; سياسة القهر الأمريكي.. الآثار والنتائج | مجلة المجتمع

العنوان سياسة القهر الأمريكي.. الآثار والنتائج

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 25-نوفمبر-1997

مشاهدات 65

نشر في العدد 1277

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 25-نوفمبر-1997

ما أظن أن سياسة القهر والضغط تخدم توجهات سليمة، أو تؤدي إلى بناء مصالح مشتركة بين الدول، أو إلى تفاهمات متبادلة بين الشعوب أو إلى تقارب للسياسات بين الحكام. 

وما أحسب أن فرض الإرادات وإملاء الشروط وتكريس الاضطهادات أسلوب حكيم لقيادة شعوب أو توجيه أمم في هذا الزمان، لهذا ما أظن أن السياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط ستعمر كثيرًا أو تدوم طويلًا لأسباب متعددة، وما أحسب أن مصالح مشتركة أو غير مشتركة ستتنامى في ظل تلك السياسة، أو في جنبات هذه الممارسات المتنوعة للتوجهات الموجودة والمنظورة في القرارات الأمريكية المتسارعة نحو الشرق الأوسط، فمثلًا إذا أردنا أن نلقي الضوء على ممارسات وقرارات معينة متباعدة أو متقاربة كمثال على التجاوزات في السياسة الأمريكية التي تؤدي إلى تنافر وإلى استهجان الشعوب الشرق أوسطية، وإلى استغرابها وتعجبها، نعد منها ما يلي:

1- انحياز الإدارات الأمريكية سياسيًا واقتصاديا وعسكريًا إلى إسرائيل من يوم أن ظهرت الأخيرة إلى الوجود، فقد تخلت أمريكا عن مناصرة حق تقرير المصير للعرب في تسويات ما بعد الحرب العالمية الأولى، وناصرت قيام دولة إسرائيل على أنقاض الشعب الفلسطيني، وساعدت على طرده من أرضه وتشريده من بلاده، كما أضاعت حق الفلسطينيين وعطلته في الضفة الغربية وقطاع غزة، وحتى حق العودة للفلسطينيين لم يعد مطلقًا، بل قيد بموافقة إسرائيل، والآن تبارك الولايات المتحدة مماطلة إسرائيل في تسوية المشكلة الفلسطينية بتأييدها الدائم لإسرائيل ودعمها عسكريًا وسياسيًا واقتصاديا، ومساعدتها بكل الإمكانات على تنفيذ مخططها التوسعي، وفي الوقت نفسه رفض تزويد الدول العربية بحاجتها من السلاح، حتى يظل التفوق الإسرائيلي يحكم المنطقة، ويصول ويجول دون رادع أو وازع، والضغط على كثير من الدول العربية اقتصاديا ونفسيًا لحساب إسرائيل. 

يقول سيناتور أمريكي: إن على مصر أن تعترف بإسرائيل مقابل مساعدات القمح الأمريكي، على اعتبار أن حاجة مصر للطعام ستجعلها تدفع الثمن من شرفها الوطني للحصول عليه، وقد أدى هذا القهر النفسي إلى عداء للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، يشير إلى هذا الرصد المهم ما قام به «بادو السفير الأمريكي الأسبق في مصر»، حيث قال: «المساعدات الأمريكية لم تكن ضخمة أو حيوية لدرجة تجعل وقفها خطرًا كبيرًا على الدولة المستفيدة، وعلى كل حال فإن المساعدات الأمريكية كانت تسبب الاستياء في الدول العربية، وتحدث رد فعل نفسيًا سيئًا تجاه أمريكا، فهي كانت تقدم المساعدات تأمينًا لمصالح أمريكا وليس لمجرد دوافع إنسانية، أو بسبب الصداقة المعلنة، وكانت الرقابة والشروط والقيود التي تلازم هذه المساعدات والتصرف بها مبعث ضيق في الدول المستفيدة، وكانت الصور الدعائية للوزراء المحليين الذين يذهبون إلى الموانئ لاستلام القمح، ثم تنشر صورهم وهم يصافحون الموظفين الأمريكيين أمام شعار العلم الأمريكي والكفين المتصافحين تبعث على النفور بدلًا من الامتنان، وكان هناك شعور عام بأن المساعدات من الدول الغنية المتسلطة، ليست معروفًا تشكر عليه، وإنما هي واجب وتعويض غير واف عما غنمته واغتصبته الدول الغنية عن طريق الاستعمار والاستغلال للشعوب الضعيفة والدول التي تسير في ركابها»، هذا ما يقرره رجل راصد للقهر النفسي عند شعوب المنطقة، رغم ما يقال إن تلك المساعدات تساعد على الاستقرار وحب التبعية. 

2- الاستهانة بالصبر العربي وعدم الاكتراث بالكرامة القومية للأمة أو الشرف الوطني للشعوب.

فمن المفارقات المؤلمة أنه عندما كانت توجه انتقادات للحكومة الأمريكية من داخل أمريكا، لأن سياستها في الشرق المنحازة لإسرائيل تعرض مصالح أمريكا للخطر، كان رد الإدارة الأمريكية دائمًا: هذا غير صحيح لأن سياستنا لم تتعرض للخطر أبدًا، ولعل هذا الرد قد أجاب عنه الرئيس نيكسون في مذكراته، مشيرًا إلى تصرف أمريكا في حرب ۱۹۷۳م ومناصرتها الكبرى لإسرائيل ضد العرب الذين يدافعون عن أرضهم وأوطانهم ويريدون استرداد ما فقدوه منها، ومع ذلك لم تعرهم أمريكا أي اهتمام، ثم تعيد تسليح إسرائيل على مقياس جسيم، ومع ذلك لم تتأثر مصالح أمريكا من قبل العرب!!.

وهنا يحق لكل عربي أن يتساءل: إذا كان قهر أمريكا للعرب وحرمانهم من الانتصار لمجرد استرداد أرضهم المحتلة أو حتى لجزء منها فقط لا يفسد العلاقات مع أمريكا أو يضعف الصداقة معها، فضلًا عن أن يضر بمصالحها عند العرب، وإنما يعزز ويحسن تلك العلاقة فكيف ستخشى أمريكا على مصالحها وترتدع مهما أنزلت بالعرب من أضرار وأذى؟

وهذا الواقع المؤلم في العلاقات العربية الأمريكية قد دعا الدكتور «مالكوم كير» أستاذ العلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا -لوس أنجلوس إلى القول في كتابه «السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط ص ۱۷۷: «لا شك أن من بين الأسباب التي تمنع أمريكا من إظهار اهتمام أكبر بمعالجة المظالم القومية في العالم العربي، ومن تخفيف دعمها الهائل لإسرائيل، أنها لم تشعر حتى الآن بأي ضغط كبير يرغمها على ذلك، وبما أن إسرائيل موجودة، فلا مانع من مساندتها كدولة لها قيمة استراتيجية ما دام العرب يسمحون لأمريكا بأن تفعل ذلك، ولا شك أن الحظ قد حالف أمريكا أكثر مما تستحق، إذ نجحت في أن تكون صديق لإسرائيل من دون أن تخسر مصالح مهمة في العالم العربي». 

3- الحيلولة بكافة السبل دون قيام قوة عربية قادرة على حماية الأمن العربي، ومقاومتها لأي محاولة لقيام تنظيم عربي مشترك قادر على حشد الإمكانات العربية وردع التهديد الإسرائيلي ومحاولة ربط الدول العربية دائمًا بفلك القوى الاستعمارية، وفي خدمة مخططاتها، وهذا يتطلب أمرين:

الأول: فصل الدولة المؤثرة عن التجمع العربي، وفي هذا يقول رئيس الوزراء المصري الأسبق محمود فوزي -وهو الرجل المخضرم في السياسة- «وإن سيناء بكاملها كانت قد عرضت على مصر وهو في الحكم مرتين، مرة في عهد عبد الناصر، ومرة في عهد السادات، وقد رفض الرجلان العرض، وأنا أشهد أمام الجميع بذلك، لأن الشرط المستحيل لهذا كان أن تخرج مصر من العروبة نهائيًا، ولا تغدو دولة عربية بأي شكل، وتصبح دولة شرق أوسطية، أو دولة من دول البحر الأبيض المتوسط، ولكن لا تعود لها صلة سياسية بأي شكل مع ما يسمى بالعالم العربي، تصبح كتركيا أو إيران في عهد الشاه، وهما دولتان مسلمتان، وكانتا دائمًا تصوتان مع إسرائيل أو ضدها، ولكن لا يعاديانها ولا ينازعانها في شيء»، هذا.. ولكن السادات بعد هذا خيب ظن الجميع، وقبل أن يقوم بصلح منفرد ويعلن المفاصلة.

والثاني: بث الفرقة والتنافر، ومحاولات الوقيعة بين الدول العربية وإشعال فتيل العداوات دائمًا بالحملات الإعلامية والنزاعات الحدودية والتدخلات العسكرية، حتى يصاب الجميع بعدم الاكتراث أو الدفاع عن أي قطر من الأقطار، فلا دفاع مثلًا عن لبنان وهي تضرب بالقنابل، وسفك دماء الآمنين فيها، ولا دفاع عن الشعب الفلسطيني أو نصرته، ولا اهتمام بليبيا وحصارها، ولا السودان ومأساته، وكلما قربت المصالحات ابتعدت بفعل المجهول المعلوم، والحاضر الغائب، ونحن مطيعون ملبون خاضعون. 

فهل ترى أن هذا سيستمر طويلًا؟ لا أظن.. لا أظن.. وغدًا لناظره قريب!!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2057

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 1

1113

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان