العنوان سياحة رمضانية «1 من 2»- نساء ... و نساء
الكاتب سمية رمضان
تاريخ النشر السبت 30-سبتمبر-2006
مشاهدات 85
نشر في العدد 1721
نشر في الصفحة 58
السبت 30-سبتمبر-2006
رمضان
من صام رمضان إيمانًا واحتسابا غفر له ما تقدم ذنبه
دُعينا إلى حفلة لتكريم التفوق متمثلاً في طلبة وطالبات إتمام المرحلة الإعدادية، وكان يحضرها كبار المسؤولين. واعتاد الحضور في مثل هذه المناسبات النداء على اسم المتفوق أو المتفوقة مصحوباً بتصفيق من الحضور، مع سؤال تقليدي أصبح من الطقوس: ما هي أمنيتك في الحياة؟ وتعاقبت الإجابات...
منهم من أراد أن يكون مهندساً، ومن أرادت أن تمتهن مهنة الطب، وهذا يريد أن يصبح مدرساً، والآخر عالماً ... حتى جاء دورها، فتاة لم تتعد الثالثة عشرة من عمرها، تصعد على المنصة بخطوات ثابتة وبريق الأمل في عينيها، وتقدمت بهامة مرفوعة، وقد نظرت إلى صاحب السؤال التقليدي ثم نظرت نظرة عابرة إلى الجمهور، وأجابت بطمأنينة وسكينة: إن أمنيتي أكبر من هذه الأرض التي نطأها بأقدامنا. دهش الرجل المسؤول وكذلك الحضور، وألحت على الجميع أكفهم بتصفيق حاد متواصل، وتحركت الفتاة بنفس خطواتها الثابتة، وقد ارتسمت على وجهها البريء علامات التعجب من ردود الأفعال المصاحبة لإجابتها، تابعتها عيناي باعتزاز.
نموذج رائع
وقالت لي نفسي: إن هذه الفتاة نموذج رائع لما أراد الله لخلقه، وخاصة لكل أنثى، أنها بالله يمكن أن تملك الأرض، وتفلتت مني نفسي لتصاحب آيات من القرآن قد ذكر فيها سبحانه أنماطاً مختلفة من النساء على مر العصور وبمختلف الأعمار والمستويات الاجتماعية، كل منهن قد أخذت دورتها الحياتية التي قدرها لها سبحانه كاملة، وقد مرت بابتلاءات ومحن وأفراح وهموم، فمنهن الفائزة ومنهن الخاسرة. وقد انتهت أعمارهن ولم يكتب لهن الرجوع إلى الدنيا مرة أخرى ولن يكتب إلا يوم البعث، ولكننا نرى أنفسنا الآن نمر بابتلاءات متماثلة وهموم، متشابهة وأفراح متقاربة، والرب سبحانه هو هو لم يتغير ولم يتبدل، يراقب بنفس القدرة وملائكته لم تفتر ولم تسأم في تسجيل كل الأحداث في لوح محفوظ، وأردنا أن نتعلم من السابقات لعلهن يكن نبراساً لمثل هذه الفتاة لتفوز بتحقيق أملها الذي حددته أنه أكبر من الأرض، ولتفوز برضا المولى.
ابتلاءات مختلفة
ولم تتأخر عنا الآيات القرآنية في تقديم كل ما نصبو إلى تعلمه أو معرفته، فقد أحاط القرآن بكل النماذج التي كانت وما زالت تمر بابتلاءات تتناسب مع ظروف كل امرأة بما تستطيعه وبما يناسب ظروفها وأحوالها، سواء أكانت فتاة أو زوجة أو أماً أو فقيرة أو غنية أو ملكة أو زوجة ملك، فمنهن من كن نماذج للخير، ومنهن من كن نماذج للشر، فلنشرع في رحلة سياحية نزورهن ونطلع على أحوالهن فتقترن أفعالنا بأفعال من فزن، ونبتعد كل البعد عن أفعال من خسرن. لنبدأ المسير باسم الرحمن نقرأ، نتفكر، نتدبر، نتأمل، نقرر. ولتكن بدايتنا مع أمنا التائبة «حواء».
فقد أمرها سبحانه: «وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ «البقرة: 35»، فعرضت فاكهة منها ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ﴾ «طه: 121»، فتذكرت ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ «آل عمران: 135». فاستغفرت وتابت ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ «الأعراف: 23». فغفر لهما سبحانه ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ «آل عمران: 135». فلتراجع كل امرأة أوامر الله لها في هذا العصر فإن كنت طائعة تحمد الله وتسأله الثبات، وإن كانت عاصية فليكن فرارها إلى الله تائبة مستغفرة فقد غفر سبحانه لأمنا حواء، وما زال هو .. هو الغفور الرحيم.. التواب الكريم. إن العمر الممنوح لحواء قد انقضى وانقضت حواء، ولكن رد فعلها ما زال حياً ويمكننا أن نتخذه نبراساً فقد فازت عندما لم تصر على ما فعلت.
وسنعلم مدى ما في حواء من خير عندما نزور امرأة نوح وامرأة لوط: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ «التحريم: 10». فهاتان المرأتان ليس هناك أفضل من ظروفهما وحياتهما، فقد أواهما الرحمن في بيت النبوة، وكانت كل واحدة منهما زوجة نبي، ولكنهما لم تستفيدا من نعمة المولى وكان ولاؤهما لآبائهما وأعرافهما. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوْ لَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ «المائدة: 104». وقد مد الله في أعمارهم وأعطاهما الفرصة تلو الأخرى وهما أحياء: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ «المائدة: 74».
