العنوان بعد تفجر شلالات الدماء.. على بشار أن يختار بين مصير بن علي أو حسني مبارك
الكاتب محمد فاروق الإمام
تاريخ النشر السبت 30-أبريل-2011
مشاهدات 56
نشر في العدد 1950
نشر في الصفحة 14
السبت 30-أبريل-2011
يوم الجمعة العظيمة في سوريا (۲۲ أبريل)، التي أراد السوريون إطلاقها للتعبير عن رغبتهم في التغيير والوحدة الوطنية، تحولت إلى مجزرة دامية ارتكبتها قوات الأمن التي قتلت ما يقرب من تسعين - متظاهرًا في مدن مختلفة، فيما - غطى مئات الآلاف من المحتجين - المحافظات الأربع عشرة، حارقين صورًا للرئيس بشار الأسد» - ومسقطين تماثيل والده «حافظ». ومطالبين بإسقاط النظام، في تحد هو الأكبر للنظام السوري منذ 1 اندلاع الثورة في ١٥ مارس الماضي | غداة صدور مراسيم تنهي العمل بحالة الطوارئ.
۸۸ شهيدا في مجزرة الجمعة العظيمة ... ومئات الآلاف في جميع المحافظات يتظاهرون - لإسقاط النظام.
ما ألغت المراسيم التي وقعها «الأسد» محكمة أمن الدولة العليا، ونظمت حق التظاهر السلمي، لكن الاحتجاجات التي أعقبتها مباشرة أعطت انطباعا بأنها فشلت في تهدئة شارع انتقل من المطالبة بالإصلاحات إلى المطالبة بإسقاط النظام.
وفيما نقلت وكالة «رويترز» عن لجنة التنسيق المحلية قائمة بأسماء ۸۸ شخصاً قالت: إنهم قتلوا في مناطق تمتد من ميناء اللاذقية حتى حمص وحماة ودمشق وقرية «إزرع» الجنوبية، قالت منظمة العفو الدولية: إن حصيلة القتلى تجعل يوم الجمعة الأكثر دموية في الاحتجاجات الجماهيرية المتواصلة.
شعارات سلمية
يوم الجمعة العظيمة التي أرادها شباب الثورة في سورية رمزًا يعكس التعايش السلمي والحب والوئام والترابط فيما بين أديان وأعراق ومذاهب الوطن المتنوعة، على مساحة رقعة الجمهورية الممتدة من طوروس وحتى حوران ومرتفعات الجولان المحتلة ومن البادية وضفاف دجلة والفرات وحتى الساحل بكل مدن الشام العريقة الموغلة في التاريخ التي قدمت للبشرية أول أبجدية عرفها الإنسان.
في هذه الجمعة العظيمة، خرجت جماهير شعبنا السوري تنشد الحرية وتطالب بالكرامة، وقد ظنت أنها محصنة من تعديات قانون الطوارئ بعد إلغائه، ومحمية برجال الأمن الملزمين بحمايتهم بموجب قانون الحريات وحق التعبير والتظاهر، الذي حلت عنه القيود وتفككت عن معصمه الأصفاد بموجب مرسوم رئاسي!
في هذه الجمعة العظيمة، كانت قوات الأمن بانتظار هذه الجماهير التي تهتف حناجرها بكل خشوع صداحة بشعار : «سلمية سلمية .. لا بارود ولا بندقية».. و«لا إخوان ولا سلفية.. بدنا بدنا الحرية»، وكانت هذه الهتافات الشفافة الواضحة ردا على توصيف النظام لهم.
وبدلا من أن تعزز الشعارات من احترامهم وتؤمن سلامتهم وتبعد عنهم الأخطار، كانت كلسعة الحرباء لهؤلاء المتربصين الذين أعدوا للأمر عدته وبيتوا للغدر حبائله وكيده، وقد أقاموا الحواجز الترابية والجدران المعدنية في رأس كل شارع وحي وميدان، استعدادًا لملاقاة عدو كأنه قادم من وراء الحدود يريد الوطن وأهله .. أليس هؤلاء المتظاهرون هم من يدفع بهم الأعداء ليقفوا حجر عثرة في مسيرة دولة الممانعة والصمود والتصدي ويريدون حرف المسيرة النضالية لحزب البعث القائد للمجتمع والدولة، وشق صف المقاومة وحمايتها، وهم المتآمرون والخونة والعملاء والمأجورون والمندسون والإرهابيون والسلفيون والأصوليون المرتبطون بالصهيونية والإمبريالية، ويجب قتلهم واستباحة دمهم واستئصال شأفتهم ؟!
قبل فوات الأوان
وبلا مقدمات عهدناها عند كل دول العالم (تحذير.. إنذار.. قنابل غاز رش مياه).. فتح هؤلاء الحاقدون نيران أسلحتهم الرشاشة دون سابق إنذار إلى صدور ورؤوس فتيان وشباب هذه التظاهرات بهدف القتل وإنهاء الحياة، لتتناثر الدماء وترسم لوحات مخيفة على الأرصفة والشوارع والجدران ونوافذ السيارات ووجوه المارة، وتسقط قامات وتتهاوى أجساد وتتعثر أقدام ويختلط التكبير بتناجي الأرواح وهي تصعد إلى بارئها تشكو ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، وتسأل: بأي ذنب قتلتني يا بشار ؟!».
وتختلط دماء الآباء والأبناء والإخوة والأحبة والأصدقاء، وتزف أرواح الشهداء إلى الفردوس الأعلى قبل أن توارى أجسادهم التراب، وحناجر المشيعين تصدح: «بالروح بالدم نفديك يا شهيد»، ويتردد صدى هتافهم في حناجر الملايين من الحسكة ودير الزور والقامشلي، وحتى درعا والسويداء والقنيطرة، مروراً بالرقة ودمشق وحلب واللاذقية وطرطوس وحمص وحماة ودوما وبانياس.
ويسحب الجرحى ودمائهم تنزف كي لا تقع بيد القتلة للإجهاز عليهم، كما شهدنا وشاهد العالم كيف يهوي القتلة بعصيهم على رؤوس هؤلاء الجرحى بدل إسعافهم حتى يفارقوا الحياة في الأيام والأسابيع الماضية .
لقد ظن نظام البعث أنه سيتمكن من هذا الشعب بالقتل والاعتقال والترهيب والتخويف وتفجير أنهار الدماء، يريد الوقوف بوجه هذا الإعصار الذي هب بكل عنفوان الشباب وطاقاته، وقد انتفض وشب على قيده وطوقه، وكسر حاجز الخوف والمهابة منه.
وغاب عن النظام في دمشق أن يعي الدرس قبل فوات الأوان، ويحزم أمره ويرحل قبل أن توصد في وجهه كل الأبواب، ويفر كما فعل بن علي» من تونس.. وحينها، لن يجد أمامه إلا عدالة السماء وقضبان السجن ليشرب من الكأس التي أذاقها لعشرين مليون مواطن على مدى نصف قرن تقريبا، ويكون مآله مثل مصير حسني مبارك في مصر.
■ الثلاثاء الدامي.. وذكريات مذبحة سانت بارتيليمي
- وزير الداخلية الجديد خبير في القتل بدم بارد حيث مارسه من خلال مناصب أمنية تولاها سابقا.
دمشق: المجتمع
يوم الثلاثاء 19 أبريل، وفي ساحة الحرية بمدينة حمص : الوادعة كأهلها، أمضى مجموعة من الشباب اعتصاما سلميا حضاريا عقب تشييع ثمانية شهداء قضوا على يد شبيحة» النظام، في ذكرى جلاء الفرنسيين . عن سورية مطالبين بالحرية والديمقراطية؛ ليفاجأ المعتصمون على حين غفلة برصاص «الشبيحة - في الساعة الثانية فجرا، ودون سابق إنذار - يحصد العشرات منهم بين قتيل وجريح دون أن يجد المعتصمون أي منفذ للفرار من هذا الرصاص الغادر الذي انهال عليهم من كل الجهات مما زاد في ارتفاع عدد المصابين حتى صبغت الساحة بدماء هؤلاء الشهداء والجرحى.
نحن الآن في حضرة محمد إبراهيم الشعار وزير الداخلية السوري في الحكومة الجديدة التي شكلها «بشار الأسد»؛ لتبدأ بعملية الإصلاحات نزولا عند مطالب الجماهير المتظاهرة سلميًّا في كل المدن.
وقد استبق هذا الوزير تنفيذ عمليته بإصدار بيان عن وزارة الداخلية قبل ساعات من تنفيذ المذبحة بحق المعتصمين، جاء فيه: «إن الأحداث التي شهدتها البلاد في الآونة الأخيرة إنما هي تمرد مسلح»، وإن «مجريات الأحداث الأخيرة كشفت أن ما شهدته أكثر من محافظة سورية من قتل لعناصر الجيش والشرطة والمدنيين والتمثيل بأجسادهم.. إنما هو تمرد مسلح تقوم به مجموعات مسلحة لتنظيمات سلفية، ولا سيما في مدينتي حمص وبانياس.
وما جاء في البيان يؤكد أن الوزير المذكور كان يبيت لهذه المجزرة البشعة تحت مسمى جديد (السلفية الداعية لإقامة إمارات إسلامية)، وقد أخفقت المسميات التي سبقتها، والتي وجهت الاتهام إلى عملاء مندسين، ثم إلى فلسطينيين حاقدين، ثم إلى عناصر جاءت من الأردن، وأخرى جاءت من لبنان، ثم إلى عصابات موتورة، ثم إلى مؤامرات خارجية تستهدف النظام الذي يقود معسكر الصمود والممانعة ثم إلى العراق الذي يرسل الأسلحة إلى هذه العصابات!
سجل أسود
وزير الداخلية الجديد الذي أصدر أوامره بالتعامل بالشدة والقسوة لقمع المتظاهرين والمحتجين المسالمين نفذ توجيهات الرئيس بشار الأسد» يوم التقى بعناصر وزارته ليملي عليهم تعليماته ...
نفذ أمر رئيسه بكل دقة ووحشية، أعادت ذاكرتنا إلى مجزرة ارتكبت في مثل هذه الأيام قبل ٤٣٩ عاما في باريس، وعُرفت بمذبحة سانت بارتيليمي»، التي نفذها القتلة فجر يوم الثلاثاء في عدد من الفرنسيين المسالمين الذين يخالفون الملك في الرأي والمعتقد، وقد تجاوز عددهم ثلاثة آلاف، بينهم نساء وأطفال وشيوخ، ولا يزال الفرنسيون يشعرون بالعار تجاه أنفسهم بسبب هذه المذبحة البشعة.
ولا أعتقد أن وزير داخلية النظام في 1 دمشق سيشعر بالعار في يوم من الأيام؛ لأن - سجل تاريخه يشير إلى أنه خبير بكيفية القتل 1 بدم بارد الذي مارسه لسنوات من خلال . المناصب الأمنية التي تولاها، والتي تتحدث عنه كما يلي:
عمل هذا الوزير، الموثوق به جداً من «بشار الأسد»، مديرا لسجن «تدمر» الصحراوي سيء السمعة، وشارك «رفعت الأسد» قائد سرايا الدفاع في ارتكاب مجزرة «تدمر» التي راح ضحيتها نحو ٨٠٠ سجين مكبلي الأيدي والأرجل.. ومديرا لسجن «صيدنايا»؛ حيث شارك «ماهر الأسد» قائد الفرقة الرابعة (سرايا الدفاع سابقا) ورئيس الحرس الجمهوري في ذبح العشرات من المعتقلين السياسيين في السجن عام ٢٠٠٨م، وقد شوهد «ماهر الأسد» وإلى جانبه وزير الداخلية الجديد عبر تسجيل «فيديو» وهو يصور رؤوس الضحايا المقطوعة والأيدي والأرجل المبتورة للسجناء، كما شغل هذا الوزير قبل ذلك - مكافأة له على جرائمه مناصب أمنية حساسة.
هذا السجل الأسود الذي ميز وزير الداخلية في الوزارة الإصلاحية الجديدة، جعل «بشار الأسد» يضع ثقته به، ويكلفه بمنصب وزير الداخلية؛ لينفذ التعليمات بدقة متناهية دون تردد ، وقد باع نفسه وضميره، فالقتل عنده عمل اكتسبه من خلال تمرسه في المناصب الأمنية المختلفة في عهد «الأسد» الكبير، ومن بعده في عهد «الأسد» الصغير!
حبر على ورق
وإذا كان هذا الوزير هو رمز الوزارة الإصلاحية الجديدة التي شكلها الرئيس «بشار الأسد»، فإن ذلك يؤكد أنه لا نية لهذا النظام بإجراء أي إصلاحات، وأن كل وعود بشار» الإصلاحية هي مجرد حبر على ورق»، أطلقها بهدف امتصاص نقمة الجماهير وغليانها، واللعب على ورقة الزمن التي ستكفل لهذا النظام - بوهم ظنه - إطالة عمره وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء .. وهذا ما سيجعله في مواجهة الإعصار الذي هب على المنطقة واقتلع أعتى الأنظمة الديكتاتورية في المنطقة العربية في تونس ومصر، وجعل البعض الآخر من هذه الأنظمة المستبدة يترنح أمام صمود الجماهير وإصرارهم.
لقد اتخذت الجماهير السورية قرارها وحزمت رأيها، فلا عودة إلى ما قبل ١٥ مارس ولا عودة للركون إلى نظام القتل والإذلال والقهر والإفساد والنهب، وقد كسرت هذه الجماهير حاجز الخوف من «مافيا» الطبقة الحاكمة المستبدة، مهما غلت التضحيات وارتفعت قيمة فواتيرها .. فإذا أرادها النظام سفكاً للدماء، فلن تخشى جموع الشعب الموت على طريق الحرية والكرامة في انتفاضة سلمية حتى النصر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل