العنوان سوريا وتطورات الأوضاع العربية
الكاتب محمد امين العباس
تاريخ النشر الثلاثاء 27-ديسمبر-1988
مشاهدات 64
نشر في العدد 897
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 27-ديسمبر-1988
- القيادة السورية تخشى أن تتبنى الجامعة العربية موقفًا يرمي إلى جلاء القوات المسلحة غير اللبنانية عن أرض لبنان
- سياسة غور باتشوف الداعية إلى تقليص النفوذ السوفياتي في الشرق الأوسط قد ينعكس سلبًا على العلاقات المتميزة مع سوريا
- معطيات الساحة اللبنانية تؤكد تطورات الأزمة ودخولها لمرحلة بالغة التعقيد بعد تدخل أطراف إقليمية ضمن الصراع الدائر هناك
ضمن إطار التفجر المتسارع في أحداث المنطقة، قام حافظ الأسد بزيارته المفاجئة للرياض في الرابع عشر من الشهر الجاري وقد رافق الأسد بالإضافة إلى وزير خارجيته نائبه عبد الحليم خدام الذي يعتبر «عراب» الاستراتيجية السورية فيما يتعلق بالأزمة اللبنانية وتأتي زيارة الرئيس السوري للرياض ضمن خطة سورية تستهدف توضيح الموقف السوري من تطورات الصراع العربي - الصهيوني على ضوء مقررات الجزائر للمجلس الوطني الفلسطيني وفي أطر المتغيرات الإقليمية والتطورات التي اكتنفت الساحة اللبنانية في أعقاب إنهاء الحرب العراقية - الإيرانية، والمؤشرات الدلالية تؤكد اهتمام الرياض الثابت بمجريات الساحة اللبنانية.. والتي كانت مدعاة رئيسية في الدعوة لتنقية الأجواء العربية. تطلعًا إلى انعقاد القمة العربية. ومن ثم فتح الملف اللبناني والسعي إلى نزع فتيل الاشتعال المتأجج بين أطراف النزاع وصولًا إلى توجيه قطار الحل والاستقرار السياسي نحو أهدافه ومن جانب آخر فإن الزيارة تتزامن مع انعقاد القمة الخليجية في المنامة. وهنا يذكر بأن أحداث المنطقة ليست بعيدة عن جدول الاهتمامات الخليجية لا سيما وأن حالة الانفراج في العلاقات العربية - العربية سوف تدفع باتفاق وجهات النظر تجاه كثير من القضايا العربية الساخنة وقضايا التضامن العربي وعودة مصر إلى جامعة الدول العربية وما يتبع ذلك من أحداث. ولذا فإن حافظ الأسد يحرص ويتطلع إلى تفهم القيادة السعودية لوجهة النظر السورية كما يتطلع إلى دعم سعودي لمحددات الملف اللبناني ضمن الاستراتيجية السورية وأحقيتها في معالجة أحداثه بما يتناسب والمواقف السورية السابقة.
الملف اللبناني
معطيات الساحة اللبنانية تؤكد تطورات الأزمة ودخولها المرحلة بالغة التعقيد بعد تدخل أطراف إقليمية ضمن الصراع الدائر هناك. فالأوضاع الداخلية المتفجرة في بيروت في غضون الغياب الدستوري للمؤسسات ورأس الدولة والانشطار شبه التام بين بيروت الشرقية والغربية مما ينذر ببوادر التقسيم.. فكانت الدعوة العربية إلى انعقاد قمة عربية خاصة بالأزمة اللبنانية وفي تقدير القيادة السورية أن كل تحرك عربي في الساحة اللبنانية لا بد وأن يؤكد جدية الدور السوري في إيجاد الحل اللازمة اللبنانية كما أن سوريا ترفض التحرك -أیًا كان مصدره- في الساحة اللبنانية إذا كان متعارضًا مع مصالحها الاستراتيجية في لبنان وهي في ذلك لا تعارض الدور العربي في حل الأزمة - كما صرح مصدر سوري مسؤول - وإنما تحطاط السلامة سياستها من التشكك والادعاء عليها بعدم المصداقية في تجاوز أسباب الأزمة.. ولهذا فهي تضع شروطًا محددة إذا ما أصرت الجامعة العربية على مناقشة ملف الأزمة اللبنانية ضمن لقاء قمة عربية.
فالقيادة السورية تخشى أن تتبنى الجامعة العربية موقفًا يرمي إلى جلاء القوات المسلحة غير اللبنانية عن أرض لبنان وبذلك تفتقد وضعها المميز هناك فدمشق ترى أن قطار الحل يستلزم عدة تغيرات حتى يصل لمحطة «لا غالب ولا مغلوب» خاصة وأن مسألة التقسيم تبقى قضية مرفوضة من قبل الأطراف الرئيسية في النزاع وفقًا لتصريح القيادات الدينية وإصرار مفتي لبنان الشيخ حسن خالد في مقابل مشروع البطريرك نصر الله صغير بطريرك الطائفة المارونية الداعي للتمسك بوحدة التراب اللبناني، وحتى تبقى الورقة السورية محتفظة بمرونتها تجاه التطلعات العربية فإنها لم تعد تتمسك باتفاق مورفي فيما يتصل بتسمية الرئيس اللبناني مما يمهد السبيل أمام الدعوة لإجراء الانتخابات في أسرع فرصة ممكنة وهنا تتمكن سوريا من إبداء المزيد من مساعي الحلول تفاديًا لتفلت الأوراق اللبنانية خارج استراتيجيتها.
عودة مصر
المساعي التي بدلها الملك حسين في أعقاب توقف الحرب العراقية - الإيرانية وضعت في حساباتها منذ البداية ضرورة التواصل السوري مع شقيقاته في المشرق العربي خاصة بين سوريا ومصر من جانب وسوريا والعراق من الجانب الآخر وفي الرياض كانت مشكلة العلاقات السورية مع مصر والعراق ضمن أكثر الموضوعات أهمية. لا غرو وأن العربية السعودية لها تاريخ طويل مع المساعي من أجل إزالة الجفوة غير المبررة بين العراق وسوريا.
وأما فيما يصل سوريا بمصر فإن القيادة السورية كانت دائمًا تشترط ضرورة تحلل مصر عن اتفاقيات «كامب ديفيد» كشرط رئيسي لموافقتها على عودة مصر الجامعة الدول العربية وربما ترى دمشق أن اعتراف مصر بالدولة الفلسطينية يعد خرقًا واضحًا لاتفاقيات «كامب ديفيد» إلا أن هذه الخطوة وإن كانت إيجابية غير أنها دون مستوى إلغاء أو رفض الالتزام بتلك الاتفاقيات.
وقد ذكرت مصادر صحفية مطلعة أن سوريا ربما توافق على عودة مصر في مقابل إيقاف العراق لدعمه العسكري لحكومة ميشيل عون.
فلسطين وتنقية الأجواء
تسعى العربية السعودية بمختلف الأساليب وعلى كل المستويات على إيجاد صيغة للتضامن العربي تضمن مواكبة الأحداث في المنطقة وتوقف من ثم حالة التدهور تجاه كثير من الأزمات التي تحيط بالدول العربية وفي هذا النضج اقترحت في وقت سابق من هذا الشهر إقامة مصالحة سورية فلسطينية وقد وجد الاقتراح السعودي تأييدًا سوريا ووافق حافظ الأسد من حيث المبدأ على الفكرة -وفقًا لتصريح سوري مسؤول- على أن تجري الاتصالات في المستقبل لبحث التفاصيل والإجراءات حول هذا الموضوع.. وفي شأن القضية الفلسطينية تعتبر سوريا مشاركًا فاعلًا في كثير من أحداث المسألة الفلسطينية وقد لعبت دمشق دورًا واسعًا في فترات سابقة إلا أنها اختلفت فيما بعد مع القيادة الفلسطينية في لبنان ودخلت في صراع حاد جنت سلبياته لبنان والشعب الفلسطيني ومنظمة التحرير من ثم.. كما أن سوريا كانت قريبة من انقسامات منظمة «فتح» وكذلك «م. ت. ف»، مما جعل الشقة متباعدة بين عرفات والأسد ومع التغيرات التي طرأت على أحداث المنطقة تجد دمشق أن ضرورات المرحلة تقتضي كثيرًا من التفهم كما أن الانعزال عن المشاركة ربما يلقي بظلال انكماشية على وضع سوريا في المنطقة لهذا فإن دمشق تسعى للتقارب مع المنظمة.
ومع العراق
وفي الجانب الآخر أطلق الرئيس العراقي صدام حسين دعوة صريحة من أجل تنقية الأجواء العربية وذكر في هذا الشأن بأن بلاده لا تمانع في إقامة علاقات متكافئة مع سوريا وأنه مستعد لتناسي كل الأزمات العاصفة التي أحاطت بالعلاقة العراقية - السورية وهنا يذكر بأن سوريا ردت على الدعوة العراقية بأنها لا تألو جهدًا في إقامة علاقات وطيدة مع العراق ودونما شروط كانت فيما قيل تتمسك بها في مقابل إقامة العلاقات.. وعلى الرغم من التفاؤل الذي تتم عنه دعوة العراق وسوريا في تصفية ما شاب علاقاتهما السابقة إلا أن درجة التشابك وتعقيدات المنطقة ما زالت تقتضي بعض الوقت حتى تتجلى سحابة القطيعة بين دمشق وبغداد.
دعوة وحدوية
وأما فيما يختص بالأردن فإن القيادة السورية تحتفظ بعلاقة معقولة إلا أنها لا ترقى لعلائق الأردن بكل من بغداد والقاهرة، فالملك حسين أطلق في الآونة الأخيرة تطلعات وحدوية طموحة فقد نقلت الأنباء في أنه يسعى إلى إقامة تفاهم سياسي بين كل من بغداد ودمشق والأردن واليمنيين، وقد تتأطر تلك الدعوة في شكل مجلس تعاون ينسق خطوات دول المنطقة وهي خطوة بكل المقاييس تعد متقدمة ومستقبلية مدركة لطبيعة التطورات الدولية غير أن إمكانية تحقيقها ما زالت دونها عقبات ولا بد أن تسبق بتحقيق علائق سياسية متينة تبنى على ضوئها الخطوة الوحدوية.
انعكاسات دولية
في العلاقات الدولية فإن دمشق تحتفظ بعلاقات ربما فوق الامتياز بقليل مع كل من إيران والاتحاد السوفياتي طيلة الفترات الماضية إلا أن التطورات الدولية سوف تنعكس بشكل قد لا تساعد تلك العلاقات على تنمية ذاتها إن لم تصبها درجة من التقلص والانكماش تعيدها إلى وضع عادي.. وأما فيما يتعلق بالعلاقات السوفياتية فإن سياسة غور باتشوف الداعية إلى تقليص النفوذ السوفياتي في الشرق الأوسط والتنازل عن أخلاقه السابقة لمصلحة الأمريكان أو هكذا تشير لعبة التقسيمات الوفاقية قد ينعكس بالضرورة سلبًا على العلاقات المتميزة بين سوريا والاتحاد السوفياتي ومن هنا لا بد من أن إعادة ترتيب العلاقات الخارجية في جو يتسم برضى دول المنطقة ولعل هذا وراء مساعي إعادة تحسين العلاقات مع بعض الدول الغربية كما أن ذات الدافع يؤثر بالتأكيد على العلاقات العربية وتكييف الوضع السياسي بتناسب طردي مع التطورات العربية.