; سيادة الشريعة الإسلامية قضية المستقبل | مجلة المجتمع

العنوان سيادة الشريعة الإسلامية قضية المستقبل

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 20-فبراير-1996

مشاهدات 61

نشر في العدد 1189

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 20-فبراير-1996

مذكرات

صفحات من دفتر الذكريات (86)

• يكفي الشريعة الإسلامية فخرًا أنها قدمت للإنسانية منذ 14 قرنًا الحل الوحيد الذي يمكن به إعطاء البشرية قوة إيمانية تمكنها من فرض سيادتها

نشرت في عام 1988م، كتابًا عن «سيادة الشريعة الإسلامية»، واعتبرت هذا المبدأ من أهم مزايا الفقه الإسلامي التي يجب أن نفخر بها ونقدمها للعالم الذي يحتاج إليها لوقف تيار البغي في الداخل، والعدوان الخارجي الاستعماري الذي یزداد خطره يومًا بعد يوم في جميع أنحاء العالم، وأنها لذلك في نظري أولى قضايا المستقبل.

وقرأت بمحض الصدفة في جريدة «الشرق الأوسط» أن هناك ندوة عن «قضايا المستقبل في العالم الإسلامي»، وأنها ستعقد في الجزائر، ويدعو لها أحد كبار محرري تلك الجريدة الأستاذ الهاشمي الحامدي، ولذلك سارعت بالكتابة إليه وأخطرته بأنني سوف أحضر للمشاركة في تلك الندوة، وإن لم يصلني منه دعوة، ويظهر أنه فوجئ بذلك، لأنه لم يكن له معرفة سابقة بعلاقتي القديمة مع الجزائر والجزائريين، لكني وجدته في المطار يستقبلني كما استقبل غيري ممن دعاهم للمشاركة في الندوة.

وفي الفندق الذي نزلنا فيه التقيت ثانية بالسيد محمد يزيد، وهو من قدماء أعضاء حزب الشعب الذي عرفته في باريس ممثلًا للحزب في عام «1947م»، ولي معه صداقة قديمة، فأشار إلى أنه المكلف بالإشراف على الندوة من قبل رئيس الجمهورية.

ذهبت لحضور الندوة لعرض رأيي الخاص بضرورة تقديم مبدأ سيادة الشريعة في الفقه الإسلامي، باعتباره أول قضية مستقبلية يحتاجها العالم لمواجهة الطغيان والاستعمار. 

في نظري أن الإتجاه المستقبلي للفكر الإسلامي، يوجب علينا أن نقدم للعالم اجتهادات فقهية عصرية لاستنباط المبادئ الدستورية والقواعد الدولية التي تقوم على مبدأ سيادة الشريعة الإلهية في المجتمع، واستقلالها عن الدول والحكام.

ولا يمكن أن نقتحم هذا الميدان إلا إذا تحررنا من مركب النقص الذي كان يدفع كثيرًا من مفكرينا إلى الاكتفاء بالوقوف عند حد الدفاع عن مبادئنا، وكان هذا الدفاع في نظر كثيرين يكفي فيه أن نثبت أن أقصى ما تقدمه شريعتنا هو أن توفر لنا المبادئ التي توصلت إليها النظريات العصرية والفكر الأوروبي، وليس هذا كافيًا في نظرنا.

إن نقطة البداية في الدراسة المستقبلية للفكر الإسلامي يجب أن تكون إبراز المبادئ التي قررتها شريعتنا، ولكن النظريات العصرية لم تصل إليها حتى الآن، وهي في نظرنا لا بد أن تسير نحوها، وتسعى لإقرارها في المستقبل، وأول مثال من هذه المبادئ في نظرنا هو مبدأ سيادة الشريعة الإلهية على المجتمع والدول، واستقلال العلم والفقه اللذين يستنبطان أحكامها متحررًا عن سلطة الدولة وحكامها وتقييده لما يسمى الآن بسيادتها التشريعية، ويصبح الفقه والفكر هما المصدرين الوحيدين المباشرين لتقنياتها وتشريعاتها ودساتيرها.

إن هذه البداية هي تعبير عن أصالة الفكر الإسلامي وسموه وسبقه للفكر العصري. 

صحيح أن السبق الزمني قد أثبته المفكرون الإسلاميون الذين وقفوا موقف الدفاع عن مبادئ الفكر الإسلامي التي لها نظير في النظم العصرية مثل مبدأ «الفصل بين السلطات»، وكذلك مبدأ «مساءلة الحكام»، و«حق الأمة في اختيارهم ومحاسبتهم وعزلهم بمعرفة أهل الحل والعقد الذين يمثلونهم»، وهو الذي يعبر عنه بـ«سيادة الشعب» التي هي أساس النظم الديمقراطية حاليًا. 

هذه المبادئ التي توصلت إليها النظريات الأوروبية في العصر الحديث، قد قررتها الشريعة قبل ذلك بألف عام على الأقل، وهذا سبق مؤكد لاشك فيه.

لكن مزايا شريعتنا لا تقف عند هذا الحد، إذ إن كثيرًا من المبادئ التي قررتها تعتبر في العصر الحاضر مبادئ مستقبلية، بمعنى أنها لیست موجودة الآن في النظريات أو النظم العصرية، ولكننا واثقون من أننا في أشد الحاجة إليها لحماية الإنسان من الأخطار التي تواجهها في الحاضر والمستقبل، وأن التقدم الإنساني سوف يتجه نحوها، وأن واجبنا هو أن نقدمها للعالم في المستقبل. 

إذا كان هناك من يشك في حاجة النظم العصرية إلى هذا المبدأ الشرعي، فإننا نؤكد له أن النظم الحديثة قد أقرت بهذه الحاجة، بل إنها سارت خطوات عديدة في هذا الاتجاه، ويكفي أن نذكر من هذه الخطوات ما يلي:

أولاً: النظم الدستورية الاتحادية» الفيدرالية«

يكفي أن نذكر كنموذج لها «الدستور الأمريكي» الذي يقوم على مبدأ تحجيم سيادة الدولة وتقييدها من ناحيتين:

أ - الدولة في هذا الدستور أصبحت »دويلة» وهي ما نسميه «الولاية» في اللغة العربية، وتعتبر الولايات أو الدويلات أو الدول الفيدرالية أجزاء داخل الاتحاد الأمريكي، وخاضعة له، ومقيدة بسلطانه، وعلى ذلك فهي لا تتمتع بما يسمى السيادة التي تدعيها الدول الصغيرة الناشئة الضعيفة المتفرقة في العالم الثالث، والتي يحاول حكامها أن يتخذوا سيادتها مبررًا لاستعباد شعوبها وأفرادها بواسطة قوانين وضعية لا تلتزم بالشريعة السماوية.

ب - حكومة الاتحاد التي تهيمن على هذه الدولة، لا توصف بأنها دولة، ولا تدعي لنفسها سيادة الدولة، وإنما تسمى »إدارة»، وعندما يريدون أن يتكلموا باسم الاتحاد، فإنما يذكرون «الأمة»، وكلمة الأمة تفتح الباب لوجود مؤسسات متعددة مستقلة عن إدارة الاتحاد مثل:

1- الدستور الاتحادي الذي يلتزم الاتحاد وجميع الولايات أو الدويلات بالخضوع لمبادئه وأحكامه.

2- المحكمة العليا التي تستقل بحماية الدستور وتفسيره وتعطيل التشريعات والقوانين الوضعية الفيدرالية أو المحلية التي ترى أنها تخالف نصوص الدستور الاتحادي.

3 - الكونجرس الذي يستقل عن الإدارة استقلالًا كبيرًا فيما يتعلق بوضع القوانين، بل ويختص بكثير من أعمال السياسة الخارجية إلى حد كبير، مثل إعلان الحرب وعقد المعاهدات، وما إلى ذلك.

ثانيًا: المنظمات الدولية والإعلانات العالمية

يسير الرأي العام العالمي نحو إيجاد منظمات عالمية مثل عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى، ومنظمة الأمم المتحدة القائمة حاليًا، والمنظمات المنبثقة عنها مثل اليونسكو والهيئة العالمية للصحة والزراعة، ومحكمة العدل الدولية، وغير ذلك.

والهدف من هذه المنظمات هو إيجاد هيئات تعلو فوق الدول، وتستطيع اتخاذ قرارات لها طابع عالمي، ومن أهم هذه القرارات ما سمي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يستغل كثيرًا في الدعاية ضد النظم الاستبدادية.

والعيب الأساسي في هذه المنظمات الدولية أنها لا تتمتع بسلطة تنفيذية تستطيع بها أن تنفذ قراراتها أو تفرضها على الدول مما مكن الدول الكبرى من السيطرة عليها وإستعمالها ستارًا للتدخل في شؤون الدول الصغيرة، ولهذا فإنها لم تحقق الهدف الذي أنشئت من أجله وبقيت فقط منبرًا للحوار وأداة للدعاية التي تستغلها الدول الكبرى، لحماية ما تعتبره من مصالحها ومطامعها.

وقد استطاعت الدول الكبرى باستعمالها «حق الفيتو»، ثم عن طريق ما تقدمه لميزانية هذه المنظمات من مساهمة أن تعطي لنفسها سلطة فعلية مطلقة في الضغط عليها ومنعها من أن تتخذ قرارات لا توافق أهواء حكامها أو مصالحها الأخرى مثل «إسرائيل» في نظر أمريكا، و«الصرب» في نظر روسيا.

