العنوان شخصية «الحمار» في الفكر والأدب (۱۳) مشاعر وأحاسيس
الكاتب الأستاذ الدكتور جابر قميحة
تاريخ النشر الجمعة 17-فبراير-2012
مشاهدات 58
نشر في العدد 1989
نشر في الصفحة 50
الجمعة 17-فبراير-2012
·
الحمار
«بلاتيرو» في كل علائقه حي الشعور رقيق العاطفة لا يعرف العنف بل كثيراً ما تعتدي
عليه الحيوانات الضالة ولا يحاول أن يرد العدوان.
·
العاطفة
الإنسانية التي نلمسها حية نابضة عند «بلاتيرو».. تلتقي في مفهومها وأبعادها مع
عاطفة الشاعر نحو الحيوانات.
·
الشاعر
ينقل لنا بأسلوبه الشاعري كثيراً من تفصيلات الحياة الريفية التي قد لا يلتفت لها الكثيرون.
·
يتحدث
عن أنبل الأدوار التي يؤديها «بلاتيرو» وأعمرها بالرحمة والإنسانية في قصيدة «المسلولة»
التي تعد من أرقى قصائد الديوان.
الشاعر الإسباني «خوان رامون
خمنيث» يحس بالعاطفة الصادقة التي تربط حماره «بلاتيرو» بالأطفال، فهو يسعد حين
يرى الأطفال يمضون معه إلى مسيل أشجار الحور، ويأتون به يركض، وقد حمل الأزهار
الصفراء وهم يداعبونه، ويضحكون ضحكات لا حدود لها (ص ٤٣).
أما أنبل الأدوار التي يؤديها
«بلاتيرو» وأعمرها بالرحمة والإنسانية، فهو ما نقرؤه في قصيدة «المسلولة» التي تعد
من أرقى قصائد الديوان، ونحن نؤثر أن ننقلها بنصها:
«كانت على مقعد حزين وجهها
أبيض لا بريق فيه، كأنها زهرة ناردين مقطوفة فبوسط الغرفة الباردة البيضاء، أوصاها
الطبيب بأن تخرج إلى الريف ليهبها شمس مايو البارد، ولكن المسكينة لم تستطع.
قالت لي: كلما أصل إلى
القنطرة يا سيدي عند ذلك الجانب أختنق، وكان صوته الضعيف الرقيق المتقطع يتساقط
مكدوداً، كما تتساقط أحياناً بسمة الصيف.
أعطيتها لـ «بلاتيرو» كي يطوف
بها قليلاً وأمتطته، فيا للضحكة التي تنبعث من وجهها الحاد، وجه الميتة، الوجه
الذي كله عيون سوداء، وأسنان بيضاء.
وأطلت النساء من الأبواب
ينظرن إلينا ونحن نمر، فكان «بلاتيرو» يمشي على مهل كأنه يعلم أنه يحمل فوق ظهره
زنبقة هشة من بلور رقيق، وكانت الطفلة في ثوبها الأبيض ثوب عذراء «مونتمايور»،
الذي يموج بلون أحمر، قاتم وقد غيرتها الحمى والأمل، وكأنها ملك يجتاز القرية في
طريقه إلى سماء الجنوب». (ص٦٣).
تعاطف نوعي
ويتعاطف «بلاتيرو» مع أبناء
جنسه من الحمير، فهو يقف معجباً بحمار الطفل بائع المشمش، الذي يعلن عن سلعته
بنداء متكرر.
و «بلاتيرو» لا يريد أن يمشي
فينظر وينظر إلى الطفل ويشم حماره ويلطمه فالحماران يتفاهمان على ما لا أدريه من حركة
توأمية للرأسين تذكر في الحال بحركة الدبية البيضاء.
حسن يا «بلاتيرو».. أسأل
الطفل أن يعطيني حماره، وأنت تذهب معه وتكون بائع مشمش؟ هيا ولا ننس أن «بلاتيرو»
من قبل ساعد حماراً عجوزاً عاجزاً عن جر مركبة من بداية الطريق الموحل إلى أعلى
الطريق (ص ٥٣).
وتجاوب «بلاتيرو» مع
الحيوانات الأخرى من غير أبناء جنسه لا يقل عن تجاوبه مع أبناء جلدته من الحمير
والأتن، فهو يلعب مع «ديانا» الكلبة الجميلة البيضاء، التي تشبه القمر في ليلة
التمام ومع العنز العجوز الرمادية، ومع الأطفال.
رقة العاطفة
و «بلاتيرو» في كل علائقه حي
الشعور رقيق العاطفة لا يعرف العنف والعدوان، بل كثيراً ما تعتدي عليه الحيوانات
الضالة، والحيوانات الشرسة، فيأخذه الخوف ولا يحاول أن يرد العدوان بمثله أو حتى
بأقل منه، لأنه لم يطبع على روح العنف والعدوان.
وهذه العاطفة الإنسانية، التي
نلمسها حية نابضة عند «بلاتيرو» تلتقي في مفهومها وأبعادها مع عاطفة الشاعر نحو
الحيوانات.
وتتوهج عاطفة الشاعر بالأسى
العميق لكلب مربوط عزله الفناء أو في عزلة بهو من الأبهاء أو بستان، وفي وقت
الغروب يثير نباحه في نفس الشاعر الرثاء على نحو لا يثيره شيء آخر.
حلول روحي
وتهتز مشاعر الشاعر للحمار
العجوز الذي بلغت به السن حداً لا يرجى منه معها نفع: إنه ينتظر الموت بين لحظة
وأخرى في كآبة.. إنه لا يسمع أحداً.. ولا يرى أحداً.
هذا التلاقي النفسي بين
الشاعر وحماره يمثل وحدة حقيقية في المشاعر والأحاسيس، أو ما أسميه «حلولاً نفسياً
أو روحياً»، وتجعلنا نؤمن بأن الشاعر لم يكن مبالغاً حين قال عن حماره: إنه «شبيهه
وأنه مطبوع
بنفس أخلاقه» (ص ٦٠).
وللغجر حظ وافر من ديوان
الشاعر: حياتهم، وعاداتهم وتقاليدهم، وسوءاتهم وأعمالهم وملابسهم.. وكل أولئك من
خلال «بلاتيرو»، كصورة العجائز الفجريات الثلاث «اصعد يا بلاتيرو» في هذا السياج، امض
كي تفسح الطريق لهؤلاء العجائز الثلاث البائسات.. انظر إلى ثيابهن المزرقشة ذات
الخطوط والوشّم ألا ترى أنهن يمضين بقوام ممشوق رغم كبر سنهن سوداوات ينضح منهن
العرق مغبرات ضائعات بين التراب وشمس الظهيرة، ولا يزال يرافقهن غصن ضعيف ذابل
كأنه ذكرى حافة قاسية« (ص ٥٢).
ملامح القرية
ويمضي «خمنيث» في حيوية
شاعرية يستكمل ملامح القرية في مواقفها وعاداتها وتقاليدها، فيتحدث عن كرنفالاتها
ومواكبها التنكرية (ص 153، 157).
ومسلاتها وملاهيها: مثل صراع
الديكة (ص ۸۰) ومصارعة الثيران (ص ٩٥) ووصف قطف العنب وعصره (ص ۹۷)، وما يقوم به
الفلاحون والمزارعون والرعاة من عمليات إخصاء الخيل (ص ٢٦)، ووسم الأبقار والثيران
(ص 74).
وينقل لنا الشاعر بأسلوبه
الشاعري كثيراً من تفصيلات الحياة الريفية، التي قد لا يلتفت لها الكثيرون، كالذي
نراه في وصفه للخبز وأنواعه والمواد التي تدخل في صناعة كل نوع وطريقة بيعه «ص
٥٤».
وينال الأطفال حظاً وافياً من
قصيدة الشاعر في ملاهيهم وألعابهم، وآلامهم وأحلامهم، ويلح بصفة خاصة على إبراز
جانب اجتماعي مهم، وهو أن الأطفال كانوا يعملون وينتجون، كما نرى في صورة الطفل
بائع المشمش (ص۷۲).
ميدان العمل
حتى البنات الصغيرات كن يقمن
في ميدان العمل بما يقوم به الشباب والرجال، كتلك الطفلة الصغيرة المنهوكة التي
كانت تقود عربة تنوء بحملها من البرتقال والأعشاب.. وتتعطل العربة القديمة في
المخاضة الكبيرة التي أغرقتها مياه المطر، ويعجز الحمار الصغير عن مواصلة السير،
وتحاول الصغيرة المنهوكة أن تساعد الحمار بصدرها الطري؛ «ولكن جهدها كان ضائعاً» (ص
٥٣).
والحصيلة النهائية، هي أن
القارئ لا ينتهي من قراءة الكتاب إلا وهو يشعر شعوراً قوياً مجسداً بأبعاد البيئة
أو بتعبير أدق بشخصية القرية.. قرية الشاعر التي أعتبرها «أنريك دياس كانيدو»
البطل الحقيقي لكتاب «خمنيث».
ولكن هذه البطولة الفنية يجب
ألا تصرفنا، أو تبهرنا وتشدنا بعيداً عن كثير من القيم الاجتماعية والإنسانية التي
حرص «خمنيث» على أن يبرزها، ليعيشها القارئ.