; المجتمع التربوي العدد 1804 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي العدد 1804

الكاتب رجاء محمد الجاهوش

تاريخ النشر السبت 31-مايو-2008

مشاهدات 99

نشر في العدد 1804

نشر في الصفحة 50

السبت 31-مايو-2008

شاب يسجد لله في قاع البحر.. ما القصة؟

يقول الشاب ذو الـ ١٩ عامًا: كنت أظن أن الحياة مال وفير.. وفراش وثير.. ومركب وطيء.. وفي يوم جمعة جلست مع مجموعة من رفقاء الدرب على الشاطئ.. وهم -كالعادة- مجموعة من القلوب الغافلة.. سمعت النداء: حي على الصلاة.. حي على الفلاح..
أقسم إني سمعت الأذان طوال حياتي.. ولكني لم أفقه يومًا معنى كلمة «فلاح».. فقد طبع الشيطان على قلبي، حتى صارت كلمات الأذان كأنها تقال بلغة لا أفهمها كان الناس حولنا يفرشون سجاداتهم ويجتمعون للصلاة ونحن كنا نجهز عدة الغوص وأنابيب الهواء استعدادًا لرحلة تحت الماء..
لبسنا معدات الغوص ودخلنا البحر.. بعدنا عن الشاطئ.. حتى صرنا في بطن البحر كان كل شيء على ما يرام.. الرحلة جميلة وفي غمرة المتعة.. فجأة تمزقت القطعة المطاطية التي أطبق عليها بأسناني وشفتي لتحول دون دخول الماء إلى الفم.. ولتمده بالأوكسجين من الأنبوب.. وتمزقت أثناء دخول الهواء إلى رئتي.. وفجأة أغلقت قطرات الماء المالح المجرى التنفسي، وبدأت أموت.. ورئتي تستغيث وتنتفض تريد هواء.. أي هواء..
أخذت أضطرب.. البحر مظلم ورفاقي بعيدون عني، وأدركت خطورة الموقف، وأنني سأموت.. بدأ شريط حياتي بالمرور أمام عيني.. مع أول شهقة.. عرفت كم أنا ضعيف.. بضع قطرات مالحة سلطها الله علي ليريني أنه هو القوي الجبار.

آمنت أنه لا ملجأ من الله إلا إليه.. حاولت التحرك بسرعة للخروج من الماء.. إلا أني كنت على عمق كبير.. ليست المشكلة أني سأموت.. المشكلة: كيف سألقى الله؟ إذا سألني عن عملي.. ماذا سأقول؟
أما ما أحاسب عنه.. الصلاة.. وقد ضيعتها.. تذكرت الشهادتين.. فأردت أن يختم لي بهما.. فقلت: أشهـ.. فغص حلقي.. وكأن يدًا خفية تطبق على رقبتي لتمنعني من نطقها.. حاولت جاهدًا أشهـ.. أشهـ.. بدأ قلبي يصرخ رب ارجعون .. رب ارجعون 
دقيقة.. دقيقة.. لحظة.. ولكن هيهات.. 
بدأت أفقد الشعور بكل شيء.. أحاطت بي ظلمة غريبة.. هذا آخر ما أتذكر.. لكن رحمة ربي كانت أوسع.. فجأة بدأ الهواء يتدفق إلى صدري مرة أخرى.
انقشعت الظلمة.. فتحت عيني.. فإذا أحد الأصحاب يثبت خرطوم الهواء في فمي.. ويحاول إنعاشي.. ونحن مازلنا في بطن البحر..
رأيت ابتسامة على محياه... فهمت منها أنني بخير.. عندها صاح قلبي.. ولساني.. وكل خلية في جسدي: أشهد أن لا إله إلا الله.. وأشهد أن محمدًا رسول الله.. الحمد لله..
خرجت من الماء.. وأنا شخص آخر.. تغيرت نظرتي للحياة.. أصبحت الأيام تزيدني من الله قربًا.. أدركت سر وجودي في الحياة.. وتذكرت قول الله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات:٥٦) صحيح.. ما خلقنا عبثًا..
مرت أيام... فتذكرت تلك الحادثة.. فذهبت إلى البحر. ولبست لباس الغوص.. ثم أقبلت إلى الماء.. وحدي، وتوجهت إلى المكان نفسه في قاع البحر، سجدت لله تعالى سجدة ما أذكر اني سجدت مثلها في حياتي.. في مكان لا أظن أن إنسانًا قبلي قد سجد فيه لله تعالى.. عسى أن يشهد لي هذا المكان يوم القيامة فيرحمني الله بسجدتي في عمق البحر.

  وفاء الأرض والسماء..!
رجاء محمد الجاهوش
سأل باستغرب: أتبكي السماء والأرض؟
فجاءه الجواب: «وما للأرض لا تبكي على عبد كان يعمرها بالركوع والسجود؟»
وما للسماء لا تبكي على عبد كان دمعه يسبق دعاءه ساعة القنوت؟ 
نعم تبكي السماء، كما تبكي الأرض على الراحلين من الصالحين والصالحات..
تبكي على أرواح طاهرة فاضت وعلت..!
قال رسول الله ﷺ: «مَا مِن عبد إلا وله في السماء بابان: باب يخرج منه رزقه، وباب يدخل منه عمله وكلامه فإذا مات فقداه وبكيا عليه»
وقيل: إذا مات المؤمِن وَفَقَدَه مصلاه من الأرض التي كان يصلي فيها، ويذكر الله -عز وجل- فيها بكت عليه!
أي وفاء هذا؟!
تبكي الأرض لموضع سجدة، وتذرف السماء دموعها لكلمة خير صعدت إليها بنية خالصة، في حين قد تشح مآفي الخلق لحظة الفقد بدمعة!
وأي حب هذا؟!
ينسكب الدمع وينساب من جماد على قلب عبد مؤمن عمره بنقائه ساعة خلوة!
وأي روح تلك...؟!
تلك التي تسكن الأشياء من حولنا ونحن نظنها خلقت بلا روح!
حب ووفاء.. ونداء هز الأرجاء: يا أرض ربي.. علمينا كيف ترعى العهود؟! 
ويا سماء ربي.. أخبرينا كيف تصدق الدمعة وينبذ الجحود؟!
(أخرجه الحافظ أبو يعلي الموصلي في سنده، ورواه ابن أبي حاتم أيضًا بنحوه). 
 

الرابط المختصر :