ومن ذلك يتبين أن هذه المنظمات عاجزة عن أن تحول دون طغيان الدول الكبرى على الشعوب الأخرى، كما أنها لا تستطيع أن تحد من استبداد الدول في داخل إقليمها، وخاصة إذا كانت موالية أو حليفة لإحدى القوى الكبرى لأن كل هؤلاء يتسلحون بمبدأ السيادة التي تدعيها الدول الكبرى والدول الصغرى على السواء.

لا بد إذًن من وجود قانون أسمى أو شريعة إلهية لها سيادة عليا تخضع لها الدول مجتمعة أو متفرقة كبيرة أو صغيرة، وكذلك تلتزم بها المنظمات الدولية، ويحاولون الآن أن يحل محلها القانون الطبيعي أو مبادئ العدالة وحقوق الإنسان.

ثالثًا: القوانين الطبيعية والمبادئ الإنسانية العليا

لقد حاول المفكرون والقانونيون المعاصرون إيجاد حل يعلو على سلطان الدول، ويُقيد سيادتها سماه البعض «القانون الطبيعي» ويسميه الآخرون «المبادئ الإنسانية العليا»، ولكن هذه التسميات جوفاء ليس لها محتوى معروف، أو محدد، أو ثابت، تؤمن به الشعوب والأفراد ويمكنها من أن تمارس حقها في تقييد سلطات الدول، وإلزام الحكومات بالوقوف عند حدودها، ولذلك بقي القانون الطبيعي والمبادئ الإنسانية والمنظمات العالمية وما يصدر عنها من قرارات أو إعلانات مجرد مواد للدعاية تستغلها الدول في الداخل والخارج دون أن تلتزم بها فعلًا، زيادة على ذلك أصبحت الدول الكبرى التي تسيطر على الإعلام العالمي، ولديها الإمكانات المالية والتقنية للسيطرة على الدعاية والتوجيه الثقافي في جميع أنحاء العالم تتجه عمليًا إلى استغلال هذا كله لزيادة هيمنتها وفرض طغيانها على الأمم والشعوب والأفراد.

إن هذه المبادئ الإنسانية والقانون الطبيعي ما زالت أفكارًا محصورة في كتابات الفلاسفة

ودوائر الفكر والإعلام - ولا دور للجماهير والأفراد في فرض الالتزام بها - لكن شريعتنا قد عالجت هذا النقص عندما ربطت مبادئها وأصولها بمصادر سماوية وعقيدة إلهية خالدة يؤمن بها الأفراد، ويستندون إليها في الدفاع عن حرياتهم وحقوقهم الإنسانية.

يكفي الشريعة الإسلامية فخرًا أنها قدمت للإنسانية منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا الحل الوحيد الذي يمكن به إعطاء الأفراد والشعوب قوة إيمانية وعقيدة تمكنها من فرض سيادة الشريعة على الدولة والمجتمع، إستنادًا إلى مصادرها الإلهية، وطابعها السماوي الذي يمد الأفراد والشعوب بطاقة عقيدية تستطيع بها أن تفرض على الدول والحكومات عدم استخدام سلطة التشريع الوضعي لفرض طغيانها، حتى ولو استطاع الحكام ممارسة أعمال استبدادية فإنها تبقى تصرفات غير شرعية.

ثم إن شريعتنا حصنت أحكامها في نطاق العلم والفقه، إنها جعلت استنباط الأحكام والمبادئ في الإسلام من اختصاص العلم والفكر الحر، لا من اختصاص الدولة بحجة ممارسة السيادة.

إن هذا المبدأ الشرعي هو السلاح الذي يحمي الأفراد والشعوب من طغيان الدول في الداخل والخارج بحجة ممارسة سيادتها التشريعية، وفرض قوانين وقرارات وضعية لا تتقيد بمبادئ إلهية أو حدود شرعية.

بقي أن يوجد بيننا من يكونون على المستوى الذي يمكنهم من الاعتزاز بهذه المبادئ المستقبلية وتقديمها للعالم كعقيدة سماوية، لابد منها لإنقاذ مستقبل الشعوب والأفراد من طغيان الدول والحكام، ولا يكون ذلك إلا بممارستها فعلًا في نظمنا الدستورية، وفرضها على دولنا وحكامنا باسم سيادة الشريعة، والإلتزام بها من قبل أن نخاطب الآخرين.. أو ندعو إليها.

وقد تقدمت للمشاركة في الندوة لهذا الغرض.

الرابط المختصر :