; شاهد من الغرب على: أبشع جريمة للروس في الشيشان | مجلة المجتمع

العنوان شاهد من الغرب على: أبشع جريمة للروس في الشيشان

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 25-أبريل-2000

مشاهدات 44

نشر في العدد 1397

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 25-أبريل-2000

  • مراسل جريدة الأوبزيرفر البريطانية عاين محرقة الجيش الروسي للمدنيين في قرية كاتير يورت 

  • الشوارع مهلهلة إلى شظايا خشبية.. الأشجار محطمة.. بقع الدم هنا وهناك.. وأكوام الجثث تسد قارعة الطريق

فلاديمير بوتين هو البطل الجديد للديمقراطية الروسية الذي يغازله القادة الغربيون كما أنه المسئول عن واحدة من أكثر المذابح وحشية منذ الحرب العالمية الثانية، وجون سويني هو أول صحفي يصل إلى قرية كاثير يورت المدمرة، حيث قامت القوات الروسية بذبح ٣٦٣ شخصًا.

هناك ترقد تايسا أباكاروفا منكفئة في سريرها بالمستشفى بوجهها الذي لا يكاد يتعرف إليه أحد من فرط الحروق التي أصابته، وتروي لنا في همسات الطفلة التي لم تتجاوز الثامنة من عمرها، ما حدث في اليوم الذي تم فيه إبادة ٣٦٣ شخصًا من قريتها بما فيهم والدتها ووالدها وأخويها وأختها وابنة عمها.

إن تايسا أباكاروفا شاهدة عيان على أسوأ جريمة حرب للحملة الشرسة التي يقوم بها الرئيس الروسي المنتخب فلاديمير بوتين ضد المقاتلين الشيشان.

إن كاتير يورت القرية «الآمنة» في المنطقة التي احتلها الروس والبعيدة عن جبهة القتال والمكتظة باللاجئين، لم تمس حتى صباح الرابع من فبراير عندما سحقتها القوات الروسية بطائراتها ومروحياتها وقنابل النابالم وصواريخها الفتاكة، لقد توقفت القوات الروسية عن القصف في الثالثة بعد الظهر وشحنت عددًا من الباصات بالركاب وسمحت لهم بالرحيل في موكب حاملين الرايات البيضاء ثم قاموا بقصف هذا الموكب وقتلوا عائلة تايسا وكثيرين غيرهما.

لقد توجهت الأوبزيرفر في تحقيق مشترك مع مراسلي القناة الرابعة إلى كاتير يورت وشاهدوا ما خلفته القوات الروسية، الشوارع مهلهلة إلى شظايا خشبية، والأشجار محطمة، وبقع الدم هنا وهناك، والناجون في نوبة من الذعر والهلع لقد نشر الروس في القرية بقايا قنابلهم المفرغة وقنابل النابالم التي يمكنها أن تنتزع رئتيك من داخل جسمك والتي منع استخدامها ضد المدنيين دوليًا بموجب اتفاقية جنيف.

وقال شهود محليون -وهم مندهشون من أول زيارة يقوم بها مسئولون غربيون لقريتهم، وقد طوقتهم قوات الشرطة السرية الروسية شرقًا وغربًا- إنهم استطاعوا أن يعدوا ٣٦٣ جثة في كومتين أو ثلاثة في الشارع -وهو عدد كبير لدرجة أنك لا تستطيع أن تمر من بينهم بسيارتك- قبل أن تقوم القوات الروسية بنقل كثير من الجثث ودفنها في مقبرة جماعية.

لقد احترق وجه تايسا بشكل كبير واحترقت كلتا يديها وضمدت كما كسرت ساقها اليمني ووضعت في جبيرة، كما وضعت المسامير الحديدية في ركبتها اليسرى بالإضافة إلى كدمة داخلية، ورغم ذلك، أرادت تايسا أن تخبرنا بما حدث، إن والد تايسا، منصور «البناء» البالغ من العمر ٤٥ سنة، ووالدتها، هافا المدرسة البالغة من العمر ٤٥ سنة وأخويها، ماجوميد البالغ من العمر ١٤ سنة، ورسلان البالغ من العمر ١٢ سنة، وابنة عمها البالغة من العمر 8 سنوات وأختها مدينة البالغة من العمر 6 سنوات سحقوا جميعًا في غرفة الصالون الخاصة بالأسرة، وشرحت لنا كيف غادر الموكب قرية كاتير يورت ظنًا منهم أنهم سيكونون في أمان وقالت تايسا «كانت هناك راية بيضاء على سيارتنا، ترفرف فوق عصا خشبية، ثم جاءت طائرتان وقصفتنا عندما كان أبي وأمي جالسين أمامنا وكنت أنا وأخي جالسين في المقعد الخلفي، ثم فجروا سيارتنا ونحن فيها وسقطت أنا على الأرض الطينية خارج السيارة».

أجفلت تايسا عندما مسحت عمتها، تبارك زوما جيفا الجلد المحترق حول عينيها، وقالت العمة «إنها تخشى أن تغلق عينيها ليلًا من شدة الخوف، لقد أخبرتني أنها تخشى من عودة الصورة المفزعة من جديد».

وأسوأ ما في الموضوع أن العمة لا تستطيع أن تخبر الطفلة الصغيرة أنها الناجية الوحيدة من الأشخاص السبعة الذين كانوا في سيارة العائلة تقول العمة: «لا أعرف كيف أخبرها، لأنني لو أخبرتها الآن لن تستطيع أن تتحمل الخبر، إنها خائفة حتى من أن تغلق عينيها ليلًا لقد استيقظت أمس عشر مرات ولا نستطيع تهدئتها».

كانت «كاتير يورت» الواقعة غرب جروزني قرية هادئة ولم تمس في ليلة الثالث من فبراير، ولكن جروزني كانت قد سقطت وفر المقاتلون الشيشان من انتقام القوات الروسية، وكان بعض المقاتلين قد مر على القرية المنكوبة، هناك قصة تقول إن اثنين من الجنود الروس كاناا قد اختطفا وقتلا في تلك الليلة، وفي صبيحة الرابع من فبراير بدأ صب الجحيم على القرية.

لقد أنكر الرئيس الروسي المنتخب بوتين مرارًا وتكرارًا وجود انتهاكات لحقوق الإنسان في الشيشان، لقد هدأ هذا الإنكار المتكرر من بوتين قادة الغرب، وكان أول لقاء له مع روبين كوك وزير الخارجية البريطاني في فبراير الماضي في موسكو عندما خرج هذا الأخير يمتدح ضابط المخابرات الروسية السابق الذي أهدى قواته سكاكين صيد في يوم رأس السنة الجديدة، وقد قال كوك عن بوتين «وجدت أسلوبه مريحًا ومتفتحًا، كما أننا سنشاركه أولوياته لروسيا».

ويلي هذا كله الدليل الذي حصلت عليه الأوبزيرفر ومراسلو القناة الرابعة بخصوص ما فعلته قواته بالمدنيين من قرية كاتير يورت، وهو دليل قد يجعل وزير الخارجية البريطاني يستجوب فيما يتعلق بقوله «إننا سنشاركه أولوياته تجاه روسيا».

والتقينا روميسا ميديدوفا البالغة من العمر ٢٧ عامًا ولكن وجهها مليء بالحزن والرعب لدرجة أنها تبدو أكبر من ذلك بثلاثين عامًا، لقد أصبحت أرملة في الرابع من فبراير، تقول روميسا: «لقد غادر الروس جميعًا القرية ثم بدأ القصف في حوالي العاشرة صباحًا، لقد استخدموا كل شيء في قصفهم للقرية، ففي منتصف القرية لا تجد منزلًا واحدًا سليمًا، وفي إحدى الأسر كان هناك ثلاثة أطفال ملتفين حول جثة أمهم، لقد أطلق النار على سيقانهم من أسلحة الكلاشينكوف فأصبحوا مقعدين، وفي حوالي الساعة الرابعة والنصف قال لنا الروس: «سنمهلكم ساعتين» ثم أرسلوا لنا الباصات التي تحمل الرايات البيضاء، وهرع الناس للبحث عن وسائد بيضاء أو أي شيء لتمييز سياراتهم».

وتقول روميسا: وانطلق الموكب وعلى كل سيارة راية بيضاء، وهناك سيارات كانت تضع رايتين أو ثلاثة، وكانت السيارات تحمل النساء والأطفال فقط، بينما بقي الرجال هناك لإفساح مكان للأطفال، وقد توجه الموكب غربًا في اتجاه مدينة أكوي مارتان حيث الأمان، وعندما أصبحنا في الطريق المفتوح، أطلقوا علينا صواريخ أرض- جو، لقد كان صاروخًا كبير الحجم، ومن الغريب أن هذه الصواريخ لم تنفجر مرة واحدة بل عدة مرات، لقد كانت جميع السيارات تحمل رايات بيضاء، كم سيارة؟ لا أعلم، فقد كان العدد كبيرًا، وكانت الفوضى عارمة، فقد قصفوا الموكب بلا توقف.

لا يمكن أن يخطئونا 

وسأل مراسل الأوبزيرفر روميسا: «أليس من الجائز أن يكون الروس قد أخطأوا وظنوا أن موكب الرايات البيضاء خاص بالمقاتلين فأجابت مستحيل لا يمكن أن يخطئونا، فقد كانوا يعلمون جيدًا أن هناك الكثير من اللاجئين ١٦٠٠٠ لاجئ و۸۰۰۰ من السكان المحليين في القرية، وقد كانت أمامنا مباشرة سيارة تعج بالأطفال الصغار، لقد احترقوا جميعًا أمام عيني».

لقد قتل زوج روميسا بإحدى الشظايا بمجرد أن خطا برجله خارج السيارة، فهرعت بأولادها هاربة من المذبحة، تقول: «لقد رأيت الكثير من الجثث ولكن لا أعلم كم عددهم، كان هناك الكثير من الناس ملقون على الأرض في الطريق، فأنا لم أعدهم، كما رأيت أشلاء أجساد محترقة معبأة في أواني بلاستيكية».

ثم بدأت عملية الخداع، تقول روميسا: «لم يسمح الروس للناس في القرية بأن يقوموا بجمع الجثث، بل سمحوا لهم بجمعها فقط في اليوم الخامس للمذبحة، وعندما وصل الناس إلى هناك سألوا أين جثث أهلينا فرد عليهم الروس قائلين لقد احترق بعضها، ويقول الناس هنا أن الروس جمعوا الجثث وألقوا بها في مقبرة جماعية». 

ويقول شاهد عيان آخر من الجرحي «لقد بدأوا القصف بالقنابل والمدفعية، لقد كانوا يقتلون الناس، لقد كانت هناك قوات متمركزة عند المدرسة المحلية على مشارف القرية، وقالوا لنا: سنمنحكم ممرًا أمنًا، وبالتالي بدأنا جميعًا نتجه صوب مدينة أكوي مارتان، ثم قاموا بقصفنا بالصواريخ، يقول البعض إن ٣٥٠ لاجئًا قد قتلوا منهم ۱۷۰ من القرية نفسها».

أما زارا اكتيميروفا البالغة من العمر ٥٩ عامًا، فقد كانت تعتني بأمها، ماتوسا باتالوفا التي تبلغ من العمر ٨٥ عامًا والتي أصيبت بإحدى الشظايا، تقول زارا: «لقد كان الخوف فظيعًا لدرجة أنني لا أجد الكلمات التي أعبر بها عما حدث، لقد كنا في قبو وكان بإمكاننا أن نسمع صوت القنابل المفرغة، كل ما فعلناه أننا دخلنا ذلك القبو ثم فوجئنا بالمنزل المجاور لنا يتم تدميره بأكمله، فإذا حاول أحد منا الخروج من القبو للوصول إلى مدخل البناية يقوم القناصون بإطلاق النار على ذراعيه وساقيه». 

وبعد ذلك مرت هي وأمها في الطريق ورأيا حطام موكب الرايات البيضاء تقول زارا لقد كانت السيارات محطمة كاللحم المفروم، إنني لم أعد السيارات، فقد كنت أحمل أمي، فقد كان موكب السيارات متناثرًا ربما على مسافة ثلاثة كيلومترات لقد قصفت جميع سيارات الموكب، كانت أمها في هذه اللحظات تنازع في الرمق الأخير. 

كان شاهدنا الخامس طبيبًا قتله الإرهاق بعد أن قام بإجراء مئات العمليات الجراحية على المرضى والمصابين بدون أي بنج أو أدوية أو كهرباء خلال القصف، يقول: «لقد قصفوا القرية أولًا ثم منحوا المدنيين ممرًا وقاموا بعد ذلك بإطلاق النار عليهم، إنهم لم يحضروا جثث الموتى إلينا، فقط الذين كانوا في النزع الأخير، لقد أحضروا ١٠ جثث للتأكد إذا كانوا على قيد الحياة أم لا كان من بينهم طفل رضيع ومراهقين بعضهم بدون ساقين، وكانوا جميعًا محترقين والكدمات في كل مكان من أجسامهم، وكانت هناك جثث كثيرة بالقرية لم يحضروها إلينا».

وكان شاهدنا السادس ريزفان فيكاييف البالغ من العمر ٤٧ عامًا، واقفًا فوق أنقاض بيته المدمر في قرية كاتير يورت متكئًا على عكازين فعندما سقطت قنبلتان مفرغتان خارج منزله قتلت الانفجارات ثمانية أفراد ستة نساء ورجل وطفل عمره أحد عشر عامًا، ومنذ تلك اللحظة مات عشرة أفراد آخرون، إن زوجته وثلاثة من أولاده مصابون بإصابات بالغة، أما زوجة ابنه فقد ماتت في الحال.

 لقد أرانا المكان الذي كان ينام فيه أولاده قبل الانفجار، وكذلك البقايا البشرية لأهله ملقاة على الأرض، لقد ألقيت القنبلة المفرغة من باراشوت عندما تصل هذه القنبلة إلى الأرض، تتصاعد منها سحابة بخار بترولية فتشتعل وينفجر المكان كله تقول دراسة قامت بها وكالة مخابرات وزارة الدفاع الأمريكية في عام ۱۹۹۸م: «إن آلية القتل ضد الأهداف الحية فريدة وغير مريحة، إن ما يقتل هو موجة الضغط والأهم من ذلك التخلخل الذي يتبعها «المفرغة» والذي يمزق الرئتين». 

أما شاهدنا السابع فامرأة عجوز فقد خرجت من حفرة في الأرض وهي ترتعد كانت تضع كسرة خبز في فمها وقالت: «إننا لم نأكل أمس ولا اليوم، لقد بدأ ذلك اليوم كيوم القيامة، فقد كانت هناك طائرات حربية ومروحيات وسقطت ثلاث قنابل عندما كنا في القبو مات ثلاثة من الأبناء وابنة واحدة في القصف، أما ابننا الرابع فهو ينازع بالمستشفى.

وفي طريق خروجنا من القرية توقفنا عند المسجد، وهناك التقينا آخر شاهد عيان، لقد قام يعمل سجل لحصر كل الجثث قبل أن يأخذهم الروس يربط بعضهم بالسلاسل وسحبهم بالسيارات، لقد حاول تغسيل الجثث وإضفاء صبغة التقاليد الإسلامية على تغسيلهم ودفنهم ويقول الشاهد: «لقد كان عددهم ٣٦٣ جثة».

وأثناء مغادرتنا أطلال كاتير يورت شاهدنا حطامًا وبقايا لما تبقى من موكب الأعلام البيضاء سيارات محطمة، وقطع محترقة من المعدن، وأحذية ملقاة في الطين، ثم سمعنا صوت طلقات من سلاح آلي، وهو صدى اللغة التي يجيدها فلاديمير بوتين المريح المتفتح، كما وصفه وزير الخارجية البريطاني.

ترجمة: مؤمن المصري.

 

الرابط المختصر :