ونادى نوح امرأته مع من نادى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ «نوح: 10». ولكنهما أضاعتا كل شيء بكبرهما وكفرهما، وانسلت اللحظة وراء اللحظة وضاع الوقت المسموح لهما بالحياة، فأين هما الآن؟ «فِي النَّارِ».
وبالرغم من أن الله قد تفضل عليهما بأن كانتا من زوجات الأنبياء، إلا أنهما تساويا في الآخرة مع زوجة أبي لهب الرجل الكافر: «وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةُ الْحَطَبِ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ ﴿الحسد: 4-5». الظروف كانت مختلفة تماماً في الدنيا للطرفين، ولكن جمعتهن جهنم في الآخرة، فردود أفعالهن كانت واحدة، من الكبر والعناد والكفر، وبالرغم من أن آسيا امرأة فرعون مرت بظروف قاسية فقد كانت زوجة للرجل الذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾ «النازعات: 24». وقد تفنن في تعذيبها إلى آخر رمق في حياتها، ولكن رد فعلها كان الثبات على الحق والصبر والاستعانة بالله، فكان جزاؤها الفوز والفلاح: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ «التحريم: 11».
ردود أفعالنا
وكذلك نحن، فليس المهم الابتلاء أو الظروف التي نمر بها، ولكن المهم ردود أفعالنا، فإن الله من رحمته لا يكلف نفساً إلا وسعها، فلتعلم أن الابتلاء مصحوب بالجنة والنار، وعليك أن تختار من نصاحب نحن، الجنة أم النار؟ فالطريق مختلف تماماً، والسبل لكل منهما ليست واحدة، وبمجرد الاختيار والصحبة يكون الفعل والعمل.
حياة وردية
والنساء الصالحات اللائي قمنا بزيارتهن من خلال آيات القرآن الكريم لم تكن حياتهن تلك الحياة الوردية الخالية من المشاكل ولكنهن جميعهن عشن تلك الحياة الوردية في علاقتهن بالله وردود أفعالهن المتغلبة على هذه المشاكل (فهذه امرأة أيوب) «عليه السلام» كان زوجها مريضاً فعانت، واختارت طريق الجنة وتحركت بالصبر والعفة: ﴿وَصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ «النحل: 127». فهون الله عليها سنوات مرض زوجها على طولها وكان الفضل العظيم ممن لا تأخذه سنة ولا نوم بشفاء تام لزوجها لتنعم معه وتسعد فيما تبقى لها من عمر، ففي النهاية، مهما طال الزمن، الموت والاندثار فقد ماتت الزوجة الصابرة ومات زوجها المتعافي بعد المرض.
وما زالت الحياة تدور بقصص متشابهة ونساء مختبرات، وعين الرقيب لا تغفل ولا تنام وقد رست سفينتنا الآن على شط «زوجة زكريا عليه السلام». ولنقترب من المشكلة التي وجدت نفسها في قالبها بلا حول منها ولا قوة وهو الحرمان من الذرية مع شوق شديد من زوجها لذلك، ودعاء لا ينقطع في سكون الليل وأطراف النهار: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ «الأنبياء: 89».
وقد كانت عاقراً لا تملك من الأمر شيئاً سوى رد فعل إيماني إيجابي من مسارعة في الخيرات ودعاء إلى الله برغبة ورهبة وخشوع في عبادتها وأقوالها وأفعالها وبعد أن انقضت السنون كان إصرارها بالدعاء وعدم القنوط من رحمة الله مع الدوام على الخيرات، فكان فضل الله بإصلاحها وإسباغ النعماء عليها برزق الولد النبي الصالح: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ «الأنبياء: 90».
" عندما قالت الفتاة الصغيرة في حفل التكريم أمنيتي أكبر من هذه الحياة التي نطؤها بأقدامنا".
" استرجاع قصص النساء المؤمنات من القرآن الكريم لاستلهام العبرة.. ومحاولة السير على طريقهن"
انتهت المعاناة وانقضى كل شيء وكأنها صفحة قد انطوت، فقد مات زكريا وماتت زوجه وأين من دعا الله به ورجاه بقوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ «مريم: 6». فقد مات يحيى واستفاد الجميع من ذلك كله رضا المولى جل وعلا، وقد ذهبت الآلام وانتهت المعاناة والفرحة والابتسامة وكل شيء ومازال الله حياً ومازالت الدنيا قائمة تتعاقب عليها الأجيال.
سبحان الله والبعض يشرب من نفس كأس ابتلاء زكريا عليه السلام وزوجه ولكن مهلاً .. ترى ما هي ردود أفعالهم على الابتلاء؟ وما هو رد فعلك أيتها المرأة المحرومة من الذرية؟ فلتتمسكي بأحد جناحي الابتلاء، وليكن تمسكك بالجنة وليس لها درب إلا ما سارت فيه زوجة زكريا وزوجة خليل الرحمن سارة عليهما السلام، وكل شيء لا محالة ذاهب منها هذه الأيام التي تلهث وراءها أعمارنا ولا نكاد نصل إليها حتى نفنى فيلهث آخرون بأعمارهم، وسبحان من لا يفنى ولا يغفل ولا ينام عن مراقبة اللاهثين واللاهثات حتى ينتهي عمر الأرض التي تلهث بدورها وراء عمر يعلم منتهاه خالقها وبعدها سيكون لقاء الجميع.
وربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد «آل عمران: 9». وسيكون اللقاء الأكبر للجميع مع الله ﴿يَا أَيُّهَا ٱلْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ﴾ «الانشقاق: 6». فكيف سيكون اللقاء... اللهم سلم مازالت السفينة تجوب بحر الحياة... فإلى لقاء ..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل