العنوان شئون إيران وحرب الخليج في حوار مع أحد الاختصاصيين بقضايا المنطقة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 11-مارس-1986
مشاهدات 48
نشر في العدد 758
نشر في الصفحة 29
الثلاثاء 11-مارس-1986
- قضية الحصول على السلاح هي من أسهل الأمور في العالم.
- ۷۰% من صادرات إيران تتجه إلى الغرب على الرغم من مقولتها بأن سياستها الخارجية لا شرقية ولا غربية.
- القيادة الإيرانية شغلت الناس بمسألتين:
الاستيلاء على السفارة الأمريكية والحرب على العراق.
- الدعم الذي حصل عليه الخميني كان بسبب طرحه لفكرة إسلام المستضعفين، أو ما يسمى بالتفسير الخميني للإسلام الشيعي.
- رمضاني: ما حدث في إيران لا يعني بالضرورة حدوثه في مكان آخر حتى لو تواجدت العناصر نفسها.
الدكتور روح الله رمضاني أحد أبرز الباحثين والأكاديميين المتخصصين في شؤون الشرق الأوسط، وخاصة فيما يتعلق بإيران وسياستها الخارجية.. وهو على المستوى الدولي يعتبر أحد الخبراء في هذا المجال.. وكتبه ومؤلفاته ومقالاته الكثيرة تعد من أهم المراجع في شؤون إيران وسياستها الخارجية.. والمجتمع تجري حوارًا معه حول إيران والثورة والحرب سعيًا منها في تسليط الأضواء على الأحداث الساخنة.
- المجتمع: نرحب بكم في هذا اللقاء ونتمنى أن تحدثونا بداية عن وجهة نظركم فيما يتعلق بالثورة الإيرانية في هذه المرحلة مع التركيز على التوقعات المستقبلية؟
- رمضاني: في بداية الحديث أحب أن أوضح أنني قضيت ما يقارب الثلاثين عامًا في التدريس والكتابة عن الشرق الأوسط وبالتأكيد عن إيران، وأنني رغم تخصصي في سياسة إيران الخارجية إلا أن اهتمامي بالأوضاع الداخلية يرتبط بشكل وثيق مع اهتمامي بالسياسة الخارجية.
من الواضح أن الإعداد للثورة بدأ قبل عشرات السنين وليس لسنوات فقط، فالمجتمع الإيراني كان يتكون من عدة فئات هي: العلمانيون- التجار- العلماء والملالي، وكانت هذه الفئات في مجملها غير راضية عن حكم الشاه كل حسب معتقده ووجهة نظره، فالعلمانيون لم يكونوا راضين عن الشاه لوجود تطلعات تحررية وديمقراطية عندهم، وهذا لم يكن متوفرًا في حكم الشاه.
وطبقة التجار الذين أهملت مصالحهم نتيجة لظهور المؤسسات التجارية الحديثة التي أصبحت هي المهيمنة على الاقتصاد.
ورجال الدين لم يكونوا راضين عن الحكم منذ عهد والد الشاه لأنه كان يدفع المجتمع بشدة نحو العلمنة، وكان يقلل من أهمية ومكانة رجال الدين، واستمر الحال كذلك عندما جاء الشاه إلى الحكم عام ١٩٤١، واتضحت هذه النظرة بشكل كبير خلال ما عرف بأزمة ١٩٦١ وأزمة ١٩٦٤، وذلك عندما قام الشاه بنفي آية الله الخميني؛ حتى يتسنى له تحقيق ما أطلق عليه الشاه اسم الثورة البيضاء، التي كانت تهدف للوصول إلى قمة العلمانية والمدنية، وكذلك زيادة الترابط مع الولايات المتحدة الأمريكية.
وبناء عليه فإن رجال الدين كانت لهم أسبابهم ودوافعهم التي تتعلق بشكل رئيسي في محاولات الشاه ضرب نفوذهم الاجتماعي والسياسي في إيران.
ولا بد هنا أن نشير إلى الارتفاع المفاجئ لدخل البترول بسبب ارتفاع سعره في عام ۱۹۷۳، فإيران كان دخلها عام ١٩٧١ لا يزيد عن بليون دولار، وبشكل مفاجئ يرتفع هذا الدخل عام ١٩٧٤ ليصل إلى ٢٢ بليون دولار. وكان الشاه يصرف هذه الأموال الهائلة بدون تخطيط؛ إلى درجة أدت إلى حدوث عجز في الميزانية، وإلى زيادة البطالة والتضخم.. إلخ. وأذكر أنني زرت طهران عام ١٩٧٥ ولاحظت اهتزاز حكم الشاه وعدم استقرار الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
وأثناء قيامي بإلقاء العديد من المحاضرات في الكليات الجامعية لاحظت عدم الرضا الواضح، ليس من حكومة الشاه فقط ولكن أيضًا من الولايات المتحدة؛ نظرًا للعلاقة الوثيقة بين الشاه والولايات المتحدة. ولكن مع ذلك لم يكن هناك من يعتقد حتى أواخر عام ۱۹۷۷ أنه سوف تكون هناك ثورة ضد الشاه كالتي قامت، وأيضًا حتى أوائل عام ۱۹۷۸ عندما كان آية الله شريعتمداري هو الشخص البارز وربما أكثر من الخميني، كان المعتقد أن الأمر يدور حول فكرة الإصلاح الشامل ضد الفساد وضد الهالة الكبيرة المحيطة بالشاه.
ولذلك فإن ديناميكية الثورة اتضحت خلال عامي ٧٧-٧٩ وهذه الديناميكية كانت تتعدى كل التوقعات والتصورات.
ومن الطبيعي أن عدم رضا هذه المجموعات المختلفة عن حكم الشاه؛ جعلها تتفق وتتلاحم مع بعضها من أجل الخلاص من حكم الشاه، ولكن حال سقوط الشاه والوصول إلى السلطة فإن كل مظاهر الوحدة والتوافق بين هذه الفئات بدأت تتلاشى، فكان هناك أتباع الخميني وكان هناك أيضًا «مجاهدي خلق»، وكان هناك «فدائيي خلق»، وكان هناك أتباع مصدق أو ما يسمى «بالجبهة الوطنية»، ومن هنا يمكن أن نفهم التصريح الذي قاله مهدي بازركان أول رئيس حكومة بعد الشاه وهو: «إن هذه الدولة تدار من قبل ألف قائد».
ولذلك يمكننا القول إن الثورة مرت بثلاث مراحل بعد قيامها:
المرحلة الأولى: من سقوط حكم الشاه في ۱۱ فبراير ۱۹۷۹ إلى ٦ نوفمبر عام ١٩٧٩، وهو يوم سقوط حكومة بازركان إثر الاستيلاء على السفارة الأمريكية من قبل أتباع الخميني.
المرحلة الثانية: من ٦ نوفمبر ۱۹۷۹ إلى يونيو ۱۹۸۱ وهي فترة حكم أبو الحسن بني صدر الذي لم يكن من رجال الدين، ولكنه كان مقربًا من الخميني، وفي هذه الفترة ظهر التنافس واضحًا بين بني صدر وبين بهشتي ورفسنجاني ورجائي، وكان «بني صدر» هو الخاسر في النهاية؛ لأنه طُرد من قبل الخميني نفسه فآثر الهروب إلى فرنسا.
المرحلة الثالثة: وتتمثل في ظهور الحزب الجمهوري الإسلامي وحصر القوة والسلطة بيده، فلا وجود لمجاهدي خلق ولا لفدائيي خلق ولا لحزب توده ولا للجبهة الوطنية.
فالقوة الحقيقية أضحت ملك الحزب الجمهوري، والقيادة للخميني حيث الهيمنة المطلقة لفكره وفلسفته ولطريقة تفكيره ومعالجته للأوضاع الداخلية والخارجية.
- المجتمع: ولكن هل هذا يعني أنه لا توجد معارضة في إيران؟
- رمضاني: بالتأكيد هناك معارضة شديدة متواجدة خارج إيران، وأما بالنسبة للداخل فإنني لا أعرف إلا القليل عنها، فمهدي بازركان مثلًا اختار أن یبقی داخل إيران وعنده الشجاعة للتكلم والكتابة.. وقد اطلعت مؤخرًا على تقارير تتضمن انتقاد بازركان لانتخابات الرئاسة الأخيرة، وكذلك انتقاده للحرب مع العراق وأنها ليست في مصلحة إيران.. ولكن هذه الانتقادات أدت إلى مراقبته وتقليص حركته.
وبشكل عام فإن القيادة الإيرانية شغلت الناس بمسألتين كبيرتين هما:
- الاستيلاء على السفارة الأمريكية وجعل الدبلوماسيين الأمريكيين رهائن لدى أتباع الخميني الذين نفذوا عملية الاستيلاء لمدة ٤٤٤ يومًا.
- الحرب مع العراق التي تزامنت في بدايتها مع حادثة السفارة الأمريكية وما زالت مستمرة حتى يومنا هذا.
- المجتمع: الملاحظ أن الثورة الإيرانية تميزت بقوتها وشمولها معظم الجماهير الإيرانية، ورغم وجود إيران في محيط العالم الإسلامي ورغم وجود صلات وارتباطات بين معظم دول العالم الإسلامي وبين الولايات المتحدة أو روسيا، إلا أنه لم يحدث مثيل لهذه الثورة في تلك الدول، ولا يبدو أن هناك ملامح لظهور مثل تلك الثورة، فما هي الاختلافات أو الأسباب التي دعت إلى قيام هذه الثورة وبتلك الشدة والقوة؟
- رمضاني: هذا سؤال مهم وصعب، وأنا لا أدعي أن لديَّ الإجابة الكافية عليه، ولكني أعتقد أن أحد العوامل المهمة كانت تتمثل بسرعة عملية التمدن، وأنا لا أقول إن المدنية والاتجاه لها كان سببًا في قيام الثورة، ولكنه الأسلوب الذي اتبعه الشاه للوصول إلى تلك المدنية، فقد كان هناك تركيز كبير على العلمانية ونبذ الدين، وأعتقد أن هذا الجانب له أهمية كبيرة في تاريخ إيران لفترة طويلة، وأعتقد أن ظروف إيران التاريخية والاجتماعية والاقتصادية كانت ذات طبيعة مؤدية إلى حصول الحماس القوي من قبل الجماهير، ولذلك فإن هذه الثورة لم يكن من الممكن أن تصل إلى المدى الذي وصلت إليه إذا كانت قضيتها محصورة بالقضاء على الإمبراطورية البهلوية.. ولكن الأوضاع تعدت ذلك إلى مدى غير ممكن التحكم فيه، وضع أدى إلى ضعف الشخصيات التي كانت بارزة من أمثال آية الله شريعتمداري وضعف أولئك الذين كانوا ينادون بالإصلاح. وأصبح الخميني هو الشخصية القائدة. وقد كتب عن السلطة الشرعية وتحدث عن نوعية الحكومة المرحلية خلال فترة غياب الإمام المنتظر.. رغم أن تفسيرات الخميني كانت حسب رأي كثيرين تتعارض مع التقاليد الشيعية التي كانت مرنة مع الوضع السابق؛ ولذلك فإن هؤلاء كانوا يسمون خط الخميني بالخط المتزمت.
وما حدث في إيران لا يعني بالضرورة حدوثه في مكان آخر حتى لو تواجدت العناصر نفسها، وأعتقد أنها ظروف خاصة وفريدة أدت إلى قيام مثل هذه الثورة، وقيادة الخميني كانت مقبولة من الناس لصفاته الشخصية ولظروف القهر والاضطهاد التي عاشها الناس خلال الفترة الطويلة من حكم الشاه.
- المجتمع: ألا تعتقد أن العامل الرئيسي لهذه الثورة يكمن في تركيبته ومعتقدات الطائفة الشيعية؟ فالتقليد على سبيل المثال يعتبر عقيدة مهمة حيث لا يمكن التعبد من غير أن تكون مقلدًا، فالواجب يقتضي أن يكون الشيعي مقلدًا لمرجع حي، وهذا في غاية الأهمية لأنه يؤدي إلى ما يسمى بالتنظيم أو الرابطة السياسية. فالقائد هو المرجع والأتباع هم المقلدون الذين يوجد من بينهم من يسمى «بالمحتاط»، وهو الشخص الذي يوضح ويشرح أوامر المرجع وهو الذي يجمع الخمس الذي يشكل دخلًا لهذا التنظيم.. وهذا كله يعني أن هناك ثمانية تنظيمات سياسية استنادًا لوجود ثمانية مراجع.
ومن ناحية ثانية هناك المال، فكل مرجع لديه الدخل والميزانية التي تأتيه من جمع الخمس والزكاة والصدقات.. وهذه قضية على جانب كبير من الأهمية نظرًا لأهمية المال. ومن ناحية ثالثة: فإن العاطفة الدينية لها دورها الكبير في تكوين روح عالية وعاطفة متأججة ويساعد على ذلك بشكل واضح الاحتفالات الدينية للطائفة الشيعية، كيوم عاشوراء والاحتفالات التي تقام في الحسينيات.. وهذه النواحي تساهم إلى حد كبير جدًّا في مساعدة المراجع العلمية على قيادة الناس. - رمضاني: إن النقاط التي أثرتها مهمة جدًّا ولكن دعني أوضح لك هذا الجانب: ابتداء: المراجع في المذهب الشيعي هم مجموعة وليس فردًا واحدًا، وهذا يجعل في المذهب فسحة للآراء، فشريعتمداري هو ذلك الشخص والخميني هو شخص آخر، إذن المجموع العام للناس ليس لديه مرجع واحد فقط وإنما لديه عدة مراجع، وهذا يعني أن الفرد عليه أن يتبع مرجعًا واحدًا فقط، ولكنه أيضًا يستطيع أن يغير المرجع الذي يقلده وهذا معروف في التقليد الشيعي، ولكن الذي حدث أن هناك شعورًا بالاضطهاد سواء أثناء حكم الشاه أو قبله، وعندما كانت ثورة الدستور قدم العديد من رجال الدين تضحيات كبيرة، ومات عدد منهم من أجل ثورة الدستور الذي تضمن تشكيل لجنة من خمسة مجتهدين تكون مهمتهم الإشراف على القوانين، ولكن هذا لم يأخذ جانب التنفيذ لأن الشاه سار على طريقته الخاصة ولم يعط المجتهدين أي اعتبار. إضافة إلى أن العديد من المجتهدين لم يكونوا يسعون للثورة بل إلى الإصلاح، وليس كل الشيعة يعتقدون أن السلطة الكاملة تكون بيد المجتهد، وإن هناك من يعتقد أنه خلال فترة غياب الإمام المنتظر فإن الحكم العلماني يمكن أن يكون مقبولًا.
ولا بد هنا أن نشير إلى أن الدعم الذي حصل عليه الخميني كان بسبب طرحه لفكرة إسلام المستضعفين، أو ما يسمى بالتفسير الخميني للإسلام الشيعي، وهناك من يقول إن هذا ليس بفكر الخميني في الأصل، ولكنه فكرة على شريعتي الذي كتب عن الإسلام بأسلوب يجذب الشباب المتحمس، وكان شريعتي يهاجم رجال الدين الذين لا يرون في الإسلام سوى الطقوس وتجميع الزكاة والأخماس. وما أريد أن أقوله هو أن رجال الدين كان بمقدورهم تحريك الجموع الكبيرة من الناس، وحقيقة كون رجال الدين الشيعة كانت صلتهم وثيقة جدًّا بالناس- من خلال التعازي والأفراح والاحتفالات الدينية وجمع الأخماس- فإن هذا لا شك له أهمية كبيرة.
- المجتمع:
هناك تحليل آخر للثورة الإيرانية يقول إن الدول الكبرى وبشكل رئيسي الولايات المتحدة ومخابراتها كانت تقف وراء هذه الثورة، ويقولون إنه مع بداية الخمسينيات حاولت أمريكا الدخول إلى هذه المنطقة وبدءوا من مصر حيث أظهرت عبد الناصر على أنه قائد معارض لأمريكا علنًا فقط، بينما كانت لديه أحسن العلاقات مع أمريكا في السر، وكون هذه التجربة نجحت في مصر فإن هذا يعني أنها تنجح في إيران؛ خاصة أن المنطقة ذات أهمية كبيرة بسبب احتياطي النفط الكبير.. وهناك أيضًا المعارضة الشديدة للوجود الصهيوني؛ فيكون من الأفضل إشغال هذه الشعوب بإقامة نظام جديد له طابع الثورية، وهذا النظام يقيم الحروب مع جيرانه والحرب تستدعي تأمين السلاح والمال.. وفي كل ذلك الهدر الكبير لثروات المنطقة، وهذا ما حدث فعلًا.
- رمضاني: خلال تأليفي لكتاب عن العلاقات الأمريكية- الإيرانية صدر عام ۱۹۸۲، تمكنت من الاطلاع على مصادر من وزارة الخارجية الأمريكية، تبرز دهشة ومفاجأة الولايات المتحدة لما كان يحدث في إيران، وكان هناك تقارير سرية تذكر أن إيران في تلك الفترة كانت في استقرار، فالولايات المتحدة وروسيا أيضًا دهشوا لما حدث في إيران، ولم يكونوا يتوقعون قيام مثل هذه الثورة، والغريب أن هناك الكثيرين في إيران يعتقدون أن هناك أيادي أجنبية جاءت بالخميني إلى السلطة، ولكن هؤلاء يعتقدون أن هذه الأيادي هي بريطانيا وليست أمريكا.
وعلى العموم دعني أقول إن الثورة الإيرانية الآن ليست هي ثورة ۱۹۷۹، ففي البداية كانت القيادة الإيرانية غير مستعدة للتنازل أو التفاوض، وغير قادرة على التعايش مع النظم الأخرى سواء في منطقة الخليج أو الأنظمة الأخرى، ولكن الآن حسب ما أرى فإن هناك علامات وأدلة تشير إلى أن الثورة الإيرانية تريد أن تكون أكثر واقعية، فالخميني نفسه قال في خطبة طويلة منذ فترة إن إيران يجب أن تكون لها علاقات مع جميع الأنظمة إلى حد ما، وفي نفس الخطاب قال إن إيران ستواجه بالخسارة لو استمرت في العزلة، وفي إيران يطلقون على أولئك الذين يميلون إلى المرونة وكسر طوق العزلة بالحجتية والمكتبية، (فالمكتبي) هو ذلك الشخص الذي لا يتحمس كثيرًا لتصدير الثورة، ولا يرى ذلك أمرًا هامًا في الثورة، ولذلك نجد الخميني نفسه يقول في أواخر عام ۱۹۸۲ إن الثورة قد انتهت الآن وإننا بحاجة إلى الاستقرار.
ودعني أكون أكثر وضوحًا، فرغم مقولة إيران بأن سياستها الخارجية لا شرقية ولا غربية إلا أن ۷۰ بالمائة من صادراتها تتجه إلى الغرب وأكثر من ٥٠ بالمائة من وارداتها تأتي من الغرب.
وهناك عنصر آخر وهو أنه في حال ذهاب الخميني من الساحة فإن المرشح لخلافته آية الله منتظري، وهو شخص يعتبر عند الكثير أكثر اعتدالًا وهدوًءا في طريقته وأسلوبه، رغم عدم تمتعه بالشعبية والتأثير كالخميني.
