; شاهد عيان على التلفيق الأمني | مجلة المجتمع

العنوان شاهد عيان على التلفيق الأمني

الكاتب رشاد محمد البيومي

تاريخ النشر السبت 10-أبريل-2010

مشاهدات 66

نشر في العدد 1897

نشر في الصفحة 31

السبت 10-أبريل-2010

مقال

نقاط فوق الحروف

شاهد عيان على التلفيق الأمني

أ. د. رشاد محمد البيومي(*)

استكمالاً لما بدأتُ به في مقالي السابق عن هؤلاء الأدعياء الذين لا يُذكر اسم الواحد منهم إلا وهو مسبوق بلقب الخبير الباحث المفكر، وزاد عليهم أخيراً المؤرخ والمحقق، وهكذا دواليك من المسميات والصفات التي تجافي الحقيقة تماما ولا تمت لها بصلة في ألقاب مجانية يمنحها كل لنفسه ولا محاسب ولا ناقد، وكما ذكرت آنفاً أصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً.

مهاترات وافتراءات طالعتنا الصحف "المشهود لها بمثل تلك المفارقات العجيبة" مؤخراً، بما وصف بأنه وثيقة إدانة للأستاذ الدكتور محمد بديع المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين.

وما كان لمثلي أن يرد على مثل تلك المهاترات والافتراءات، وقد ترددت كثيراً قبل أن أسطر مقالي هذا، ولكن غلبني خاطر أنه قد يلبس على بعض القراء الكرام فيتصورون أن هذا الذي نشر هذه الوثيقة الملفقة قد قدم شيئا من الحقيقة؛ فأصبح واجبي أن أبين للقارئ الكريم، وألقي الضوء على هذه الجريمة التي ارتكبت يوماً ما، وسوف يفضح التاريخ تلك الممارسات التي كانت أبعد ما تكون عن  الإنسانية والقانون.

تحريات ملفقة

كتب الناشر مدعيا أن هذا محضر تحقيق النيابة، وللأسف الشديد - وأنا أبحث من خلال الواقع، ومن خلال تجربة عشتها بكل ما فيها من عسف وابتذال وانتهاك لحقوق الإنسان - فإن التحقيقات التي جرت مع الإخوان في عام ٥٤ أو ٦٥ كانت من الأمور التي لا يتصورها عقل ولا تقبلها نفس، فتحريات مباحث أمن الدولة تتبعها مجازر (بكل ما تعنيه الكلمة)؛ لإثبات ما ورد في مذكرة الاتهام، وباستعمال كل وسائل التعذيب والتزوير والامتهان لكرامة الإنسان، وما كنت أحب أن أتحدث عن هذا الأمر.. ولكن دعت الحاجة بالرد كما يلي: 

لك أن تتخيل أيها القارئ العزيز كيف كانت الرحلة تبدأ ، ومن خلال تجربة شخصية عشت المحنتين ٥٤، ٦٥، ففي عام ٥٤ تم القبض على صاحبنا من سوهاج، ثم نقله إلى القاهرة مقيداً مع عسكري يدا بيد ورجلا برجل حتى وصلا إلى لاظوغلي، ومنها وعلى هذه الحال إلى السجن الحربي (باب ٦)؛ حيث كانت حفلة الاستقبال بالكرابيج السودانية في كل جزء من أجزاء الجسم، ثم تتم حلاقة (نزع الشعر) بكل الوسائل اللاإنسانية؛ حيث تصبح الرأس شوارع (كما يقولون)، يلي ذلك حبس انفرادي في زنزانة مضاءة بلمبة قوتها أكثر من (٥٠٠  وات) ليل نهار، مع سماعة ميكروفون تصدح بالألحان طوال ٢٤ ساعة وبأعلى صوت حتى لا تستطيع النوم، ناهيك عن طابور التعذيب اليومي الذي كان يستمر لمدة 8 ساعات في ألوان الجلد والضرب.

ويتم الاستدعاء؛ وإذا بزبانية التعذيب يسوقون المطلوب إلى ساحة التحقيق التي تتوسطها (عروسة الجلد) وفسقية بها ماء آسن مغطى بالطحالب، وتبدأ المجزرة بضابط المباحث يسأل والجنود بين صافع ولاكم وضارب بالكرباج، وبين فترة وأخرى يُساق المطلوب إلى العروسة؛ حيث يتم جلده ثم يلقى عليه الكحول لتلهب الجراح، وكثيرا ما كان يتم إشعال النار في الكحول ثم يُساق المضروب ليُلقى في الفسقية ويُغمر في مياهها الآسنة وتتعدد هذه الصورة المهينة ليالي وأياماً حتى إذا اقترب موعد المحاكمة زادت حدة التعذيب لمدة أسبوع. 

وأخيرا يأتي يوم المحكمة.. يساق المطلوب محاكمتهم إلى المحكمة التي لا يوجد بها أحد من الأهالي إلا ما ندر، ويُقام حفل تعذيب في بدروم المحكمة قبل انعقاد الجلسة.

وأثناء المحاكمة لا تسمع إلا سخرية وشتائم بذيئة وامتهان ليس بعده امتهان يلي هذا جلسة سماع الحكم الذي كان كالآتي:

٥ - ١٠ - ١٥ - مؤبد - إعدام، عن أية تهمة، سوف يتحدث التاريخ عن هذا ويفضح تلك الخصومة المجردة من كل معالم الإنسانية؟..

هكذا كانت تُسجل المحاضر

أما في عام ٦٥ فقد بدأ قطار المعتقلين من أسوان، ومنه إلى قنا ثم سوهاج وأسيوط حتى وصل إلى أبي زعبل، كل اثنين مقيدان في كلابش، وكل ١٠ أفراد (خمسة أزواج) في سلسلة، حتى وصلنا السجن وجُرد الجميع من ملابسهم تماما، وسيقوا إلى المحمصة، وبدأت حفلات التعذيب اليومية حتى صلاة الفجر ولك أن تتخيل كيف تمر الليالي وضحايا المحمصة معلقون في الأسياخ الحديدية ولا ماء ولا غذاء. 

هكذا كانت تُسجل محاضر التحقيق وهكذا كانت تؤخذ الأقوال، وهكذا كان يتعامل مع مجموعة من أطهر وأنبل أبناء مصر، ولعل أسوأ ما يسجله التاريخ ما قاله رجال ذاك العهد عن رب العزة. ففي محنة ٥٤ كان "حمزة البسيوني" يقول: إذا ذكر الله، "لا تذكروا هذا الجدع وإلا أحضرته وحبسته معكم في الزنزانة"، كذلك قالها "شمس بدران" عام ٦٥ متحديا رب العزة بقوله "خل ربنا ينفعكم وأنا قادر أن أحبسه معكم في الزنزانة".

كراهية الإسلام

ولكن تأبى النفوس التي جبلت على كراهية الإسلام والمسلمين على تصيد الزيف والصاقه بالشرفاء، ولست أدري كيف تم التقديم لهذه القضية الأخيرة، فمنذ شهور بدأت بعض وسائل الإعلام في النَّيْل من الشهيد سيد قطب وكتبت المقالات ورتبت اللقاءات الفضائية والندوات لتذكية هذا اللهيب، ثم ظهرت تلك الوثيقة المزعومة لصاحبنا.وأخيرا لفقت القضية، وإلى أين؟ وكيف تنتهي ؟! ننتظر النقاط فوق الحروف.حيلة قديمةولما لم يجد النظام بغيته في شق صف الإخوان، كما توهموا وكما صورت لهم خيالاتهم المريضة؛ لجؤوا إلى الحيلة القديمة العجيبة، بتلفيق محضر تحريات. وإذا بكتاب الأجرة يشهرون سيوفهم ورماحهم ليطعنوا بها في الظهور ويؤججوا بها النيران، وأتساءل: أين الدعوة إلى الحرية وإلى المطالبة بحرية التعبير ؟!.. أحسب أن هذه لا تبدو ولا تظهر إلا إذا مست قصة مبتذلة أو ناكراً للدين أو ساخراً من القيم، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا ﴾ [الكهف: 5]


 

(*) نائب المرشد العام للإخوان المسلمين

الرابط المختصر :