; سيرة عطرة وقدوة ماضية في الزمان | مجلة المجتمع

العنوان سيرة عطرة وقدوة ماضية في الزمان

الكاتب محمد السيد

تاريخ النشر السبت 23-سبتمبر-2006

مشاهدات 69

نشر في العدد 1720

نشر في الصفحة 38

السبت 23-سبتمبر-2006

﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (الفجر: 27-30).

في ذلك اليوم الحزين تبدلت الشموس تكلمت الآيات نفضت القلوب كل الحزن المدخر لتلبس كلمات الرجال ثياب الحداد، فقد غاب البدر العم «أبو بدر». 

ولكن ضياءه لم يغب، فالنفس المطمئنة راضية مرضية، طابت حية، وطابت ميتة وشوق الروح منها إلى دنيا الخير لن ينقضي مادام الأشبال الذين تربوا في الأحضان الدافئة على العهد باقون، وعلى الإسلام الذي نذرهم له الراحل مقيمون متحركون.

 سهيل لم ينطفئ.. بل هو العطاء الفذ قادم، ولاعتدال الفكر والطقس حامل، كي ينفح شتاء العالم عطر النماء، وشذا نظافة اليد وسخاءها، تقولون: مات العم «أبو بدر»...؟ وكيف يموت من يخلف كل هذا الميراث القائم الحي النابض بالحياة...؟

فكم من سيرة حبلى بالعطاء والتقى خلفتها الثمانون عامًا التي قضاها «البدر» بيننا؟ وكم من خير عزيز عظيم يوقظ أحلام المقتدين بالسيرة السمحة، وهو يعيش بيننا مستمرًا في القدوة والصلاح؟

وكم من أقمار وأنوار تركها الراحل... وهي تضيء بعده ليل الشح، فتحيله إلى قيم رجولة، عزت ونمت وربت وامتدت إلى كل البقاع.

وكم من آلاف آلاف القلوب تنبت على بوابتها همة ذلك البدر العلية، فتنفض عن كاهلها برودة القعود لتنبعث الحياة من جديد، إذ تتطلع القلوب على السيرة اليومية للعم «بوبدر»: إن في العبادة والصلة الدائمة بالله... وإن بالعمل وربطه الدائم بالهدف لنصرة دين الله، ورفع راية الإسلام، وإن بالتوكل الذي لا يغادر صاحبه لحظة من وقته، وإن بالإصلاح وخدمة الوطن والشعب والأمة، شعاره في ذلك: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (هود: 88). ولذلك كانت «جمعية الإصلاح ولسان حالها المجتمع» غرة المجلات، ورمز الكلمة الطيبة التي غزت القلوب والعقول في مدارات جغرافية كبيرة.. إن لسان حاله يقول لنا كما قال الشاعر في رفض الخنوع والقعود.. والشح. 

«لم يحن بعد موتي»

ألا... واسمعوني، وحيدًا على الماء صوتي سأورق.. لو يمنع الماء عني لفرط الظمأ يا عشيري، وانضح قبل المواسم غضبتي وفي قلقي أستشف الذي سوف يأتي سياتي.. سيأتي ضحى».

 العم «بوبدر»، وأقول: هل عقمت الأرحام وجفت الأصلاب، فلم يعد فيها «بوبدر» آخر؟ وما يولد إلا الأقزام...؟ نفتئت عليك إن قلنا ذلك نكذب على سيرتك إن اعتقدنا القول... وما سيرتك إلا شمس في عالمنا تلد الأقمار المقتدية والأشبال في مقدمة ركب الأقمار وعلى راحاتهم تشتعل مواقد العطاء والسخاء والبذل، وفي جوارحهم ترعد مع الطاعات النخوة فتستيقظ الهمم الواهنة، ومع الفقد والاقتداء والتأسي والوفاء نستلهم الرؤى والسلوك، كما استلهمت ذلك كله يوم لقائك بالباني «حسن البنا» الإمام المرشد المقدام، فعاهدت ووفيت العهد وزدت على العهد التفاني والانصهار في الوفاء حتى كاد الوفاء أن يقول لك: مهلًا أخا العهد مع الرسول الكريم ﷺ الذي كان في رمضان العشر الأواخر «كالريح المرسلة».

يا بدرنا يا أبا بدر.. ضياؤك والوفاء لن يغيبا عن يومنا أو غدنا، ومن يرد منكم -أيها السامعون القارئون- أن يحيد عن الدرب فلينظر بين يديه، وبين جفنيه، وفوق قامته ليرى، ويستيقن أن التخلي ليس متاحًا. فالساحات جميعًا تنادي: ألا لا تناموا، فتنسل من أرواحكم بذرة البقاء، فلا يعود فيكم بدر وتحل بكم الظلمات، ويحيق بكم حب الدنيا وداء الشح.

أبا بدر.. ويوم الوداع، قلت كما قال الشاعر: «ورأيت دموعه في عيني»، فدخل في قلبي الروع بجملة تقول: ومن للفقر...؟ وللتو تأملت الجموع من حولي.. فرأيت في تضاريس الوجوه نفس السؤال.. وحينئذ تجاهلت جراحي، واستلهمت السيرة مليًا.. ومر شريط العقود الطويلة المغمورة بالأنس والعطاء والسخاء، واستحضرت القدوة والعهود والوفاء.. وعلى الفور جاءني الجواب: إن الله الذي جعل من العم «بوبدر» رجلًا في أمة، ليس عزيزًا عليه أن يجعل جيلًا كاملًا مقتديًا بالرجل الأمة.. وعندئذ غزت الذاكرة أيامًا خلت فيها من الذكريات العذبة الكثير، فقد كنت أزوره في رمضان كل عام، وكانت جموع ذوي الحاجات -فردية كانت أم جماعية ذات مؤسسات ومشاريع ترتاد البيدر المعطاء، فلا يرد طلب، ولا تعود كف فارغة، مع أن الصفوف والوفود تملأ المكتب كله على سعته، وتمتد إلى السلالم وإلى الشارع، واصلة إلى المسجد القريب من المكتب، وكنت أرقب أبا بدر كيف يتلذذ بالعطاء، كما يتلذذ غيره بالجمع، وأهمس في نفسي قائلًا: كيف صنع الله هذه النفس الفياضة..؟ ويأتيني الجواب حالًا: أتعجب أن يصنع الله نفسًا تقتدي بالريح المرسلة صلوات الله وسلامه عليك يا قدوة العالمين يا سيد المرسلين يا إمام المتقين الباذلين يا من كنت قدوة عمنا أبا بدر، فكان الرجل أحد نفحات تلك الريح المرسلة.

فرضوان الله عليك أبا بدر، فقد أعدت فينا سيرة أولئك العظام الذين كان همهم في حياتهم ومماتهم.. قيام الإسلام وحكم القرآن، وشرعة رب الأنام.. ولا نقول إلا ما يرضي ربنا: «إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإنا على فراقك يا أبا بدر لمحزونون».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1136

87

الثلاثاء 31-يناير-1995

فاز من أدرك رمضان فغفر له