وأقول إنه لولا تلك الحرب مع العراق لوجدت علاقات إيرانية أفضل مع دول المنطقة، وهذا واضح في علاقات إيران مع تركيا والباكستان التي أصبحت أفضل حتى من أيام الشاه.
- المجتمع: ما هو المدى الذي يمكن أن يصل إليه النظام الإيراني من جانب المرونة وتقديم التنازلات والتفكير بشكل واقعي؟
- رمضاني: لقد اطلعت مؤخرًا على مقالات حصلت عليها من جامعة طهران تدور حول السؤال المهم الذي يدور حول تصدير الثورة: إن ما حدث في بداية الثورة مثل تصريحات آية الله روحاني التي اعتبر فيها البحرين جزءًا من إيران، وتصريحات مدرسي في البحرين وعياش المهري في الكويت: كل ذلك لم يعد له قيمة الآن في إيران، والخميني نفسه يقول إنه لم يقل بوجوب تصدير الثورة بحد السيف، ولكن يرى أن أفضل أسلوب يكمن في الممارسات والسلوك. والكثيرون داخل إيران يعتقدون أن نغمة تصدير الثورة لا تتفق مع الواقع.
- المجتمع: ما الذي يوجه سياسة إيران الخارجية؟ الفكر والدين أم الواقع والتعامل أم المصلحة؟
- رمضاني: لقد أجاب الرئيس الإيراني خامئني على ذلك بقوله: «إن إيران لا يمكنها أن تتحدث من منطلق فكرها فقط، وإن عليها أن تلبي رغباتها واحتياجاتها وإننا يجب أن نتعلم من الآخرين ومن فكرهم.. ولذلك هم الآن يقولون يجب ألّا يكون هناك تعارض بين فكرهم وبين المصلحة العامة لإيران، وعلى سبيل المثال فإنه حين اختطفت الطائرة الأمريكية إلى بيروت كان رافسنجاني في دمشق، وقد بذل جهدًا كبيرًا في دفع السوريين للتدخل لإنهاء تلك الأزمة، وهذا يعني أن إيران تحرص الآن على عدم دعم العمليات الإرهابية لأن ذلك يجعلها في عزلة دولية، ولذلك فهي تتحاشى التورط بتلك العمليات التي تقوم بها مجموعات شيعية لبنانية، لأنها لا تحقق لهم أية فائدة. والذي أراه عمومًا أن هناك توجهًا نحو الاعتدال، ودعني أربط بين هذا الأمر والأوضاع الداخلية.
فقد كانت هناك مرحلة المناداة بتصدير الثورة والفكر، وكان هناك دعوة للتحرك في المجال الاقتصادي والمناداة بالاستيلاء على المؤسسات الاقتصادية بالتأميم والتقليل من التجارة الخاصة.. كل هذا تم إيقافه في منتصف الطريق، فالاهتمام كبير في التجارة الخاصة غير الحكومية، وتم تجاهل دعوات التأميم والخميني أعطى تجار البازار فسحة ودورًا أكبر ضمن الاقتصاد الداخلي، وهذه الأمور تسير بشكل متوازٍ مع المستوى الخارجي.
- المجتمع: ما هي توقعاتك لما بعد انتهاء الحرب العراقية- الإيرانية؟ هل تعتقد أن إيران سوف تتفرغ لدول الخليج؟
- رمضاني: أنا لا أرى ذلك ولا أؤمن به، فإيران عندها مشاكلها الداخلية العديدة. ورغم أن العراقيين كان عندهم دوافعهم المقبولة للشعور بالحذر تجاه النظام الإيراني إلا أن الإيرانيين أيضًا كانوا يريدون دخول الحرب، وأظن أنه في حال انتهاء الحرب فإن إيران لن تتوجه لأي من دول المنطقة؛ لأنه ليس لديها أي مصلحة لمواجهة هذه الدول بعد انتهاء الحرب؛ لأن أول مشكلة تواجههم بعد الحرب هي تلبية رغبات وطموحات الشعب الإيراني الذي انتظر طويلًا لكي تقوم الثورة بتحقيقها، ولن يتمكن النظام الإيراني من إقناع الشعب بالدخول في حروب أخرى.. وهناك مشاكل خارجية أيضًا تتمثل في الأوضاع الأفغانية على حدود إيران، وهناك ضغط تركيا وباكستان اللتين ترفضان شن أي حرب ضد الدول الخليجية إضافة للرفض الدولي.
