقتطع من المال العام. 

وإذا كان تغيير بعض القوانين الاقتصادية يحتاج بعض الوقت كي لا تحصل فجوة بين وضع سائد ووضع جديد، فإن هذا المحظور غير وارد عند إلغاء القوانين التي تضيق على الحريات وتحد من هامش الديمقراطية مثل قانون الطوارئ علمًا انه صدر منذ تولي الرئيس بشار اكثر من ٥٠ مرسومًا يعالج نواحي هامشية في الاقتصاد ولم يصدر حتى الآن أي مرسوم يعالج تردي الوحي الديمقراطي، ولم يطلق سراح إلا عدد قليل من المعتقلين، ولا يزال عشرات الألوف من المتغير ينتظرون حلًا عادلًا لوضعهم بعد أن تقطعت بهم السبل أمام القنصليات السورية في الخارج، حيث يرفض موظفو الأمن فيه تجديد جوازات السفر إلى بعد أن يعلن المواطن توبته عن ذنب لم يقترفه وأن يتعهد خطيًا بأن يصبح جاسوسًا على مواطنيهم المغتربين

الوضع الإنساني

وإذا كان النظام يحتاج بعض الوقت لإصلاح قانون الإيجار، فإن معالجة الوضع الإنساني للمعتقلين السياسيين الذين أمضى بعضهم أكثر من عشرين عامًا، دون حكم محكمة مخلصة في ظروف اعتقال بالغة السوء، لا يتطلب أكثر من مرسوم بسيط يقضي بإطلاق سراحهم، وإنهاء مأساة هؤلاء المعتقلين وأسرهم بعد أن غدوا هياكل عظيمة ينخر فيها الداء العضال بسبب تردي وضعهم المعيشي والصحي داخل المعتقلات. 

وإذا كان من حق الرئيس بشار أن يعطي الفرصة لتنفيذ ما الفصح عنه من إصلاحات في خطاب القسم، فإن الشعب يريد ألا تطول هذه الفرصة، وأن تكون الإصلاحات واقعًا ملموسًا، وألا تقتصر على بعض نواحي الاقتصاد بل تعداها إلى كل نواحي الحياة وألا توضع ضوابط على الإصلاحات بحيث تتحول إلى مزيد من التطبيق وألا تترك للبيروقراطية لتدفنها في أدراج المكاتب.

أسلوب أمني

ولقد كان لافتًا أن ذلك المسؤول السوري لم يرد التحية بمثلها، عندما سئل عن الإشارات الإيجابية التي تضمنتها مؤخرًا تصريحات المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين السوريين تجاه الوضع الجديد، فبدلًا من أن يرد بما تقتضيه اللياقة استعمل الأسلوب الأمني عندما وصف جماعة الإخوان المسلمين بالضعف رافضًا عودة مجموعاتها القيمة في الخارج ما لم يدينوا الإرهاب، وفي هذا السياق نحب أن نذكر هذا «المسؤول السوري» من الإخوان المسلمين في سورية لم يتوانوا في إدانة الإرهاب بشتى صوره سواء أكان إرهابًا من قبل الشرطة أو من قبل الأمراء، وليس صحيحًا ما يلصق بين الحين والآخر باسم الإخوان المسلمين من أعمال خارجة عن القانون.

ولا ندري ماذا كان يقصد ذلك بوصفه «جماعة الإخوان المسلمين» «بأنهم ضعفاء وأنهم يريدون العودة للمشاركة في السلطة بعد كل الذي فعلوه»؟ نود أن نسأل عن مظاهر الضعف الذي يعنيه؟ 

فهل من مظاهر الضعف بقاء الإخوان المسلمين السوريين كجماعة فاعلة على الساحة لها حضورها التميز أكثر من ستين عامًا، رغم التضييق الذي مارسته الحكومات التي تعاقبت على سورية، وهي تريد أن تنهي وجودها، بينما وجدنا أن معظم الأحزاب الأخرى أضمحلت أو تلاشت وان من بقي منها على الساحة أصبح وجوده هاشميًا.

وهل يندرج تحت مسمى الضعف ثباتهم على مبادئهم التي التزموا بها؟ أم دفاعهم عن قضايا الأمة العربية والإسلامية؟ في الوقت الذي رأينا أحزابًا تقدمية كانت ترفع راية العداء لأمريكا، فلما وصل بعضها إلى الحكم، دخل تحت راية أمريكا. 

ام أن الأمور قد انقلبت فتصبح ثبات جماعة الإخوان على موقفها المنادي بالتصدي الحقيقي للصهيونية حتى يتم إنهاء وجودها من الخريطة الفلسطينية يعتبر ضعفًا، بينما يوصف بالقوة موقف الأحزاب التي كانت تقتات على الشعارات التي تنادي بإلقاء الكيان الصهيوني في البحر وتحرير الأرض العربية من البحر إلى النهر، فلما صار لهذه الأحزاب دولة دخلت في مشروع «السلم العادل» حسب زعمهم، وأصبحت تنادي بما وصف سلام الشجعان والانسحاب إلى خطوط ٤ يونيو ١٩٦٧م، وكان الأرض التي احتلت قبل ٤ يونيو لم تكن أرضًا عربية!

نعم إن الإخوان المسلمين السوريين يريدون العودة إلى سورية لسببين رئيسين: 

الأول: لأن من حقهم الطبيعي الذي ورثوه عن أجدادهم أن يعيشوا في وطنهم، وهويتهم إلى هذا الوطن ليست من، من أحد عليهم، بل إن منعهم من هذه العربة هو أبشع أنواع اغتصاب الحقوق وإن استحواذ أجهزة الأمن على السلطة في سورية، لا يعني أنها قد أصبح لها الحق في أن تمنع من إنشاء من المواطنين من حق العودة إلى الوطن متي غضبت وتمن عليهم بهذه العودة متى رضيت. 

الثاني: لقد جربت سورية فئات كثيرة تعاقبت على العمل في ميدانها، وقليل من هذه الفئات كان يعطي الوطن أكثر مما يأخذ منه والإخوان المسلمون في رأس هذه القلة، وآن لسورية أن تستفيد من خبرة أبنائها المخلصين.

وأخيرًا لا بد أن ننوه بأن المعاني التي حواها بيان المثقفين ال٩٩ قد تضمنتها بيانات جماعات الإخوان المسلمين التي كانت تصدرها بين الحين والآخر، بل إنها تكاد تتطابق مع الطرح الذي كانت تطرحه الجماعة من خلال رؤيتها للسبيل الأمثل في نقل سورية من حكم الفرد الواحد والحزب الواحد إلى التعددية السياسية ومبدأ التداول السلمي الديمقراطي للحكم.

 

الرابط المختصر :