العنوان سياسيون: نجاح الثورة يكمن في التصالح بين الدولة والإسلاميين
الكاتب عبد الباقي خليفة
تاريخ النشر الثلاثاء 01-مارس-2016
مشاهدات 45
نشر في العدد 2093
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 01-مارس-2016
خلال ندوة «الدولة والإسلاميون في تونس.. من بورقيبة إلى قايد السبسي»..
سياسيون: نجاح الثورة يكمن في التصالح بين الدولة والإسلاميين
تونس: عبدالباقي خليفة
الإسلاميون والسلطة في تونس، قصة طويلة من الصراع غير المتكافئ، وصل إلى حد التصفية الجسدية والقتل في الشوارع، كما حصل مع العديد من المناضلين الإسلاميين، مثل الطالب عثمان بن محمود، وشهداء الثورة، وكما حدث مع البعض داخل السجون مثل الشهداء الهاشمي المكي، ومبروك الزرن، والرائد المنصوري، وغيرهم.
ورغم أن الحركة الإسلامية، ممثلة في حزب حركة النهضة، قد سعت للعمل في إطار القانون، منذ الإعلان عن نفسها رسمياً في 6 يونيو 1981م، فإن السلطة قابلتها بالقمع والاضطهاد ومحاولات الاستئصال التي ترقى إلى درجة الجريمة ضد الإنسانية.
وفي هذا السياق، نظم مركز «دراسة الإسلام والديمقراطية» مؤخراً ندوة صحفية حضرها أكاديميون ومثقفون ودبلوماسيون وصحفيون ومتابعون تحت عنوان «الدولة والإسلاميون.. من بورقيبة إلى قايد السبسي»، وهي مراحل ثلاث؛ اتسمت الأولى بالتجاهل ثم بالقمع الشديد (أبو رقيبة)، والثانية بمحاولة الاستئصال (بن علي، الملقب بالحمار الوحشي)، والثالثة بفترة ما بعد الثورة (قايد السبسي، منصف المرزوقي، قايد السبسي) وهي فترة الوفاق.
النشأة في أجواء القمع
رئيس «مركز دراسة الإسلام والديمقراطية» رضوان المصمودي، أكد لـ «المجتمع» أن الحركة الإسلامية نشأت في أجواء من القمع، وصمدت أثناء محاولات الاستئصال، وفي أتون هذه الملحمة انفجرت الثورة، مشيراً إلى ضرورة التصالح بين الدولة والإسلاميين من أجل إنجاح الثورة، مؤكداً أن موقف الشيخ راشد الغنوشي، الرافض للعزل السياسي، قبل الانتخابات كان له دور في دفع الباجي قايد السبسي لرفض إقصاء النهضة بعد الانتخابات، وهو ما طالب به البعض رغم حصول حزب حركة النهضة على 69 مقعداً في البرلمان، وكتلة النهضة أصبحت الأولى في مجلس نواب الشعب الآن.
وأكد المصمودي أن العلاقة القائمة بين الشيخ راشد الغنوشي، والباجي قايد السبسي، أو بين النهضة وحزب نداء تونس، ليست تكتيكاً مرحلياً، ولا علاقة ثنائية، وإنما هي إستراتيجية تاريخية ومصالحة بين الإسلاميين والدساترة (نسبة إلى حزب الدستوري)، ويمثل الشيخ عبدالعزيز الثعالبي، مؤسس الحزب قبل انشقاق بورقيبة، الذي استلم السلطة من فرنسا باختيارها، الأب المشترك للطرفين، ووصف الصراع الذي استمر لأكثر من أربعة عقود بـ «الصراع المشؤوم»، وأن الوفاقات جربة فريدة ستدخل العرب في مجموعة الدول الديمقراطية وتحقيق الأمن والتنمية والاستقرار والرفاه لكل جهات البلاد.
من التنافي إلى الشراكة
عضو الهيئة المديرة للمنظمة التونسية لحقوق الإنسان لطفي الحاجي، وصف المعركة غير المتكافئة بين الإسلاميين والسلطة قبل الثورة بأنها معركة تنافٍ، وهي السمة التي طبعت علاقة بقية الأحزاب مع السلطة، إذا استثنينا أحزاب البلاط أو الديكور التي كانت تدعو وهي «المعارضة» لانتخاب الدكتاتور.
وتحدث الحاجي عن المعارضة التي كانت تريد تغييراً راديكالياً جذرياً، بمعنى أن تحل محل النظام، وكانت تقابل نفياً بنفي، سواء تعلق الأمر بالقوميين، أو اليساريين، أو الإسلاميين، لكن الاختلاف بين السلطة والإسلاميين قبل الثورة - كما يشير الحاجي - كان أكثر تعقيداً، إذ كانت الأحزاب السياسية المعارضة مجرد الوجه الآخر للمرجعية الغربية، بما في ذلك اليسار، في حين كانت الحركة الإسلامية التناقض الكامل مع النظام الحاكم قبل الثورة، فهي تبشر بمجتمع إسلامي، بينما يريده النظام «البورقيبي»، ومن ثم نظام «بن علي» نسخة غربية، ولكن بدون الديمقراطية وحقوق الإنسان، وبدون الدولة المدنية - رغم الانتساب الكاذب - التي تمنع الظلم والحيف وسلطة الفرد الواحد، والحزب الواحد، والرأي الواحد.
وفي عقيدة الإسلاميين، فإن ذلك يتوافق مع الإسلام الذي يدعو إلى العدل بل الإيثار، والقسط بل الإحسان، وتعدد الآراء بل الاستشهاد بذلك، وهو ما مثلته المذاهب المختلفة التي يمكن أن تكون سلفاً جيداً للأحزاب المعاصرة، وعندما التقى الإمام الشهيد حسن البنا؛ «بورقيبة» قال له الشهيد: «نحن روح جديدة تسري في هذه الأمة»، وهو ما لم يفهمه «بورقيبة»؛ حيث كان يتحدث عن تعدد الحضارات في تونس، لكنه يضع الحضارة الإسلامية بين قوسين؛ وهو ما يعني أنه يقفز على حضارة 15 قرناً، وهذا لا يستقيم أبداً، علاوة على أن نظرة «بورقيبة» والإسلاميين للغرب مختلفة؛ فالإسلاميون يطمحون إلى الحصول على التكنولوجيا، في حين يرى «بورقيبة» أن التقدم كامن في مظاهر الحياة الغربية، أو في أحسن الظروف على مقولة طه حسين «خيره وشره»، لذلك لم يحرص على امتلاك التكنولوجيا أو يعمل على أن تكون تونس دولة مصنعة، (اللهم إلا على طريقة العلاج بالكفتة، أو الوحش المصري!).
ويؤكد الحاجي أن الحركة الإسلامية قامت بمراجعات انطلاقاً من الواقع وليس الكتب.
جزء من الحل
«الإسلام هو الحل في المنهج، لكن الإسلاميين جزء فقط من الحل في الميدان، أو الواقع الموضوعي؛ لأن الإسلاميين لا يمتلكون تحقيق نصاب القيمة الأولى الآن».. هذا ما صرح به الفيلسوف القيادي في حزب حركة النهضة العجمي الوريمي لـ «المجتمع»؛ حيث شدد على أن الأنظار يجب أن تتجه إلى المستقبل، وليس إلى الماضي، أو على الأقل أن يكون للمستقبل نصيب الأسد، وقد ساهمت الثورة مساهمة فعالة في تنزيل هذه الأفكار التي دعونا إليها قبل الثورة، ولم تجد لها آذانا صاغية، والآن هناك منظومة سقطت وأخرى تبنى، هناك عداوات سقطت لكن الصراع والتدافع يظلان قائمين في أجواء التنافس الشريف.
أما القيادي في حزب نداء تونس، خالد شوكات، فاستشهد بقصة لجلال الدين الرومي، عندما قيل له: إن طفلاً يرى غولاً يؤرق نومه، فنصحهم بأن يتحدث الطفل مع الغول لينتهي الخوف، مذكراً بأن الحوار والحديث مع الإسلاميين مفيد لجميع الأطراف، وأن مشروع الدولة الحديثة مبني على المصالحات الكبرى.
القيادي بحزب حركة النهضة لطفي زيتون، أشار إلى أن الإسلاميين لم يكونوا في صراع مع الدولة ولا مع السلطة، ولم يكونوا يدعون ليكونوا البديل عن السلطة بشكل راديكالي كما يقولون، بل كانوا يريدون دولة ديمقراطية يكونون طرفاً فيها، وهو ما كان واضحاً في انتخابات عام 1989م.
أما المفكر عبدالمجيد النجار، فأوضح أن هناك بقايا من استبداد الماضي، تريد أن يعيش الآخرون على مقياسه، وأن الإسلاميين لا يحسنون حسن السيرة والسلوك في نظره، إلا إذا تطابقت آراؤهم مع آرائه، وهذا البعض يجب أن يتغير.
ويبدو أن حزب حركة النهضة حزم أمره من خلال منظوره لموازين القوى، وباعتماد معيار النصاب في التغيير السياسي والاجتماعي، وهو ما يتطلب جهداً ناصباً لتحقيقه. >