- المجتمع: ما قصدناه في سؤالنا السابق لا يعني أن أسلوب المواجهة بين إيران ودول المنطقة يكون بالحرب وإنما بالتهجم والتهديد الذي نلاحظه هذه الأيام للكويت وباقي دول الخليج ومحاولة استغلال التجمعات الشعبية في المنطقة، وهناك العلاقات بين سوريا وليبيا وإيران.
- رمضاني: بعد انتهاء الحرب مع العراق أعتقد أن العلاقة بين إيران وسوريا ستهتز؛ نظرًا لاختلاف التوجهات بينهما، فبينما تقول إيران إنها تريد رجوع اليهود إلى ما قبل عام ١٩٤٨ نجد أن سوريا مستعدة للقبول بحدود ما قبل عام ٦٧، وتخشى إيران من ظهور من ينادي في سوريا بأن عربستان منطقة عربية، وهناك عودة العلاقات السورية الأردنية على النحو الذي ترفضه إيران.. وسوريا مهمة جدًّا بمركزها كقوة مؤثرة في المنطقة وخاصة في لبنان ولن تتراجع عن هذا؛ ولذلك فإن إيران قالت بعد دخول حرس الثورة الإيرانيين إلى لبنان إنها على استعداد لسحبهم متى ما طلبت سوريا ذلك. ولذلك كله فإن المتوقع أن تعود العلاقة بين إيران وسوريا بعد الحرب إلى وضعها السابق.
- المجتمع: تحدثت بعض وسائل الإعلام عن وجود علاقات ما بین إيران وإسرائيل، هل يمكن أن تحدثنا عن حقيقة هذه الأقوال؟
- رمضاني: كل ما أعرفه أنه في بدايات الحرب «بين سبتمبر ونوفمبر» كان هناك صفقة بيع بقيمة ٢٧ مليون دولار لقطع غيار والتي تمت عن طريق طرف ثالث، يقال إنه فرنسا، وقد أحطت علمًا بأنه أثناء الحرب وانشغال الثورة فإن هذه الصفقة لم تتم عن طريق طهران وإنما عن طريق اتصال هاتفي من مدينة أصفهان من قبل جهة لا أعرف من هي. وأنا من خلال دراستي حاولت أن أحصل على معلومات تتعلق بمثل هذه الصفقة، وهل هي عملية مستمرة أم أنها حادثة واحدة فقط، وحسب المعلومات وجدت أنه لا يوجد أي صفقات أخرى بين إسرائيل وإيران، وتفسيري لمرور هذه الصفقة هو أن «اليد اليسرى لم تكن تعرف ما كانت تفعله اليد اليمنى».
- المجتمع: يلاحظ أنه خلال السنوات الخمس الأخيرة كان الترقب والحذر هو طابع العلاقات الروسية الإيرانية، وبمعنى آخر ليست بالضد ولا بالتوافق، هل هناك تخوف من الجانبين؟ حيث إن إيران تخشى من غزو روسي للمناطق الإيرانية المجاورة لروسيا، وبالمقابل فإن روسيا تخشى من تصدير الثورة الإيرانية إلى داخل روسيا. فما هي وجهة نظركم تجاه هذه النقطة؟
- رمضاني: كما قلت سابقًا عن دهشة الروس للحدث الإيراني الذي لم يكن متوقعًا، إلا أن هذه الدهشة لم تؤثر على العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، والمحافظة عليها، إلا أنه في مطلع الحرب مع العراق طلبت إيران من روسيا التوقف عن تزويد العراق بالأسلحة الروسية، ولكن روسيا كانت ملزمة مع العراق باتفاقات سابقة لا يمكنها التراجع عنها.. ورغم ذلك فإن روسيا بادرت إلى تخفيض كمية السلاح المرسل للعراق ولكن عادت إلى زيادة الكمية بعد الهجمات الإيرانية وعودة العراق إلى حدوده الدولية، وهذا أثر سلبًا على العلاقات الروسية الإيرانية، وعلى العموم فإن الإيرانيين يتعاملون مع الروس بتحفظ وعدم تهجم، وبالمقابل فإن الروس يتخوفون من تصدير الثورة لروسيا، وخاصة أن وضع المسلمين في روسيا يعتبر قضية تشغل بال الروس بشكل عام، سواء كانت إيران موجودة أم لا، فمعدلات التوالد بين المسلمين في روسيا مرتفعة إذا ما قورنت بالشعوب السوفييتية الأخرى.. ومع ذلك فإن الروس اكتسبوا خبرة كبيرة في تعاملهم مع المسلمين، ولذلك فإنه لا يوجد قلق روسي من هذا الجانب على المدى القصير على الأقل، أما في المستقبل فمن المحتمل أن نسمع الكثير عن المسلمين في روسيا.
- المجتمع: هناك اعتقاد بأن المجتمع الغربي يقف وراء إشعال الحرب بين العراق وإيران ووراء استمرارها هذه المدة الطويلة، وذلك بتوفير السلاح للجانبين سواء كان روسيًّا أم أمريكيًّا، والمعتقد أنه بإمكان هاتين القوتين إيقاف الحرب بوقف التمويل العسكري، ولكنهم لا يفعلون ذلك لأنهم يهتمون بمصالحهم فقط.
- رمضاني: تعلمون أن المجتمع الغربي كان يتكلم في السابق عما يسمى بالإرهاب التركي وربما يتكلمون الآن عما يسمى بالإرهاب الإيراني. وأنا شخصيًّا ولدت في هذه المنطقة ولكنني عشت في أمريكا معظم حياتي وأعرف جوانب الضعف والقوة في المجتمع الأمريكي، وأقول إن قضية الحصول على السلاح هي من أسهل الأمور في هذا العالم، وإذا كنت تملك المال فإنه يمكنك شراء ما تريد من السلاح، وأنا أتمنى لو ألقى أهل الشرق الأوسط باللائمة على أنفسهم بدلًا من اتهام الآخرين، وأظن أن العراقيين والإيرانيين سوف يكونون صادقين مع أنفسهم لو أنهم فعلًا نظروا إلى الخسائر التي تُوقعها هذه الحرب بكلا الطرفين. وإن استمرار أو إيقاف هذه الحرب مسألة يحددونها بأنفسهم.. وهذا لا يعني أن الآخرين غير مستفيدين من هذه الحرب، ولكن لا أعتقد أن قرار الحرب واستمرارها صدر في واشنطن.
- المجتمع: في رأيكم لماذا نجحت الثورة في إيران ولم تنجح في العراق؟ حيث إن حزب الدعوة في العراق تحرك على هذا الأساس ولكنه لم ينجح رغم أنه أقدم من الخميني الذي ليس له حزب، وبمعنى أوضح فإن الثورة الإيرانية نجحت مع أنها لم تكن تملك عناصر النجاح، كالتنظيم والفكر والخطط.. بينما حزب الدعوة العراقي يملك الفكر والتنظيم والخطط ولكن لم ينجح.
- رمضاني: أنا لست متخصصًا في حزب الدعوة ولكني قرأت وأعرف عن محسن حكيم، ومن خلال إحدى المقابلات معه في لندن قال: إن أصل حزب الدعوة يرجع إلى زمن الثورة العراقية عام ١٩٥٨، ولكن عدم نجاحه يعود إلى أن المجتمع العراقي لا يماثل المجتمع الإيراني من حيث التجانس الطائفي الواضح في إيران، وهذا الأمر لا شك له أهميته الكبيرة.
- المجتمع: نشكر السيد روح الله رمضاني وإلى الملتقى في مرة أخرى والسلام عليكم.