العنوان شبح البطالة يهدد العالم العربي
الكاتب عبدالقادر الطرابلسي
تاريخ النشر الجمعة 21-مايو-2004
مشاهدات 60
نشر في العدد 1601
نشر في الصفحة 48
الجمعة 21-مايو-2004
البطالة في العالم العربي أحد عوامل استنزاف الفائض الاقتصادي.. إذ يرتفع معدل إعالة الفرد لأكثر من ٨٥%.
هل تتحول البطالة إلى قنبلة موقوتة في مجتمعاتنا بعد تزايد أعداد الخريجين ومحدودية الفرص المتاحة وإغراق السوق العربي بالعمالة الأجنبية؟
اعتماد مجتمعات الخليج العربي النفطية على العمالة الأجنبية ينعكس عليها بالسلب اجتماعيًا وثقافيًا.
فيما يعد العاطل عن العمل، وفق أدبيات المكتب الدولي للشغل كل فرد لا يعمل منذ يوم أو أسبوع أو سنة ويبحث عن شغل بمقابل ومهيأ لمباشرته في الحين أو الساعة أو خلال أسبوع فإن البطالة تنقسم إلى ثلاثة أصناف كبري.
البطالة الناجمة عن نقص الطلب:
وتظهر عندما تضطر منشاة إلى التخفيض من إنتاجها إثر تراجع مبيعاتها أو عندما يكون النمو ضعيفًا جدًا، مقارنة بالإمكانات الاقتصادية الحقيقية، مما يترتب عليه فله استعمال مزمنة للطاقات أو القدرات الإنتاجية.
البطالة الناجمة عن نقص الإنتاج:
خلافًا للصنف الأول، يكون الطلب متوافرًا.. ويفوق في بعض الأحيان العرض، لكن المنشآت لا تستطيع مجاراته، وهذا الصنف من البطالة يظهر عند نقص سلعة ما أو عدم توافر بعض التجهيزات بحيث لا يتسنى للمنشاة إنتاج كميات أكبر.
البطالة الناجمة عن عدم ملاءمة الشغل:
يمثل الصنف الثاني جزءًا منها إلى حد ما, وعندما يكون النقص بسبب عدم ملامة الشغل فإن البطالة المترتبة عليه تنحصر في بعض أصناف العمالة مثل الذكور دون الإناث أو العكس أو أصحاب الشهادات العلمية في اختصاص معين.
وترتبط بهذه الأصناف الثلاثة من البطالة تعريفات أخرى لها وذلك انطلاقًا من مصدر البطالة ذاته ومنها:
القصيرة المدى: والمتعلقة بالنشطين المشتغلين الذين غادروا تلقائيًا عملًا بحثًا عن بديل
البطالة الظرفية: وهي مرتبطة بحركية النشاط الاقتصادي ومن ثم فإنها تكون ضعيفة وفي حالة سرعتها لترتفع كلما تباطا نسق تلك السرعة.
البطالة الهيكلية: وهي ذات أمد طويل وتعبر عن عجز قدرة جهاز الإنتاج على خلق المزيد من مواطن الشغل مثلما هو الشأن بسائر اقتصادات العالم الثالث خصوصًا.
وعلى صعيد الوطن العربي، لمن تسنى للأقطار النفطية دره شبح البطالة، واستيعاب جزء من عمالة الأقطار العربية خلال السبعينيات، فإنها أصبحت عاجزة منذ بداية الثمانينيات ومرورًا بالتسعينيات عن الحد من تفاهم هذه الظاهرة، التي بعد التحكم فيها أحد أهداف السياسات الاقتصادية، فما الذي طرأ أثناء كل هذه الفترة وما بعض العوامل الكامنة وراء تحويلها إلى قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في كل لحظة على صعيد كل الدول العربية؟
فيما يتعلق بالسبعينيات، فإنها شهدت صدمتين نقطيتين تعود أولاهما إلى ما بعد انطلاق حرب أكتوبر لسنة ١٩٧٢م، حيث قررت منظمة الدول المصدرة للنفط في السادس عشر من ذلك الشهر الاستقلال يرفع أسعار نفطها, بعدما ظلت الشقيقات السبع Exxon, Shell, Mobil, Texaco, BP, Socal, Gulf تقوم بتلك الوظيفة زهاء الخمسين سنة، مثلما يشير إلى ذلك السيد J.M.Chevalier في كتابه الصادر بالفرنسية سنة ١٩٨٢ تحت عنوان: «الشركات النفطية الكبرى وسعر الطاقة».
وقد أردفت الأقطار العربية المصدرة للنفط هذا القرار بأخر في السابع عشر من نفس الشهر يقضي بتخفيض إنتاج النفط وحظر تصديره إلى الدول التي ساعدت الكيان الصهيوني أثناء هذه الحرب وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وهولندا... في حين تعود الصدمة الثانية إلى سنة ١٩٧٩م, تاريخ قيام الثورة الإسلامية بإيران.
وإثر هاتين الصدمتين ارتفع سعر البرميل الواحد من البترول من ٢.٧ دولار سنة ١٩٧٣وإلى ١١.٢ دولار سنة ١٩٧٤ ومن ١٨.٦ دولار سنة ۱۹۷۹ إلى ٣٠.٥ دولار سنة ١٩٨٠، ليبلغ أقصى مستوى له سنة ۱۹۸۱ بحوالي ٣٤.٣ دولار... وبزيادة أسعار النفط تضخمت الفوائد النفطية التي ترجمت جزئيًا في ارتفاع معدلات الاستثمار في مجال البنية الأساسية والتوسع في بناء المدن والمناطق الحضرية... الظاهرة التي نجم عنها القضاء على البطالة بأقطار الخليج العربي.
وأمام ضعف القاعدة البشرية ومن ثم محدودية حجم اليد العاملة المتوطنة بهذه الدول الإنجاز خططها التنموية فإنها فتحت أسواق شغلها لليد العاملة الخارجية التي شكل تكثيفها، غداة الصدمة النفطية الأولى ثالث موجة مهمة لتيار الهجرة على الصعيد العالمي. الذي شهد قبل ذلك موجتين كبيرتين امتدت الأولى من منتصف القرن التاسع عشر حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، وانطلقت الثانية إثر الحرب العالمية الثانية لتتكاتف خلال الستينيات وبداية السبعينيات، قبل أن تتوقف فجأة مع ظهور أزمة الطاقة.
لكن لئن جمعت المرحلة الأولى بين دول تنتمي كلها إلى الشمال على صعيدي الإرسال والاستقبال أوروبا الغربية - الولايات المتحدة الأمريكية.. فإن الموجة الثانية مزجت بين دول من الجنوب والشمال «العالم الثالث- أوروبا», في حين أن الموجة الثالثة اقتصرت خصوصًا على دول تنتمي إلى الجنوب, حيث مثلت أثناءها أساسًا الهند وباكستان وكوريا وبعض الأقطار العربية مثل مصر والأردن واليمن وسورية وتونس، دول إرسال، والأقطار النفطية عمومًا دول استقبال.
وفي هذا الإطار، تشير بعض البيانات إلى أن نسبة اليد العاملة الخارجية، مقارنة بإجمالي اليد العاملة، قفرت بأقطار الخليج العربي من النصف في منتصف السبعينيات إلى نحو الثلثين في منتصف الثمانينيات، ليصل اليوم إلى نفس النسبة تقريبًا، إلا أن هذه الزيادة في الاعتماد على اليد العاملة الأجنبية لم تتبعها الزيادة نفسها في الاعتماد على اليد العاملة الوافدة العربية، إحدى دعائم التكامل الاقتصادي العربي التي ما فتئت نسبتها تتراجع، ويعزو البعض ذلك إلى سياسة الإغراق التي تكرسها الدول الآسيوية بالاعتماد على سعر الصرف بحيث تبلغ الأجور بمقتضاها مستويات من الانخفاض يصبح معها من المستحيل قبول العامل العربي بها.
وفي هذا السياق يبدو من المهم فهم الأسباب العميقة الأخرى الكامنة وراء هذا التقلص وما يترتب على ذلك من تكاثر اليد العاملة غير العربية وما له من انعكاسات اجتماعية وثقافية على مجتمعات الخليج العربي النفطية والأهم في هذا المقام أن الأقطار النقطية أسهمت خلال السبعينيات في حل مشكلة البطالة على صعيد بعض الدول العربية، علاوة على دره شبحها على مجتمعاتها... الأمر الذي لم يعد ممكنا منذ بداية الثمانينيات. وعلى امتداد التسعينيات، كما أسلفنا بعد أن دخلت أسعار النفط مرحلة ميل حاد نحو التدهور نتيجة السياسة التي توختها الوكالة العالمية للطاقة منذ سنة ١٩٧٤م، وما آلت إليه من تراكم للمخزونات وتطوير لبعض المصادر البديلة للنفط، لا سيما الفحم والغاز... علاوة على بروز مناطق جديدة لإنتاج النفط خارج المناطق التقليدية والخلافات داخل منظمة الدول المصدرة للنفط والمتعلقة بسقوف وخصص الإنتاج... ويتدهور الأسعار تراجع حجم العوائد النقطية وتبعها انخفاض معدلات نمو الإنفاق الاستثماري بكل ما تولد عنه من وقف التعيينات في الأجهزة الحكومية ومن حد الاستقبال اليد العاملة الوافدة ومنها العربية التي عاد جزء منها إلى أوطانها، مما أدى إلى ارتفاع معدل البطالة.
وفي هذا السياق يشير التقرير الاقتصادي العربي الموحد لسنة ٢٠٠١م إلى أن عدد العاطلين في الوطن العربي ارتفع إلى نحو 19 مليون فرد من أصل نحو ٩٢ مليون يمثلون إجمالي العمالة النشيطة، أي ما نسبته نحو 20%، ومن ثم يعد معدل البطالة بالوطن العربي من بين أعلى المعدلات في العالم رغم ما بينه من تفاوت على مستوى الدول العربية.
واستنادًا إلى إحصاءات حديثة لمؤسسة النقد العربي السعودي، أكدت دراسة أنجزها عدد من الباحثين، وأشرفت عليها إحدى الجهات الحكومية أن نسبة البطالة ارتفعت في المجتمع السعودي إلى 31.7% وبالأردن, أظهرت دائرة الإحصاءات العامة أن معدل البطالة ارتفع إلى ١٥.٧% خلال شهر شباط/ فبراير من سنة ٢٠٠١ مقابل 14.4% خلال الشهر نفسه من العام ٢٠٠٠م، وببعض بقية الدول العربية تفيد إحصاءات رسمية أن معدل البطالة يحوم حول ٢٠٪ في كل من الجزائر واليمن ولبنان و١٥% في المغرب وتونس و۱۲% بالبحرين و٩% بمصر.
ويعزى بعض أسباب هذه المعضلة على صعيد الأقطار العربية في معظم الأحيان إلى عجز الصناعة عن استيعاب اليد العاملة المتدفقة على سوق الشغل، وخصوصًا حاملي الشهادات من الشباب لأن من بين الأهداف التي منح على أساسها التصنيع الأولوية على مستوى الاختيارات التنموية هو حل مشكلة التشغيل، هذا بالإضافة إلى ظاهرة النزوح من مكان إلى آخر، ودورها في تفاقم البطالة، كما قد يسهم في تكريس البطالة افتقاد العمالة النازحة من الريف إلى الخبرة والمهارة أو محدودية الفرص.
وبتفشي البطالة، يرتفع معدل الإعالة بالنسبة للفرد الواحد، الذي يناهز وفق تقديرات سنة ١٩٩٧ نحو 84.9% بالأقطار العربية، ويعتبر ارتفاع ذلك العدل، أي نسبة السكان أقل من ١٥ سنة وأكثر من ٦٥ سنة إلى نسبة السكان النشيطين الذين تتراوح أعمارهم بين ١٥ و٦٥ سنة، عاملًا من عوامل استنزاف الفائض الاقتصادي، حيث يؤدي إلى تحويل جزء من الفائض الذي تحقق إلى تغطية استهلاك الفئات الاجتماعية غير العاملة في الاقتصاد الوطني بدل توظيفه في إعادة الإنتاج والتراكم.
وبتفتيشها أيضًا، وما يترتب عليها اجتماعيًا واقتصاديًا، من قلة ذات اليد، ومن سوء استخدام للموارد البشرية، كأحد عناصر الإنتاج الضرورية لتحقيق النهوض التنموي الشامل... تزدهر الأنشطة الهامشية غير المنتجة وذات الأجور المنخفضة التي لا تفي بأدنى متطلبات الحياة الأساسية المادية والمعنوية.
ومع تفشي كل هذه الظواهر وغيرها نتجه إنتاجية القوى العاملة العربية نحو التدهور بالمقارنة مع قرينتها في الدول المتقدمة اقتصاديًا، حيث يلاحظ أن إنتاجية العامل في الدول الأوروبية تصل إلى نحو سنة أمثال إنتاجية العامل العربي لتشكل بذلك أحمد التحديات الأساسية للاقتصادات العربية لا سيما في ظل مستجدات الاقتصاد العالمي المفتوح القائم على المنافسة.