العنوان شبابنا بين الإفراط والتفريط
الكاتب عياضة نامي السلمي
تاريخ النشر الثلاثاء 04-مايو-1976
مشاهدات 62
نشر في العدد 298
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 04-مايو-1976
عندما نقلب صفحات التاريخ لننظر إلى سنن الله في خلقه ونقف على أسباب تخلف العالم الإسلامي، ونمعن النظر في حركات الإصلاح لنعرف سر فشلها أو نجاحها نجد أمامنا طريقًا ذا ثلاث شعب؛ اثنتان منهما تؤديان إلى مهلكة، وواحدة فقط هي التي توصلنا إلى بر الأمان، وتدرك أن أي حركة من حركات الإصلاح لا يمكن أن تنجح إلا إذا سلكت الطريق الوسط بين الطريقين المتضادين، وتبرز لنا حقيقة واقعة وهي أن الإفراط والتفريط هما السبب في فشل الكثير من محاولات الإصلاح في المجتمع؛ کلمتان متعارضتان في مفهومهما الإسلامي وغيره، والإفراط والتفريط اللغوي حيث إن إحداهما تعني مجاوزة الحد المطلوب والأخرى تعنى النقص عنه، ولكنها مع ذلك متحدتان في النتيجة إذ إن الداعية أو المصلح إذا فرط أو أفرط فالنتيجة المحتومة هي الفشل الذريع.
والشباب الإسلامي اليوم يقعون فريسة لهذين الاتجاهين المنحرفين إذ إن رواد الفكر ودعاة الإصلاح فينا منقسمون إلى قسمين، قسم يؤيد الانفتاح على حضارات الغرب والإقبال عليها بدون تحفظ. والقسم الآخر يرى شبح الشيطان في كل ما هو غريب على الأمة الإسلامية ويمقت كل ما يأتي من الغرب أو الشرق ومن البديهي أن الضحية الأولى هم الشباب الذين تفصلهم هوة سحيقة عن دعاة الإصلاح في مجتمعهم، فالشباب لا يستطيع الصعود إليهم بسبب العبء الثقيل الذي ألقته على كاهله الحضارات والمدنيات القائمة في غرب الكرة الأرضية وشرقها وأولئك المفكرون والمصلحون لا يستطيعون النزول إليهم لجهلهم بالأسلوب الذي يناسب النشء ويتمشى مع مقتضيات العصر.
ودعوات الإصلاح لن تثمر ثمارها المرجوة ما دام هذا البون الشاسع قائمًا وموجودًا والشباب بطبيعته يحب التجديد ويمقت الجمود فإذا فشل الدعاة المحافظون في التنزل إلى مستواه فسوف ينجرف مع التيارات الحضارية التي تتجاذبه من كل جانب؛ ومعلوم أن النزول أسهل من الصعود فالشاب الذي يمتلئ حيوية ونشاطًا ويتطلع إلى مستقبل فاضل وحياة سعيدة سوف يجد في المدنيات الغربية والشرقية ما يشبع نهمه ويسد حاجته ولن ينظر إلى كلام الدعاة والمصلحين ما لم يأتوا إليه بطريق تتلاءم وعقليته خاصة وأن أعداء الإسلام لم يضيعوا دقيقة من أوقاتهم إلا استغلوها في سبيل الدس على الإسلام وأهله وإبراز الدين الإسلامي في صورة مزرية تستثير الدهشة والاستغراب في نفوس الشباب حتى ينشؤوا على بغضه وازدرائه بل واعتباره تأخرًا فكريًّا ورجعية لا تلائم روح العصر المتطور. فالشباب حين تسود صحيفة تفكيره بمثل هذه الأفكار المشبوهة لا يستطيع أن يترك الاستمتاع بملذات الحياة اعتمادًا على ما سيجده في الحياة الأخرى، وعباد المادة والمحسوسات لا يرون مبررًا لبيع الحاضر بالغائب والعاجل بالآجل. ولكن لو أن الدعاة والمصلحين كانوا على المستوى المطلوب من الخبرة والمرونة. لأفهموهم أن الدين لم يكن في وقت من الأوقات مانعًا من الاستمتاع بما أحل الله من ملذات الدنيا، حتى يمحي المفهوم الخاطئ الذي فسر به أعداؤنا الإسلام.
والذي نريده من علمائنا ومفكرينا ألا ينجرفوا مع أمواج الحضارات الغربية والشرقية ويقبلوها على علاتها وألا يجمدوا على أسلوب واحد في الدعوة، بل نريد منهم أن يسايروا الزمن ويطوروا أساليبهم وفقًا لما تتطلبه الظروف الراهنة فالزمن سوف يمضي والشباب سوف يسايره لا محالة سواء- رضينا أم أبينا- فليس أمام الدعاة والمصلحين سوى سبيل واحدة وهي تكييف تلك الحضارات والمدنيات لتخضع لمعايير الإسلام وتتفق مع المنهج الإسلامي الأصيل وبذلك يسير الشباب المسلم في خط سير خاص به لا يشاركه من سواه في ذلك. وليس قصدي من ذلك أن نبحث عن مبررات شرعية لتقليد الغرب في كل شيء وإنما أريد بذلك أن نكيف ونعدل فيما نراه سببًا في التقدم المادي لدى الأمم المجاورة حتى يتناسب مع شريعتنا وتقاليدنا الاسلامية الأصيلة وبذلك نحافظ على سلامة منهجنا الروحي ونساير غيرنا في التقدم المادي لنقول للعالم: إن الإسلام صالح لكل زمان ومكان وأنه لا يحرم على المؤمن نعم الدنيا وملذاتها ولكنه يوجه النفوس وجهة سليمة ويضبطها بمعايير مناسبة، بل إن ديننا يدل بصراحة على أن تلك النعم إنما خلقت لعباد الله في الأصل ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. (الأعراف:32).
وهنا نقطة يجدر بنا أن نشير إليها وهي أن كثيرًا من المتحمسين للدين يبغضون كل ما هو جديد ويحكمون بالتحريم على كل عمل أو فكر آت من بلاد غير إسلامية وهؤلاء قد أساؤوا إلى الدين من حيث أرادوا الإحسان فيجب على كل من يتصدى لمثل هذا العمل أن يعرض كل جديد أو غريب على ميزان التشريع الإسلامي ويتجرد عن التعصب فإن وافقه قبلناه وقلنا بضاعتنا ردت إلينا» وإن لم يوافق ما جاء به الدين الإسلامي نبذناه من أي جهة كان - أما أن نحلل ونحرم اعتمادا على أذواقنا وفطرتنا فهذا خطأ محض ولهذا نرى القرآن الكريم ينكر على أولئك الجريئين على الدين وينهاهم عن التدخل فيما ليس من شأنهم فيقول: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ (النحل:116).
وإذا أردنا النظر والاعتبار فعلينا أن ننظر إلى أمم الغرب التي جنى عليها رجال الدين المتزمتين الذين هم أكثر خطرًا على الدين من أعدائه الملحدين حيث جعل رجال الكنيسة من التعصب سلمًا لهم للاستئثار بالسلطة حتى أصبحوا يحللون ويحرمون من عند أنفسهم ويقتلون علماء الطبيعة الذين تفوهوا بنظريات بعضها أصبح اليوم حقيقة مسلمة، فكان هذا التعصب الأعمى سببًا في الثورة العارمة التي شنها الغرب على الدين وعلى رجاله فأصبحوا يبغضون الدين وينكرون الخالق لا عن نظر واقتناع ولكن بغضًا لأولئك المتعصبين فقابلوهم بتعصب مماثل، فأصبح الدين- بجناية رجاله- مقتصرًا على الكنائس لا يتدخل في شؤون المجتمع لا من قريب ولا من بعيد اللهم إلا في زوايا ضيقة لا أثر لها على المجتمع؛ فحذار حذار من أن نصير مصيرهم فإن الله تعالى قد رسم لنا منهج الدعوة فقال: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (النحل:125). ولن تنجح إن انحرفنا عنه ولو قيد أنملة، والله أسأل أن يهدينا إلى أقوم السبل إنه ولي ذلك والقادر عليه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل