; سياحة القلب المؤمن.. طريق الخلاص | مجلة المجتمع

العنوان سياحة القلب المؤمن.. طريق الخلاص

الكاتب الأستاذ سيد قطب

تاريخ النشر الثلاثاء 07-مارس-1978

مشاهدات 125

نشر في العدد 389

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 07-مارس-1978

 «تابع العدد السابق»

 خلاصة ما سبق: بين الشهيد أن البشرية ليس من عاداتها الاستجابة لمنهج مقروء أو مسموع، ما لم يتمثل في صورة مجتمع، لذلك إذا أردنا إقناع البشرية بأحقية الإسلام، فلا بد من وجود مجتمع إسلامي..

 هذا المجتمع الإسلامي هو طريق الخلاص للبشرية، ووجوده ضرورة إنسانية وحتمية فطرية، ولكن حتمية الميلاد لا تعفي عن ألم المخاض.

 وفي حديث الشهيد عن مدى حاجتنا في الوقت الحالي الذي يهجر فيه شرع الله إلى فقه متطور، كان آخر ما أوردناه في العدد السابق، ومن ثم فإنه ليس الفقه الإسلامي هو الذي نتقيد به في إنشاء هذا المجتمع، وإن كنا نستأنس به، إنما هو الشريعة الإسلامية والمنهج الإسلامي والتصور الإسلامي العام.

 وهذا يتطلب ابتداءً، أن ترضى جماعة من البشر اتخاذ الإسلام منهج حياة، وتحكيمه في كل شأن من شؤون هذه الحياة، أي إفراد الله -سبحانه وتعالى- بالألوهية والربوية، في صورة إفراده -سبحانه وتعالى- بالحاكمية التشريعية. ولحظتئذ -لا قبلها- يوجد المجتمع الإسلامي، ويبدأ في مواجهة الحياة القائمة، بينما هو يكيف نفسه، وأوضاعه، وحاجاته الحقيقية، ووسائل إشباع هذه الحاجات، متأثرًا بعقيدته، وما تنشئه من تصورات خاصة، ومتأثرًا بأهدافه وما تعينه من وسائل خاصة، ويتأثر بطريقته المنهجية الخاصة في مواجهة الواقع والاعتراف بما هو فطري من هذا الواقع، وما هو ضروري للنمو، وما هو ضار ومعطل وساحق لهذا النمو، من ذلك الواقع، وفي خلال هذه المواجهة بكل هذه الملابسات، ينشئ أحكامه الفقهية الخاصة، أولًا بأول، في مواجهة وضعه الخاص..

 وهنا.. قد يخدم هذا المجتمع الناشئ ما حسبناه -وما نزال نحسبه- سوء حظ في انقطاع نمو الفقه الإسلامي.

 قد تكون هذه خدمة يسرها الله لحكمة.. ذلك أن المجتمع الوليد سيتجه حينئذ مباشرة إلى شريعة الله الأصيلة، لا إلى آراء الرجال في الفقه، لأنه لن يجد في آراء الرجال -وهي مفصلة لعصور خاصة، ولظروف خاصة- ما يساوي قده، إلا بعمليات ترقيع وتعديل..

 وعندئذ يعمد إلى القماش الأصلي الطويل العريض -الشريعة-.. ليفصل منه ثوبًا جديدًا كاملًا بدلًا من الترقيع والتعديل.

 إن هذه ليست دعوة لإهمال الفقه الإسلامي، وإهدار الجهود الضخمة العظيمة التي بذلها الأئمة الكبار، والتي تحوي من أصول الصناعة التشريعية، ومن نتاج الأحكام الأصيلة، ما يفوق -في نواحٍ كثيرة- كل ما أنتجه المشرعون في أنحاء العالم.

 ولكنها فقط بيان للمنهج الذي قد يأخذ به المجتمع الإسلامي الذي ينشأ -عندما ينشأ- وبيان لطبيعة المنهج الإسلامي في إنشاء الأحكام الفقهية إنشأها في مواجهة الواقع الفعلي للمجتمع الإسلامي، الذي يعترف ابتداءً بحاكمية الإسلام.

 إن تلك الثروة الضخمة من الفقه الإسلامي، قد ولدت ونشأت، يومًا بعد يوم، في مجتمع إسلامي يواجه الحياة بعقيدته الإسلامية ومنهجه الإسلامي، ويعترف ابتداءً بحاكمية الإسلام له، ولا يعترف بحاكمية منهج آخر غير الإسلام، مهما يكن في سلوكه أحيانًا من مجافاة جزئية للإسلام. 

 ولكن الخطأ في السلوك والانحراف في التطبيق شيء، وعدم الاعتراف ابتداءً بحاكمية المنهج الإسلامي كله شيء آخر.. 

 الأول يقع في المجتمع الإسلامي ويظل مع ذلك مجتمعًا إسلاميًا، يصح أن ينمو فيه الفقه الإسلامي ويتطور، والثاني لا يقع إلا في مجتمع غير إسلامي، مجتمع لا يصلح بيئة لنمو الفقه الإسلامي وتطوره، لأنه مجتمع جاهلي لا علاقة له بالإسلام، مهما ادعى لنفسه صفة الإسلام. 

 وشيء آخر.. أن الفقه الإسلامي ليس منفصلًا عن الشريعة الإسلامية، والشريعة الإسلامية ليست منفصلة عن العقيدة الإسلامية، والفقه والشريعة والعقيدة ونظام الحياة كلٌ لا يتجزأ في التصور الإسلامي.. ومحال أن يكون هناك إسلام ولا مسلمون ولا مجتمع مسلم، إذا تمزق هذا الكل الموحد مزقًا وأجزاء.

 وفي أي نظام اجتماعي آخر غير النظام الإسلامي، تكفي المعرفة بأصول التشريع وطرق الصناعة الفقهية، ليصبح للرجل القدرة على وضع الأحكام القانونية.. أما في النظام فإن مجرد المعرفة بأصول الصناعة لا يكفي، فلا بد من أمرين:

  1. مزاولة العقيدة والمنهج كذلك في الحياة الخاصة للمشرع.

 وهذا يجب أن نعرفه ونحذر من مخالفته ونحن ونحاول -الآن- تنمية الفقه الإسلامبي وتطويره. هذه المحاولات التي تبذلها جمهرة مخلصة من رجال الفقه والشريعة في شتى أنحاء الوطن الإسلامي، ممن يريدون أو يشيرون بتنمية الفقه الإسلامي وتطويره، لمواجهة الأوضاع والأنظمة والمؤسسات  والحاجات القائمة في المجتمعات الحاضرة.

 إنهم -مع احترامي الكبير لهم ورغبتهم المشكورة، وتقديري للجهد الناصب الذي يبذلونه- يحاولون استنبات البذور في الهواء.. وإلا فأين هو -المجتمع الإسلامي- الذي يستنبطون له أحكامًا فقهية إسلامية يواجه بها مشكلاته..

 لأن هذه المشكلة ذاتها قد لا تقوم أصلًا في المجتمع الإسلامي حين يقوم، وإذا قامت فلن تكون هي بحجمها وشكلها، ولن تكون طريقة المجتمع في مواجهتها -وهو إسلامي- هي طريقته في مواجهتها وهو غير إسلامي، ولأن عوامل شتى وملابسات شتى، تجعل طبيعة المجتمع الإسلامي وطريقته في مواجهة الحياة والمشكلات، غير طبيعية، وطريقة المجتمعات غير الإسلامية.

 هذه بديهية، فيما أظن.. إن أبا بكر، وعمر، وعليًا، وابن عمر، وابن عباس، ومالكًا، وأبا حنيفة، وأحمد بن حنبل والشافعي، وأبا يوسف ومحمدًا والقرافي والشاطبي، وابن تيمية وابن قيم الجوزية، والعز بن عبد السلام وأمثالهم -عليهم رضوان الله- كانوا -وهم يستنبطون الأحكام-:

 أولًا: يعيشون في مجتمع إسلامي يحكم الإسلام وحده في شؤونه، ويتخذ الإسلام وحده منهجًا لحياته -حتى مع بعض المخالفة الجزيئة في بعض العصور-، ويواجهون الحياة بهذا المنهج وبآثاره في نفوسهم.

 ثانيًا: يزاولون العقيدة الإسلامية والمنهج الإسلامي في حياتهم الخاصة، وفي إطار المجتمع الإسلامي الذي في يعيشون فيه، ويتذوقون المشكلات ويبحثون عن حلولها بالحس الإسلامي..

 ومن ثم كانوا مستوفين للشرطين الأساسيين لنشأة  فقه إسلامي، وتطوره ليواجه الأحوال المتطورة، فوق استيفائهم طبعًا لشروط الاجتهاد، والتي لا مجال هنا ولا داعي لبيانها لأنها بديهية.

 فأما الآن.. فماذا؟؟

 إنه لا بد أن نحسب حساب عوامل كثيرة، تبعد نمو الفقه الإسلامي وتطوره الآن عن منهجه الأصيل.

 لا بد أن نحسب بعد الواقع العملي والواقع النفسي والعقلي، والواقع الشعوري والاعتقادي، عن جو الإسلام والحياة الإسلامية.

 ولا بد أن نحسب حساب الهزيمة العقلية والروحية أمام الحضارة الغربية، وأمام الأوضاع الواقعية.

 والإسلام يواجه -الواقع- ولكن لا ليخضع له، بل ليخضعه لتصوراته هو، ومنهجه هو، وأحكامه هو، وليستبقي منه ما هو فطري وضروري من النمو الطبيعي، وليجتث منه ما هو طفيلي وما هو فضولي وما هو مفسد، ولو كان حجمه ما كان هكذا فعل يوم واجه جاهلية البشرية، وهكذا يفعل حين يواجه الجاهلية في أي زمان.

 إن أولى بوادر الهزيمة هي اعتبار -الواقع- أيًّا كان حجمه هو الأصل الذي على شريعة الله أن تلاحقه، بينما الإسلام يعتبر أن منهج الله وشريعته، هي الأصل الذي ينبغي أن يفيء الناس إليه، وأن يتعدل الواقع ليوافقه، وقد واجه الإسلام المجتمع الجاهلي -العالمي- يوم جاء فمد له وفق منهجه الخاص، ثم دفع به إلى الإمام.

 وموقف الإسلام لا يتغير اليوم حين يواجه المجتمع الجاهلي -العالمي- الحديث، إنه يعدله وفق منهجه، ثم يدفع به إلى الأمام.

 وفرق بين الاعتبارين بعيد: فرق بين اعتبار الواقع الجاهلي هو الأصل، وبين اعتبار المنهج الرباني هو الأصل.

 إنني أنكر واستنكر استفتاء الإسلام اليوم في أية مشكلة من مشكلات هذه المجتمعات، احترامًا للإسلام وجديته، وإلا فأي هزء واستخفاف أشد من أن تجيء لقاضٍ تطلب حكم،ه وأنت تخرج له لسانك، وتعلن له ابتداءً أنك لا تعترف به قاضيًا، ولا تعترف له بسلطان، وأنك لن تتقيد بحكمه إلا إذا وافق هواك، وإلا إذا أقرك على ما تهواه.

 إن الإسلام لا علاقة له بما يجري في الأرض كلها اليوم، لأن أحدًا لا يحكم الإسلام في حياته، ولا يتخذ المنهج الإسلامي منهجًا لمجتمعه، ولأن أحدًا لا يحكم بشريعة الله وحدها، ولا يفرد الله -سبحانه- بالألوهية وخصائصها، ولا يجعل الكلمة الأولى والأخيرة في شؤون الحياة كلها لله ولشريعة الله.

 والذين يستفتون -بحسن نية أو بسوء نية- هازلون، والذين يردون على هذه الاستفتاءات -بحسن نية أو بسوء نية-، والذين يتحدثون عن مكان أي وضع من أوضاع البشرية الحاضرة من الإسلام ونظامه، أشد هزلًا.. وإن كنت أعلم عن الكثير منهم أنهم لا يعنون الهزل، ولا يستسيغونه، لو فطنوا إليه في  شأن الإسلام، إنما يستفتى الإسلام في الأمر، حين يكون الإسلام وحده هو منهج الحياة، ذلك عند قيام المجتمع الإسلامي، المجتمع الذي يتخذ الإسلام شريعته، ولا تكون له شريعة سواه عندما يأذن الله ويشاء.

 وثقتنا في رحمة الله بالبشرية تجعلنا نرجو دائمًا أنه -سبحانه- سيأذن ويشاء.. فقيام هذا المجتمع -كما قلنا وكما نكرر- ضرورة إنسانية، وحتمية فطرية، وتلبية لنداء الفطرة في ساعة المسرة..

 وإن كانت حتمية الميلاد لا تغني شيئًا عن آلام المخاض.

 ولكن كيف وهذا الواقع البشري الضخم يواجه الإسلام؟

 على الذين يسألون هذا السؤال أن يتذكروا كيف وقع الأمر هذا أول مرة.

 لقد وقف رجل واحد يواجه البشرية كلها بمنهج الله، ويقول لها -كما أمر-: إنها في جاهلية وإن الهدى هدى الله..

 ثم تحول التاريخ.. تحول حين استقرت هذه الحقيقة الهائلة في قلب ذلك الرجل الواحد، تحول على النحو الذي يعرفه الأصدقاء والأعداء.

 هذه الحقيقة التي استقرت في قلب ذلك الرجل الواحد، ما تزال قائمة قيام السنن الكونية الكبرى.. وهذه البشرية الضالة قائمة كذلك وقد عادت إلى جاهليتها.

 وهذا هو الأمر في اختصار وإجمال، توجد نقطة البدء.. نقطة استقرار هذه الحقيقة في قلب.. في قلوب العصبة المؤمنة.. ثم تمضي القافلة في الطريق الطويل الشائك الغريب اليوم على البشرية غربته، يوم جاءها الهدى أول مرة فيما عدا بعض الاستثناءات، ثم تصل القافلة في نهاية الطريق الشائك، كما وصلت القافلة الأولى.

 لست أزعم أنها مسألة هينة، ولا أنها معركة قصيرة.. ولكنها مضمونة النتيجة.. كل شيء يؤيدها.. كل شيء حقيقي وفطري، في طبيعة الكون، وفي طبيعة الإنسان.. ويعارضها في ركام كثير، ويقف في طريقها واقع بشري ضخم، ولكنه غثاء، ضخم نعم.. ولكنه غثاء.

 والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. 

 وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم..

طريق الهجرتين وباب السعادتين

 

تأليف 

الإمام شمس الدين 

محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية 

حققه وراجعه

خادم العلم

عبد الله بن إبراهيم الأنصاري

«مدير الشؤون الدينية - دولة قطر»

طبع على نفقة

الشيخ حمد بن فالح ناصر آل ثاني

رحمه الله

 

تعريف بمؤلف الكتاب:

 هو شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن سعدين حريز الزرعي ثم الدمشقي، وهو معروف بابن قيم الجوزية، توفي بدمشق عام 751 ه. 

 والجوزية: مدرسة بدمشق بناها محيي الدين بن الحافظ بن أبي الفرج عبد الرحمن الجوزي، وكان والد ابن القيم قيمًا عليها.

 وهناك مسمى آخر: هو ابن القيم المصري، بهاء الدين علي بن عيسى بن سليمان الثعلبي المصري، عالم ومحدث كبير، توفي بمصر عام 710 ه.

 ومسمى ثالث هو ابن الجوزي، أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي، توفي ببغداد عام 593 ه.

تعريف بالكتاب لمحب الدين الخطيب: 

 هذا كتاب رحلة للمسلم... إلخ.

ملخص فهرس الكتاب:

 الهجرتان وسعادة الإنسان بهما، الله هو الغنى المطلق، والخلق فقراء إليه.

 الغنى عال، وسافل، حاجة العبد إلى أن يعبد الله أعظم من حاجة الجسد إلى روحه. 

 التباين بين منفعة الحق ومنفعة الخلق، بيان وجود الحكمة والخير في كل ما خلق الله.

 الشر نوعان: عدم، ووجود.

 إثبات الحمد كله لله.

 خلق الله دارين، واختص كل دار بأهل.

 بيان ما للناس في دخول الشر في القضاء الإلهي من الطرق وأصولها.

 صدق التأهب للقاء الله يؤدي إلى الاستقامة.

كل سائر إلى مقصد لا بد له من قوتين: علمية، وعملية.

 الناس مسافرون إلى دار الشقاء، أو مسافرون إلى دار السلام.

 الكلام على التوبة، نقض سفسطات المتصوفين.

 الذكر بالاسم المفرد -الله، الله- غير مشروع، والذكر بالاسم المضمر -هو، هو- من الهوس.

 طبقات المكلفين في الدار الآخرة: 18 طبقة.

 

الرابط المختصر :