العنوان شبح ضحايا مذبحة تُدمر يعود ليطارد «حاكم» سوريا الجديد.
الكاتب روبرت فيسك
تاريخ النشر السبت 21-يوليو-2001
مشاهدات 59
نشر في العدد 1460
نشر في الصفحة 46
السبت 21-يوليو-2001
بعد أرييل شارون واتهامات جرائم الحرب التي يريد أن يوجهها إليه ضحايا مجزرة مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين عام ۱۹۸۲م، يبدو أنه حان دور سوريا كي تجيب على أسئلة بشأن المقابر الجماعية.
نزار نيوف، صحفي من دمشق أُفرج عنه مؤخرًا من السجن، حيث احتُجز كسجين
سياسي، ويقيم الآن في باريس، يهدد بالكشف عن موقع مقبرة جماعية في سوريا. الجميع يعرفون أنه يتحدث عن مكان يسمى «تدمر». والآن تطلب مجموعة مسيحية مارونية فتح ما تقول إنه مقبرة جماعية في اليرزة في لبنان، غير بعيد عن وزارة الدفاع في بيروت. والجميع يعرفون أن هذا يشير إلى الجنود اللبنانيين الذين قتلتهم القوات السورية في نهاية الحرب الأهلية عام ١٩٩٠م.
السيد نيوف، الذي يهدد أيضًا بالكشف عن الفساد في أجهزة الأمن السورية، يقول: إن عملاء سوريين «للمخابرات» «اختطفوه» في دمشق قبل زيارة الرئيس بشار الأسد إلى فرنسا الشهر الماضي، وضربوه لأنهم اعتقدوا «خطأ» أنه على وشك طلب اللجوء السياسي إلى السفارة الفرنسية، بينما يقول هو إنه كان في طريقه لزيارة طبيبته.
وعلى أية حال، فالرئيس الأسد -أو الدكتور بشار كما يُعرف طبيب العيون ابن الرئيس الراحل حافظ الأسد في بلده- أعلن في باريس أن السيد نيوف حر في مغادرة سوريا، وخلال ساعات قيل له إنه يستطيع تسلم جواز سفره.
في الشرق الأوسط يعرف الجميع المقبرة الجماعية التي يريد السيد نيوف الكشف عنها: إنها الحفرة خارج مدينة تُدمر السورية -المعروفة في الغرب بمدينة «بالميرا» الرومانية القديمة- حيث دُفن نحو ٥٠٠ سجين من سجن الأمن الحكومي المحلي بعد مجزرتهم في ٢٧ يونيو ۱۹۸۰م على يد ما يسمى «سرايا الدفاع» التابعة للعقيد رفعت الأسد -عم الدكتور بشار وشقيق حافظ الأسد- المطرود حاليًا، وكان ذبح هؤلاء الرجال، ومعظمهم أعضاء في جماعة الإخوان المسلمين المحظورة تبع محاولة اغتيال ضد الرئيس حافظ الأسد.
ويكشف الصحفي باتريك سيل -في سيرته الذاتية الرئاسية للأسد- كيف وصل رجال رفعت الـ ١٢٠ إلى محيط سجن تدمر في قافلة من الطائرات المروحية مبكرًا في الصباح و «أُطلقوا من عقالهم» على مهاجع السجن مع أوامر بقتل كل من فيها، وقد قُتل كثير من المعتقلين وهم يهتفون «الله أكبر»، ثم دُفنت جثثهم سرًا في وقت لاحق إلى جانب تلة منخفضة خارج المدينة الصحراوية.
ويعتقد كثير من السوريين أن مئات من السجناء السياسيين الآخرين -الذين إما ماتوا بسبب سوء المعاملة أو أُعدموا- يرقدون مدفونين أيضًا في قبور قرب التلة، وقال لي مدني من سكان تدمر قبل سنوات طويلة «حين تسمح لنا سوريا، فإننا سوف نذهب إلى التلة ونضع تيجان الزهور على القبور». لكن ليس هناك تيجان بعد.
في اليرزة، قد تُكشف قصة أخرى موجعة تعود إلى عام ۱۹۹۰م حين كان ميشيل عون -الجنرال اللبناني الثائر الذي اعتقد أنه الرئيس- كان يقاتل الجيش السوري من أجل «تحرير» لبنان، فبعد قصف السوريين قصر عون من الجو -بإذن أمريكي- هرب عون إلى السفارة الفرنسية في بيروت ودعا جنوده إلى وقف النار.
ولكن في إحدى تلال ضواحي بيروت تسمى «ضهر الوحش» لم تتلق القوات اللبنانية أمر عون الأخير. ولذا فتح الجنود النار على القوات السورية المتقدمة عبر حقل ألغام.
على الأقل فإن ١٥٠ جنديًا سوريًا -كانوا يظنون أن اللبنانيين استسلموا- مُزقوا إربًا
بقذائف المورتر ونار البنادق الآلية وسط الألغام.
وحين وصل الباقون إلى مواقع اللبنانيين، بدأوا إعدام العونيين كــ «قناصين» وموالين غير قانونيين خالفوا قواعد الحرب، لا أحد متأكد من عدد الجنود اللبنانيين الذين قُتلوا، وبعد يوم وجدتُ عددًا منهم في مكان العرض الجثث غير مبرد في بعبدا، وقد أُطلقت النار على رؤوسهم بينما أيديهم مربوطة إلى الخلف، ومعظمهم عرّوا من ثيابهم قبل قتلهم. وفيما بعد قال لي ألبيرت منصور وزير الدفاع اللبناني آنذاك، إن ما حصل كان «مجزرة مزدوجة» للسوريين واللبنانيين.
فلماذا يتوق المسيحيون إلى فتح مقبرة اليرزة؟ يبدو أنهم يريدون إرباك السوريين وتعقيد الوضع أمام الرئيس الأسد، الذي كان في سن الرابعة والعشرين في حينها، ولم تكن له صلة بالقتل. وحين وقعت مذبحة تدمر، لم يكن يتجاوز سِنه ١٤ عامًا.
وفي النهاية، إذا كانت المجموعة المسيحية تتوق إلى معرفة الحقيقة عن حمّام الدم اللبناني، بإمكانها المطالبة بفتح مقبرة في صيدا تضم جثث عدد من السجناء المسلمين اللبنانيين قُتلوا على يد حراس إسرائيليين قرب مصنع فواكه صفا في عام ۱۹۸۲م. لقد حققت في عملية القتل هذه بنفسي في حينها. أو بإمكانها «المجموعة المسيحية» فتح مقبرة الثوار المارونيين الذين قُتلوا على يد أقرانهم المسيحيين، حين حاولوا سحق ميليشيا القوات «اللبنانية» المسيحية قبيل نهاية الحرب الأهلية، لكنهم يصمتون عن هذه المقابر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل