العنوان غارات الـ «ناتو» تحصد المدنيين الأبرياء بدعاوى واهية مجازر الاحتلال تزيد غضب الأفغان وترفع أسهم «طالبان»
الكاتب ميديالينك
تاريخ النشر السبت 24-أكتوبر-2009
مشاهدات 44
نشر في العدد 1874
نشر في الصفحة 34
السبت 24-أكتوبر-2009
يبدو أن تعهدات قوات الاحتلال الأمريكية وحلفائها في أفغانستان بعد كل حادثة قتل تستهدف المدنيين بعدم تكرارها، والإعلان عن لجان لمتابعة التحقيق باتت تصريحات استهلاكية وديكورية الهدف منها احتواء الغضب الشعبي في أفغانستان، والظهور أمام المنظمات الإنسانية والدولية والرأي العام العالمي بأنهم جنود مسالمون لا ينوون على الإطلاق الإضرار بأحد، وأنهم رسميًا وعلنيا ضد ارتكاب مجازر ضد المدنيين بأية حال من الأحوال.
خبراء كيف يصدق الأفغان مزاعم الاحتلال أنه جاء لتحريرهم من «طالبان» بعد التمادي في قتل أبنائهم ونسائهم؟
هذا ما يقوله اليوم الأفغان من مختلف الطبقات والمذاهب إذ إن ردود الفعل التي تحصل على الدوام بعد هذه المجازر تكون غاضبة وعنيفة وتظهر بوضوح أن حركة طالبان بانت بالفعل تكسب الجولة من المعارك، وتحقق المزيد من الانتصارات في التقرب من السكان والتحول إلى أكبر جماعة شعبية في أفغانستان.
وبعد جريمة الرابع من سبتمبر ٢٠٠٩م التي راح ضحيتها نحو ۱۰۰ شخص على الأقل، غالبيتهم من المدنيين والسكان المحليين جراء قصف صاروخي جوي لقوات الاحتلال المسماة بقوات التحالف - التي استهدفت السكان مدعية أنهم مقاتلون من طالبان استولوا على ناقلات وقود كانت متجهة لتزويد قوات ألمانية في ولاية «قندوز» في الشمال الأفغاني بات الجميع يدرك أن ثمة جرائم حرب أمريكية تجري هناك سوف تستثمرها حركة طالبان.
٥٠ مجزرة
فمن دون تريث أو التأكد من معلوماتهم راحوا كعادتهم يقصفون الأهداف المدنية ويطلقون عليها صواريخهم التي حولت مائة شخص إلى جثث متفحمة بعد أن انفجر عليهم صهريج مملوء بالوقود في المنطقة.
هذه المجزرة هي المجزرة الخمسون منذ بداية عام ۲۰۰۹م، والأسوأ بعد مجزرة ولاية العدي١٤٣٠ه هيرات التي استهدفت حفل زفاف وأدت إلى مقتل ۸۰ شخصًا غالبيتهم من الأطفال والنساء، ومجزرة «تنكرهار» التي استهدفت مناسبة زواج وراح ضحيتها أكثر من ٧٠ شخصا.
وقد اعترفت الأمم المتحدة بأن سقوط المدنيين الأفغان على يد القوات الدولية بات في تزايد منذ مطلع عام ٢٠٠٩م، وأن هجمات طالبان ضد القوات الدولية كان يرد عليها بقتل المدنيين العزل دون التحقيق أو التأكد من أهدافهم.
وقد لقي غالبية المدنيين حتفهم في أفغانستان جراء القصف الصاروخي أو الجوي لقوات حلف شمال الأطلسي (ناتو) والحلفاء الآخرين، بينما كانت معظم أهداف طالبان هي قوات الجيش والشرطة والمخابرات الأفغانية حيث استهدفت معظم عملياتهم التي سجلت منذ مطلع عام ٢٠٠٩ أهدافا عسكرية وأمنية وليس مدنية.. أما المدنيون الذين سقطوا على أيديهم فقد كانوا بين علماء دين وبرلمانيين وزعماء قبائل اتهموا جميعهم بالتعاون مع الحكومة ومساعدتها.
ويقول الخبراء: إن القوات الدولية والأمريكية بانت تشعر بالفعل بأنها تورطت في رمال أفغانستان ودخلت نفقًا طويلًا ومظلمًا لا تعرف كيف الخروج منه، فهي ترى أنها إن قررت الانسحاب كما صنعت مع العراق فإن تنظيم القاعدة سيعيد تنظيم صفوفه من جديد وتقوية نفسه واستئناف هجماته على طريقة هجمات 11 سبتمبر ۲۰۰۱م، وبالتالي فإن بقاء قواتها في أفغانستان سيكون الخيار الوحيد لديها لمنع هذا التهديد.
لكن في المقابل فإن استمرارها جعلها تدخل في مواجهة مع المدنيين الأفغان المفترض أن تكسبهم وراحت ترتكب أعمالًا بشعة وتقتل أطفالهم ونساءهم بدعاوى مختلفة لتقوم بعدها بالاعتراف بأنها ارتكبت حماقة وقتلت أشخاصا أبرياء لا ذنب لهم في القضية، وتتعهد بملاحقة جنودها أو المتسببين في ارتكاب هذه الأعمال الوحشية، ثم يتم تناسي الموضوع والتغاضي عنه وارتكاب مجزرة أخرى في حق السكان... وهكذا باستمرار.
ويقول المراقبون في أفغانستان: إن طالبان كان يمكن التخلص منها بوسائل أخرى، وباستخدام طرق مختلفة تظهرها بأنها مجرد مجموعات خارجة عن القانون يجب استئصالها، ولكن بالطريقة التي سارت عليها القوات الدولية واستمرارها في ارتكاب أخطاء كان من المفترض ألا تقع فيها، فإن التيار العام في البلاد بات مؤيدا لطالبان بدلا من أن يبتعد عنها.
خيار التفاوض
قوات الاحتلال ترد على عمليات طالبان بقصف المدنيين العزل. والنتيجة ٥٠ مجزرة في 9 أشهر!
ويرى عدد من المفكرين الأفغان أن التأييد الذي حظيت به حركة طالبان خلال عام ۲۰۰۹م هو نفسه التأييد الذي كانت تتلقاه قبل عام ۲۰۰۱م (تاريخ الإطاحة بها في أفغانستان).. وهذا يعني أن المناخ العام يتجه لصالح طالبان، وهو ما بات يفهمه جنود القوات الدولية وقادتهم، حيث راحوا يتحدثون عن الدخول في مفاوضات مع عناصر معتدلة من طالبان، أو التفاوض مع قادة طالبان المستعدين للحوار حول مستقبل أفغانستان
وتصريحات كل من الأمريكيين والبريطانيين وقادة حلف الناتو الأخيرة استوعبت هذه الحقيقة وراحت تتحدث عن أن الوضع بات يفلت بالفعل من أيديهم، وأن المرحلة الحالية بانت صعبة للغاية، وأن حركة طالبان استفادت بالفعل من أخطائهم الكثيرة وجعلت السكان يرحبون بها من جديد في مدنهم وقراهم، ويتعاونون معها بشكل غير مسبوق وهو ما سيصعب من مهمة القوات الدولية في تحقيق أهدافها وتحرير افغانستان من الجماعات المعادية للغرب ومن نظام طالبان والقاعدة.
ويقول الخبراء: إن الشعب الأفغاني لا يمكنه بعد اليوم أن يصدق ادعاءات القوات الدولية بأنها جاءت لتحريره من طالبان بعد تماديهم في قتل أبنائهم ونسائهم والأبرياء منهم، وما جعلهم يشككون في نواياهم هو الاستمرار في نهج منظم بارتكاب المجازر والقتل العشوائي دون محاسبة القتلة أو الضالعين في الهجمات والاكتفاء بإطلاق تصريحات للتهدئة ولتبريد الغضب وإسكات السكان عن الاحتجاج.
ويقول المراقبون وخبراء الشأن الأفغاني: إن الوقت لم يعد في صالح القوات الأجنبية فيأفغانستان، وإن التطورات باتت تخدم طالبان ومشروعها، وإن السكان المحليين سيخرجون إلى الشوارع للتظاهر، مطالبين بخروج القوات الدولية وعودة طالبان للحكم، مماسيمثل نذير شؤم لهم ولجميع ما بذلوه من جهد طيلة السنوات الماضية.
ويُتوقع أن يخطط الأمريكيون وقوات «الناتو» لوضع خطة إستراتيجية جديدة لكسب الأفغان إلى صفهم تكون ملامحها الحوار مع طالبان علنًا وسرًا، والاتجاه إلى عملية بناء اقتصاد أفغانستان، وإنشاء قوات للجيش يمكنها أن تسير البلاد بعد مغادرتها لها.. كما يتوقع في المرحلة القادمة أن تتفق جميع الدول المعنية بحل هذا الصراع على إعطاء الحوار مع طالبان أولية خاصة.
ويُنتظر أن توكل إلى كل من باكستان والسعودية والإمارات مهمة إقناع طالبان بعدم جدوى الحرب، وضرورة الدخول في حوار مع القوات الدولية للاتفاق على حل يرضي الطرفين وينهي أزمة أفغانستان.
ويقول: المراقبون إن الأشهر القادمة ستشهد حركة غير عادية على محور إقناع طالبان بوقف عملياتها العسكرية في مقابل مفاوضات جادة، والبحث عن مخرج لإنهاء هذه الأزمة ووقف سقوط المزيد من دماء الأبرياء في أفغانستان.
خطة الحل
ويرى المراقبون أن خطة الحل ليست معقدة، ويمكن تحقيقها بالطرق التالية:
إعلان جدول زمني لانسحاب القوات الدولية من أفغانستان حتى لو كان بعد سنوات.
أن يكون التفاوض بين قيادة طالبان الشرعية وقيادة «الناتو» والقوات الأمريكية للبحث في مستقبل أفغانستان.
ويشير المراقبون إلى أن المفاوضات يجب أن تجرى على نظرية الأخذ والعطاء من الطرفين، وألا يحاول أحد الأطراف الظهور أنه المنتصر في هذه الحرب، وأنه في بمظهر حال شعرت طالبان بجدية المفاوضات وجدية انسحاب القوات الأجنبية من أفغانستان ضمن جدول زمني يتفق عليه جميع الأطراف فيمكن القول: إن الأزمة بانت في طريقها إلى الحل.
لكن الملف الذي سيظل يعرقل سير المفاوضات ويؤخر الحل في أفغانستان سيكون ملف «القاعدة» ومستقبلها في أفغانستان؛ إذ إنه لا يمكن للقوات الأجنبية التعهد بالانسحاب من المنطقة دون أن تقدم لها طالبان تعهدات بإخراج القاعدة من أفغانستان، أو على الأقل عدم السماح لها بتنظيم نفسها وتشكيل خطر جديد عليها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل