; سيف الإسلام البنا: هكذا كان والدي.. | مجلة المجتمع

العنوان سيف الإسلام البنا: هكذا كان والدي..

الكاتب د. محمود خليل

تاريخ النشر السبت 04-نوفمبر-2006

مشاهدات 69

نشر في العدد 1725

نشر في الصفحة 40

السبت 04-نوفمبر-2006

  • علمني قراءة القرآن وحب العربية وتذوق الأدب.

  • وضعني على الطريق إلى الله.. ووضعت أبنائي في قافلة الدعاة.

  • من يقرأ مقالاته الأولى في «الفتح» عام 1346هـ يدرك أن الله تعالى قد فطره ليكون رجل القدر.

  • لم يضربني قط.. وإنما كان يكتفي بقرص أذني إذ تجاوزت الحدود.

  • أعانه الله على أن يجعل من كل أفراد أسرته كتيبة دعوية متكاملة.

  • لقد بقيت بركة الإمام الشهيد في أبنائه فضلًا من الله ورحمة.

  • ورثت من أبي أن أكون عمليًا في كل شؤؤن حياتي.. ومن جدي الصبر والأناة.

  • أرجو أن يأخذ جدي المحدث أحمد عبد الرحمن البنا حظه من اهتمام الدارسين وطلاب العلم.

بإنسانيته الغامرة، وبساطته المفرطة، بدأ الأستاذ سيف الإسلام حسن البنا.. حديثة لـ«المجتمع» حول الإمام الشهيد أبًا ومربيًا.. والجد الصبور المحدث الجليل أحمد عبد الرحمن البنا صاحب «الفتح الرباني في ترتيب وشرح مسند أحمد بن حنبل الشيباني»... وامتد الحديث لأكثر من ثلاث ساعات بمنزله بمنطقة الدقي بالقاهرة.

وفي حميمية أخاذة.. تجولنا ما بين الصفحات المجهولة من مسرح العم عبد الرحمن البنا إلى خصوصيات عائلية.. رفض الأستاذ «سيف البنا» الحديث عنها، لكنها تقاطرت عبر هذا الحوار...

  • متى ولدت؟

  • أنا من مواليد ۲۲ نوفمبر عام ١٩٣٤م.. وأحمد الله أنني قد ولدت في ليلة مباركة هي ليلة النصف من شعبان.

  • قبل الحديث عن الوالد نريد التعرف عن قرب على شخصية عمك عبد الرحمن البنا التي نجهل عنها الكثير؟

  • الأستاذ عبد الرحمن البنا رجل عبقري بكل المقاييس، وقد عاش وفيًا لدعوته حتى النفس الأخير.. ولا تكفي على الإطلاق رسالتا الماجستير والدكتوراه اللتان حصل عليهما أحد الباحثين لدراسة مسرحه الشعري لأنه رائد كبير.. ظهر جنبًا إلى جنب في وجود كبار الشعراء في مصر، بل وفاز وهو ابن «۱۷ سنة» بمسرحيته الشعرية «جميل بثينة» على مستوى القطر المصري.. وحين تسلم جائزته من زكي المحاسني باشا وزير المعارف حينئذ.. اشترط على الوزير أن تمثل مسرحيته على دار الأوبرا الملكية.. فقال له الوزير: لك هذا. ثم قال عبد الرحمن البنا: وأن يقوم بتمثيلها «أحمد علام» و«عزيزة أمير» شخصيًا.. فقال الوزير: ولك هذا.. ثم قال عبد الرحمن البنا: وأن تكون عزيزة أمير «محجبة».. فقال الوزير: ولك هذا أيضًا.

ومن الطرائف كما يروي الأستاذ عبد الرحمن البنا.. أنه خشي من ظهور جزء من ذراع السيدة عزيزة أمير أثناء أدائها لدورها حين ترفع ذراعها، فصعد إليها وطلب منها أن تضع «أستك» على كم ثوبها حتى لا يظهر أي جزء من الذراع أثناء الانفعال بأداء الدور... فأجابته لذلك.. وظلت هذه المسرحية تعرض على دار الأوبرا الملكية لثلاثة مواسم متتالية.

كل هذا.. في وجود كبار الشعراء أمثال محمود غنيم وعزيز أباظة.. عظماء المسرح الشعري.. وكان ذلك عامي ١٩٣٣، و١٩٣٤م.. وللحق أقول: إن الإخوان المسلمين رواد حقيقيون في كل المجالات لو أفسح الطريق أمامهم.. وهم البديل الصالح لكل ما نعاني منه في مجالات التربية والتعليم والفنون.. بل والتكنولوجيا المتقدمة.

ولكن من يسمع ومن يستجيب؟

وقديمًا قال الشاعر:

إذا لم تكن حاجاتنا في نفوسكم      فليس بمغن عنك عقد الرتائم

  • كيف كانت بدايات دعوة الإمام حسن البنا مع أهل بيته؟

لقد خلق الله حسن البنا ليكون قدوة لكل المسلمين في كل شيء.. وماذا تنتظر من رجل كان يختم القرآن مرة كل أسبوع؟! وهو يمر بالليل والنهار على قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (الشعراء: 214) لقد بدأ عليه الرحمة والرضوان بأهل بيته قبل عامة الشعب.. وأرجو أن نعيد معًا قراءة أول مقال كتبه في الفتح تحت عنوان «الدعوة إلى الله، عام ١٣٤٦هـ، ومقاله الثاني تحت عنوان: «على من تجب الدعوة؟» الذي نشر عام ١٣٤٧هـ. لتعرف أي رجل هذا، وكيف كان يفكر في صدر شبابه، وكيف فطره الله تعالى ليكون رجل القدر.

  • وهل تأثر إخوان الشيخ البنا وبقية أفراد عائلته به؟

  • كان عمي المرحوم الأستاذ عبد الباسط البنا ضابط البوليس أحد رجالات هذه الدعوة الموهوبين.. وقد رباه الإمام الشهيد كما ربى سائر إخوته وإخوانه، فقد أعانه الله تعالى أن يصنع من بيته كتيبة مؤمنة مجاهدة وكذلك أصهاره.. ولعلنا جميعًا نذكر للمرحوم عبد الباسط البنا أشعاره الطيبة التي أشاد بها العلامة د. يوسف القرضاوي في مذكراته التي نشرت مؤخرًا ومنها قوله:

يا ظلام السجن خيم

        نحن لا نخشى الظلاما

ليس بعد الليل إلا

           نور فجر يتسامى

وقوله:

الله أكبر ما طغوا فينا وما يستضعفون

الله أكبر ما قسا فينا الطغاة المسرفون

الله أكبر إنهم بحقوق شعب يعبثون

لا نستعين بغير خالقنا وما نلقى يهون

الله أكبر في سبيل الله أُدخلنا السجون

الله أكبر وليكن بعد الحوادث ما يكون

كما أن له ديوانًا كاملًا اسمه «الحق المبين في أناشيد الإخوان المسلمين» ومنه نشيده الرائع:

حسن البنا.. حسن البنا

            ما غاب بدعوته عنا

وله مسرحية شعرية كتبها في معتقل الطور عام ١٩٤٩م، وأعيد طبعها مؤخرًا بدراسة قيمة لعمي الأستاذ جمال البنا واسم المسرحية «الطاغية» وهي مسرحية شعرية.. وبالمناسبة.. فقد كان الأستاذ عبد الباسط البنا زجالًا رائعًا.. وله ديوان أزجال خفيف الظل اسمه «اللي اطوع لفلسطين.. أيام ظلم السعديين».

ويا ليت رسائل الأستاذ عبد الرحمن البنا المهمة مثل: «إلى الله»، و«حديث الجهاد» و«الدعوة إلى الله» يعاد نشرها، إلى جانب مسرحه الشعري «7 مسرحيات» كما أود إعادة نشر رسائل الأستاذ عبد الباسط خاصة رسالته «مني.. إلى.. شهيد الإسلام» ففي هذه الرسائل رؤية واضحة ومنهج صاف لأسس دعوة الإخوان المسلمين.

في مدرسة السنة النبوية

  • وبمناسبة ذكرك لعمك جمال البنا.. يلاحظ أن له أفكارًا مستهجنة حول بعض القضايا الإسلامية، كيف ترى الأمر؟

وأنا أشد منك عجبًا من هذه الآراء.. ولكن الفكر الشخصي قد يشذ بصاحبه أحيانًا.. لكن الأستاذ جمال البنا بالإجمال.. مفکر مسلم راسخ العقيدة، صحيح العبادة. وقد أضاف الكثير بمؤلفاته التي تربو على المائة كتاب.. ولا بد من أن نذكر له عطاءه الطيب في مجال الفكر العمالي، والتعاوني ورؤيته المستقبلية للكثير من القضايا النقابية والمهنية، وهضمه الجيد للفكر الاشتراكي، ورده عليه بقوة ووضوح، واقتراحه للعديد من البرامج الإسلامية التي تمثل رؤية جيدة لبرامج العمل المستقبلية التي يمكن أن يؤسس عليها بعد القليل من الأخذ والرد فيها.

  • ولكن له اجتهادات تتجاوز السنة النبوية التي يهمشها في كثير من آرائه!

يا أخي.. إنه ربيب مدرسة السنة النبوية المطهرة.. ولك أن تعلم.. أنه هو الذي حقق وشرح المجلدين الثالث والعشرين والرابع والعشرين من موسوعة الجد المرحوم الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا «الفتح الرباني في ترتيب وشرح مسند أحمد بن حنبل الشيباني» بالتعاون مع المحدث الشيخ البحيري جزاه الله خيرًا.

وأنا معك.. ومع كل من يقف بالاجتهاد عند ضوابطه ويلتزم شرائطه بكل دقة.. ونقول مع الإمام الشهيد حسن البنا في رسالته «تحت راية القرآن»: عدتنا هي عدة سلفنا من قبل.

  • سيرتك الذاتية في سطور.

  • أحمد الله تعالى على حفظه لي، فقد شملني وغمرني وأنعم علي بأن سترني وأمدني بمعونته وكنفه ولله الفضل والمنة.. فقد أسبغ علي من نعمه الظاهرة والباطنة.. رغم الرياح الهوج التي أحاطت وتحيط بالأسرة.. وقد تخرجت بفضل الله تعالى في دار العلوم عام ١٩٥٧م، وفي كلية الحقوق عام ١٩٥٦م، وأنا أول طالب توجيهي يدخل دار العلوم من التوجيهية العامة، وتزوجت من سيدة تركية فاضلة، أعانتني على أمر ديني ودنياي.. ورزقني الله عز وجل بأربعة أبناء... «حسن البنا»، وهو طالب بكلية الشريعة والقانون، و«لطيفة» بدار العلوم، و«ثناء» بالثانوية العامة و«عثمان» بالإعدادي، وهم جميعًا من أهل القرآن كما أنهم من أبناء الأزهر الشريف.. وأحمد الله تعالى أن رزقني بأحد أبنائنا الكرام من أهل المنطقة التي أقطن بها حيث يقوم بتحفيظ أبنائي جميعًا القرآن الكريم منذ ١٢ سنة بارك الله فيه وفي أمثاله.

  • بالرغم من ظروفك الصحية ما زلت تعمل بالمحاماة بالرغم من كونك ابن الإمام البنا.. لماذا؟

ولو أن هذه أمور شخصية لا يجب الحديث فيها.. إلا أنني أود أن يعلم الجميع كما قال الإمام البنا: إن «كل كسب لا يقابله عمل فهو باطل».. وإن الإسلام لا يعرف الانقطاع والتبطل.. حتى ولو كان هذا الانقطاع لعبادة الله «من رسالة مشكلاتنا الداخلية في ضوء النظام الإسلامي».. وأنا أخ لثلاث بنات.. إحداهن «استشهاد» وهي حاصلة على الدكتوراه في الاقتصاد السياسي من جامعة الأزهر، وهي زوجة الأستاذ الدكتور عبد الله عياد أستاذ الجراحة بطب المنوفية، والأخرى «سناء» وهي حاصلة على الدكتوراه في الاقتصاد المنزلي، وهي زوجة الأستاذ الدكتور محمد حسن الشريف أستاذ الجراحة بطب الأزهر... والثالثة «وفاء» زوجة الداعية المجاهد الدكتور سعيد رمضان، أحد أبرز مؤسسي العمل الإسلامي بأوروبا، وأم د. طارق، ود. هاني وسمية رمضان، وهم جميعًا من أذكى وأخلص الدعاة إلى الله في أوروبا، وهكذا بقيت بركة الإمام في أبنائه، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (النساء: 9).

  • ماذا عن حسن البنا كوالد وأسلوبه في تربية أبنائه؟

كان والدي الجليل الشهيد حسن البنا يقيم مثالًا لنا من نفسه، فقد كان يؤمن إيمانًا راسخًا بأن التربية بالمثال هي خير وسائل التربية، فقد كان رجلًا عمليًا جدًا.. وفي ظل عمله الدائب.. تشعر أنه رجل مبارك.. له جاذبية عجيبة.. لا تملك معها إلا أن تطيعه بل وتندمج فيما يأمرك به أو يدلك عليه.. ولا أذكر أنه ضربني أبدًا.. بل كان يكتفي بقرص أذني- وربما بشدة- إذا تجاوزت الحدود في أمر من الأمور.. كما أنني أدين بالكثير من تربيتي وثقافتي إلى جدي الفاضل العالم الجليل أحمد عبد الرحمن البنا.. وأذكر كثيرًا جدًا من المأثورات والحكم والأمثال وأبيات الشعر التي كان والدي يحفظها لي للاستشهاد بها في الخطابة والإنشاء... كما كنت أحفظ الكثير من قصائد الشعر الطيب التي كانت تنشر بمجلات وصحف الإخوان وتحمل مبادئ ومفاهيم الدعوة إلى الله من أمثال أشعار عبد الحكيم عابدين والباقوري والقرضاوي وعبد الباسط البنا وآخرين.. جزاهم الله عنا خير الجزاء.

  • ماذا تمثل لك دعوة الإخوان المسلمين؟

دعوة الله عز وجل في دمي ولحمي وعظمي وقلبي، ونخاعي الشوكي.. وأنا كثيرًا ما أتمثل قول شاعر الإسلام:

روح النبي أطلي وانظري فئة

             تفدي تراثك بالدنيا وما فيها

قد عاهدتك على عيش تعز به

           أو أن تموت فداء عن معاليها

لن نستكين لضيم قد يراد بنا

             فداء عزتنا الدنيا وما فيها

هذي يدي قطعت إن كنت أبسطها

            لغير راية دين الله أعليها

مجد يضيع، وآمال مقدسة

            ولا يرى الله فينا من يفديها

ولا نُروّي صعيد الأرض من دمنا

             ولا ترى الطير أشلاء تغذيها

كلا.. ولو قامت الدنيا تدافعنا

                 عما نحاول قاصيها ودانيها

إن الشعوب إذا صحت مطالبها

                 فالموت في ظلها أسمى أمانيها

وأنا كثيرًا ما أستشهد بهذه الأبيات في المؤتمرات الجماهيرية العامة.

  • ماذا ورثت عن والدك الإمام حسن البنا؟

ورثت عن والدي الشهيد أن أكون مسلمًا عمليًا بكل معنى الكلمة.. وورثت عن جدي الصبر والأناة والنفس الطويل... والتوكل الصادق على الله عز وجل.. وورثت عن كل أفراد الأسرة حب العلم وتقدير العلماء، وأيقنت أن لله تعالى فرجًا من حيث لا يحتسب الناس.

  • ذكرت في البداية إهمال الكتاب والناشرين تراث جدك أحمد عبد الرحمن... فما هو هذا التراث؟

أتمنى أن يأخذ الجد المرحوم أحمد عبد الرحمن البنا حظه من التقييم العلمي المناسب لجهده العظيم الذي قدمه في «الفتح الرباني» الذي ظل علماء الحديث في هذه الأمة يقولون: «نسأل الله أن يفتح من بعدنا على من يقوم بترتيب مسند أحمد» فضلًا عن شرحه.. كما قال الإمام الذهبي... وقد بدأ الشيخ هذه الرحلة الشاقة التي تضيق بها الكثير من المجامع العلمية عام ١٣٤٠هـ، وفي نهاية العقد الرابع من عمره المبارك... ولم يضع القلم إلا قبل رحيله بثلاثة أيام فقط «توفي في ۱۹ نوفمبر ١٩٥٨م الموافق الأربعاء ٨ من جمادى الأولى عام ۱۳۷۸هـ»..وكما قال بعض المعاصرين، إن هذا العمل كان يتطلب صبر أيوب.. ومال قارون.. وعمر نوح.. وهذا المسند الذي وضعه الإمام أحمد في القرن الثالث الهجري.. ظلت الأمة حتى القرن الثالث عشر الهجري- أي طوال عشرة قرون كاملة- دون أن يتصدى له أحد، وقد حاول الإمام ابن كثير أن يقوم بمثل هذه المهمة الفدائية فقال: «ما زلت أنظر فيه والسراج ينوص حتى كف بصري معه» فكيف قام بهذه المهمة رجل واحد عليه إعالة أسرة مكونة من تسعة أفراد وزوجتين؟ وكيف قرأه خمس مرات، فاصطاد الفرائد، واقتنص الشوارد وقيد كل حديث بقرينه وأنيسه، وأجلسه مع جليسه، واستخرج زوائد عبد الله ابن الإمام أحمد من خلال السند وكذلك زوائد القطيعي وهو... والحق يقال.. عمل تنوء به العصبة أولو القوة.. وكما قال عمي جمال.... رزقنا الله وإياه السداد. والصواب:

يا صاحب الفتح كم في «الفتح» من شرف

يكسوك فضلًا عن الأجيال والسلف

ولم يكن ذاك كافيكم فجدت لنا

بمرشد الدعوة السمحاء في الخلف

الله أكرمكم والله ألهمكم

أنعم بكم وبمن أودعت في النطف

الرابط المختصر :