العنوان سياسات صدام.. كيف دمرت العراق؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 17-فبراير-1998
مشاهدات 100
نشر في العدد 1288
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 17-فبراير-1998
من بين ما ابتليت به الأمة الإسلامية من مؤامرات الغرب ودسائسه إشاعة الأفكار والمعتقدات الباطلة التي لا تتفق مع طبيعة مجتمعاتنا الإسلامية، ورسالتها الكونية التي أرادها لها الله عز وجل.
ومن بين هذه الأفكار والمعتقدات التي تفرق ولا تجمع، وتهدم ولا تبني، ما يتبناه النظام الحاكم في العراق من أفكار حزب البعث الذي أسسه ميشيل عفلق بوحي من قوى غربية، وابتلي به شعب العراق، فإذا أردنا أن نقيم إنجازات هذا النظام خلال مدة زمنية قاربت العقدين من الزمان، فماذا نجد؟ من المؤسف أننا لا نجد إلا سجلًا أسود مليئًا بالمصائب والنكبات، ولنستعرض بشيء من الإيجاز هذا السجل الأسود للنظام الحاكم في العراق، لنرى كيف أصبح وبالًا على شعبه وعلى جيرانه:
١- حرك صدام حسين المؤامرات في الداخل والخارج، وأطاح بمن كانوا قبله، وصفى عددًا كبيرًا من الضباط الشرفاء، وطارد الخصوم لاصطيادهم واغتيالهم، حتى أنصاره وأصهاره وأقرباءه لم يسلموا من التصفية، فصدام دموي بطبعه منذ صغر سنه، وقد زاد على طبيعته الشرسة اعتناقه لمبادئ حزب البعث المضللة.
٢- فجر صدام حسين حربًا مع إيران استمرت زهاء ثماني سنوات، دمرت الأخضر واليابس في كلا البلدين، واستنزفت عددًا من الدول المجاورة التي طالها لهيب المعارك، إما لاضطرارها لزيادة الإنفاق العسكري، أو بسبب الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الحرب، وراح ضحية الحرب مئات الآلاف من أبناء الشعبين العراقي والإيراني ما بين قتيل وجريح وأسير ومفقود ومعاق.
٣- ومن مآسي هذا النظام ما فعله مع الأكراد والتركمان، الذين يسكنون شمال العراق، وإبادة مدينة حلبجة بالأسلحة الكيماوية، وفيما يسمى بعملية الأنفال يقدر عدد من قتلوا أو دفنوا أحياء بـ ۱۷۰ ألفًا من الأكراد.
٤- أكلت الحرب الشرسة والفساد المالي والإداري وسياسات تأليه الحاكم، والدعاية للحزب الأوحد كل عائدات العراق، وهو البلد الثري بنفطه وموارده الطبيعية وثرواته الزراعية، حتى أصبح الشعب العراقي كله يعيش تحت خط الفقر، وتراجعت مظاهر الحياة والمدنية عشرات السنين إلى الوراء، وعاد العراق إلى عصور التخلف.
٥- ورغم ذلك كله استمر النظام الحاكم في تكديس الأسلحة بمختلف أنواعها؛ حتى أصبح العراق كله مخزنًا مكتظًا بالسلاح، وليت هذا السلاح كان موجهًا لأعداء الأمة، إذن لهان الأمر، ولكن لم يوجه إلا لأقرب جيرانه، وقد رأينا أن العراق لم يجرؤ على الرد على الكيان الصهيوني حين دمرت الطائرات الصهيونية المفاعل النووي العراقي، وحين أطلق صدام صواريخه على الإسرائيليين كان الأمر أشبه بتمثيلية سخيفة، فصواريخه الجوفاء لم تقتل سوى عدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة من الإسرائيليين.
٦- ولم يكد شعب العراق يتنفس الصعداء بنهاية الحرب مع إيران، والتي انتهت دون إحراز أي تغيير في الوضع الذي كان قائمًا قبل الحرب، حتى أقدم صدام على فعلته الشنيعة باحتلال الكويت، وكان من جراء ذلك أن اجتمعت جيوش العالم لطرده من الكويت، فانسحب مخزيًا تاركًا أسلحته تأكلها النيران، وجنوده يواجهون ذل الهزيمة.
٧- وتطبيقًا لشعار الجبناء:
وإذا ما خلا الجبان بأرض *** طلب الطعن وحده والنزالا
واجه صدام حسين انتفاضة الشعب العراقي ضده في أعقاب الهزيمة بالحديد والنار، وعاد يجثم على صدر الشعب العراقي مزهقًا أنفاسه، وقد أعدم آلاف الضباط، وشرد مئات الآلاف من أفراد الشعب.
٨- وطوال سبع سنوات ظل صدام حسين يماطل في تنفيذ قرارات الأمم المتحدة التي أعلن قبوله لها، فكانت النتيجة أن استمر الحصار على العراق سنين عجافًا طويلة، مات أثناءها مئات الآلاف من الأطفال والمستضعفين بسبب نقص الغذاء والدواء.
والمصيبة أن صدام يعود في كل مرة فيقبل ما كان يرفضه بالأمس، ولكن بعد أن يكون الشعب العراقي قد دفع ثمن هذه المماحكات الفارغة.
٩- ونظرة إلى سجل النظام العراقي في مجال حقوق الإنسان، نجد أن الكلمات تعجز عن وصف ما جرى ويجري هناك من انتهاكات وفظائع وقتل وتعذيب يشيب لهولها الولدان.
١٠- أما في مجال الإنتاج الزراعي فيكفي أن نقول إن العراق صاحب الأراضي الخصبة الشاسعة والثروات الكبيرة لا يملك قوت شعبه، ويستجدي من الأمم المتحدة ثمن الغذاء الذي يستورده.
١١- وكان من نتيجة تلك الأزمات أن هجر العراق قرابة مليونين من أبنائه، أكثرهم يعيش مشردًا في بقاع الأرض، أما المثقفون وأصحاب الرأي فإنهم يعيشون مطاردين، تأكلهم اللوعة والأسى على ما آل إليه حال العراق.
١٢- وها هو اليوم يكثر الحديث عن تقسيم العراق بين جنوب شيعي، ووسط سني، وشمال كردي وتركماني، مع ما في ذلك من خطر شديد على وحدة العراق، وما يمكن أن يجره التقسيم من مخاطر على المنطقة بأسرها.
إن البذور الخبيثة التي زرعها صدام حسين في أرض العراق، بذور الظلم والطغيان والاستبداد بالرأي والجور على الأخرين، ونقض العهود والمواثيق، وخيانة الجار والصديق، وقتل الأبرياء، لم يكن متوقعًا أن تثمر سوى هذا الحنظل الذي يتجرع مرارته شعب العراق اليوم.
نسأل الله أن يخلص شعب العراق من محنته، وأن يرفع عنه كابوس هذا الحاكم المستبد، ولعلنا نأخذ من درس العراق العظة والعبرة بنبذ الأفكار الضالة والمضللة، التي لم تجن منها شعوبنا خيرًا، وأن لا نرضى لشعوبنا بديلًا عن العدل والحرية والشورى والمساواة.